رمضان النور: رمضان شهر الجلال والجمال (1)

قد أظلنا شهر المرابح بظلاله ونواله، وجَماله وجلاله، شهر عاطر، فضله ظاهر، بالخيرات زاخر، انبلجت بيمنه الصباحُ،

وتأرَّجت الأمصارُ بعبقه الفوَّاح، شهر أشرقت في أفق الزمان العاتم كواكِبُه، وعادت -والعود أحمد- بسلامة الإياب أنجادُه ومراكبه، لينضح أرواحنا اللهفاء بالرَّوْح والريحان، والازدلاف إلى المولى الديان.
شهر رمضان نفحة ربانية، تُفعم حياةَ المسلمين بالذِّكْر والقربات، وفيه تلهج الألسنُ بعاطر التلاوات، وتبهج الأنفس بهدي الصيام ونور القيام، وَفَدَ ليوقظ رواكد الخير في القلوب، ويعطِّل روافدَ الحوب ومساقي الذنوب، وَفَدَ ليُرهف أحاسيس البِرِّ في الشعور، ومعاني الإحسان وبسط الحبور، فتبرأ النفوسُ الشاردةُ الكزَّةُ من أثقال الحياة، وتخفف من أوهاق المادة المعنَّاة، فالأُذُن سامعة، والعين دامعة، والروح خاشعة والقلب أوَّاه، هذا نسيم القبول هَبَّ، وهذا سيل الخير صَبَّ، وهذا الشيطان قد غُلَّ وتَبَّ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صُفِّدَتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغُلقت أبوابُ النارِ فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتحت أبوابُ الجنةِ فلم يُغلق منها بابٌ، وينادي منادٍ: يا باغيَ الخيرِ أَقْبِلْ، ويا باغيَ الشرِّ أَقْصِرْ، ولله عتقاءُ من النار، وذلك كلَّ ليلة"أخرجه الترمذي، وابن ماجه بسند صحيح.
جاء الصيام فجاء الخيرُ أجمَعُه
ترتيلُ ذِكْر وتحميدٌ وتسبيحُ
فالنفسُ تَدْأَبُ في قولٍ وفي عملٍ
صومُ النهارِ وبالليلِ التراويحُ
يا أمتي استَقْبِلوا شهرًا بروح تقى
وتوبة الصدق فالتأخير إغواءُ
توبوا إلى ربكم فالذنب داهية
ذَلَّتْ به أممٌ واحتلها الداءُ
الصيام ترسٌ للمسلم من الخطايا والأوزار، وَلَأْمَةٌ دون التلطخ بالأدران والأكدار، وجُنَّة واقية من لهيب النار، ألا فلتجعلوا لجوارحكم ذِمامًا من العقل والنُّهَى، ورقيبًا من الورع والتقى، حفظا للصيام عن النقص يقول صلى الله عليه وسلم: "الصيام جُنَّة، يَستجن بها العبدُ من النار"أخرجه الإمام أحمد، ولا يتحقق ذلك إلا بصوم الجوارح عن الموبقات والفوادح، وعفة اللسان عن اللغو والهذيان، وحفظ الكَلام عن الكِلام، وغضّ البصر عن الحرام، وكبح الأقدام عن قبيح الإقدام، وبسط ندى الكفِّ، والتورع عن الأذى والكفّ، والضراعة إلى الله بقلوب وجلة نقية، وطَوِيَّات على صادق التوبة والإخلاص والتوحيد والسُّنَّة مطوية.
يا صائما تَرَكَ الطعامَ تعفُّفًا *** أضحى رفيقَ الجوع واللأواءِ
أَبْشِرْ بعيدِكَ في القيامة رحمةً *** محفوفة بالبِرِّ والأنداءِ
يقول صلى الله عليه وسلم: "رُبَّ صائم ليس له من صيامِه إلا الجوعُ، وربَّ قائم ليس له من قيامه إلا السهرُ"أخرجه ابن ماجه والنسائي، وهل مقاصد الصيام - إلا تهذيب النفوس وتربيتها؟ وذمها عن أدرانها وتذكيتها؟ وذلك هو المراد الأسمى والهدف الأسنى، من شرعة الصيام؛ ألا وهو التقوى، فالصيام لِجامُ المتقينَ، وجُنَّة المحاربينَ، ورياضة الأبرار والمقربينَ، وهو لربِّ العالمينَ من بين سائر الأعمال، وهو سِرٌّ بين العبد وربه، لا يَطَّلِعُ عليه سواه وإن الصوم يُسَكِّن النفسَ الأمارةَ بالسوء، ويكسِر سَوْرَتَها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح.
يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا