دراما رمضان: «كان يا ما كانش» نقد للسلطة والنظام عبر الكوميديا

يخوض عبد الحميد بوشناق، مغامرة جديدة كوميدية تراجيدية ساخرة، تنقد الواقع التونسي الراهن بصور قديمة، نقد في قالب سخرية وكشف للفساد

والصراع على السلطة في قالب ضحكة مسكونة بالسؤال، تجربة مختلفة عن «النوبة» التي عرفه عبرها جمهور الدراما الرمضانية، مغامرة كوميدية ونقدية لرمضان 2021.
«كان ياماكانش» عنوان السلسلة الكوميدية سينارية حاتم بلحاج وعزيز الجبالي وعبد الحميد بوشناق من تمثيل عزيز الجبالي وجهاد الشارني وفاطمة بن سعيدان وجمال المداني وعبد الحميد قياس ومنجي العوني وشوقي بوقلية وهالة عياد ورملة العياري وهي مزيج من السخرية والنقد جمعت ممثلين من اعمار مختلفة تميزوا جميعهم امام الكاميرا.
صور قديمة لنقد الراهن
رحلة في التاريخ من خلال المكان، في اوذنة تم تصوير مشاهد من السلسلة الكوميدية «كان يا ما كانش» التاريخ يرمي بظلاله على المكان والشخصيات وأزيائها، النيران تضيء الغرف المظلمة والمطبخ التقليدي القديم، كل مكونات الديكور ومؤثثاته تشير الى ان الاحداث تعود الى فترة زمنية جد قديمة، لكن المواضيع المطروحة تنقد الان والراهن.
في بلاد «الخضراء» يتعرض الملك «ساطور» للتسميم، وتبدأ رحلة البحث عمن يخلفه، وتكون نقطة الخلاف الاولى «الدستور» (نسيت ان هناك دستور، الي بقى من دستورنا، فيه ثغرة لا يمكن ان نمر من الفصل 57 الى الفصل 63» والصراع بين نقاط الدستور والخلاف حوله يعيش على وقع التونسيين منذ اكثر من عام بين رئاسة مجلس النواب ورئاسة الجمهورية لكنه يقدم بطريقة ساخرة وهزلية تضحك المشاهد قبل ان يطرح الاسئلة.
بين حياة بذخ الملك وحياة الفقر التي تعيشها الرعية بون شاسع، فالملك ينعم في الرفاهية ورعيته تعاني من التهميش والتجوييع «قصر وملك بلا تاج والشعب يعاني ومحتاج» كما يقول جينيريك السلسلة، و «الخضراء بلاد الاصل مسيبة بلاش حدود، اما الرعية حارثين عليهم، يدفعوا للضريبة ثلاثة ارباع الشهرية» وبين الفقر والغنى مسافة شاسعة تنقدها السلسلة الكوميدية من خلال شخصيات تجمع ثنائية التراجيدي والكوميدي فكان العمل عبارة عن شيفرات مضحكة تقدم للمتفرج لتضعه في خانة السؤال.
فالنص مكتوب بالوجع، وذكاء والفكرة انطلقت من كاتب يعرف جيدا التلاعب بالكلمات والمرور بين الواقعي والخيالي بكل سهولة (كاتب تونس 2050و صاحب ايقونة شوفلي حل) حاتم بلحاج وقد انطلق سيناريو العمل من واقع التونسيين، فوقع نقد صراع السلطات ومحاولة الانقلاب على القوانين وتجاوزها وكذلك غلاء المعيشة وبيروقراطية الادارة التونسية وانتهازية بعض الموظفين ومحاولة اصحاب المال شراء الذمم لأجل الحكم جميعها ظواهر نعيشها في تونس قدمت في «خلطة عجائبية» وقالب تاريخي وساخر فحققت السلسلة نسب مشاهدة عالية منذ الحلقة الاولى اذ قاربت التسعين الف مشاهدة على «اليوتيوب» و تجاوزت 100 ألف مشاهدة على موقع Artify، فكانت السلسلة فانتازيا درامية وكوميدية انجزت بتقنيات سينمائية ومناخات فرجوية يتقنها جيدا عبد الحميد بوشناق.
بين الواقعي والخيالي تكون الاحداث
بين الواقعي والتاريخي تتأرجح حكايات السلسلة الكوميدية «كان يا ما كانش» والاسم معارضة كوميدية للجملة المعروفة «كان يا ما كان» ويبدو ان المخرج سعى لصناعة الاختلاف منذ العنوان ليرسخ بذاكرة المتلقي.
السلسلة عبارة عن شيخ عجوز يروي لأحفاده حكايات عن بلاد «الخضراء» وملكها «ساطور» يفتح كتابا امامه رسم فوقه شعار تانيت الهة الخصب عند القرطاجيين، وحسب الرمز تعود الاحداث الى تلك الفترة وكذلك الفضاء والشخصيات، لكن لباس الشخصيات مثلا كان مزيجا من العرب والأتراك والرومان، كذلك الكؤوس المستعملة تعود الى الفترة الرومانية (تاريخيا القرطاجيين سبقوا الرومان) وإكسسوارات الملكة تركية، كذلك الديكور من خلال اعتماد الشمعدانات وغيرها من الدلالات الجمالية التي لم تدرس جيدا اثناء توظيفها لتكون الصورة المقدمة عبارة عن صور من فضاءات عالمية وتاريخية متداخلة ومختلفة سكنت ذاكرة المخرج فأعاد ترتيبها في سلسلة تنطلق من الخيال لتنقد الواقع.
وفي اطار البعد العجائبي اختيرت للشخصيات اسماء غريبة، فالملك «ساطور» ووالده «قرضة» وللاسم رمزية القوة فالساطور والقرضة كلاهما يستعملان للذبح وتقسيم اللحم كذلك يفعل الملك يذبح شعبه بالضرائب المرتفعة، واسم المشرف على الجيش «خفاش» وهو حيوان لا يظهر نهارا مطلقا كذلك صاحب الجيش كل قراراته تحاك ليلا، و»بوقلادة» و»برغل» و»نعناع» و»مهراس» اسماء من المطبخ وأخرى ذات دلالات متناقضة استعملت لتكون كما الاحداث غريبة ومختلفة وتقبل اكثر من تأويل.
أجيال مختلفة
اجتمعت على المشروع، اجيال مختلفة جمعتها سلسلة «كان يا ماكانش» فكان العمل مزيجا من الخبرة وحب النجاح، فاطمة بن سعيدان وعودة الممثل المنجي العوني وجمال المداني وعبد الحميد قياس يجتمعون في العمل مع عزيز الجبالي وجهاد الشارني وسيف عمران وهالة عياد في مشاهد مختلفة واحداث متصاعدة يتشاركون في النقد والسخرية ليكون العمل مسكونا بطاقة تمثيلية جميلة تقنع المشاهد وتشده اليها وهي ميزة عبد الحميد بوشناق في اعماله يتيح الفرصة للشباب ليقدم مهاراته التمثيلية ويجمعهم مع كبار الشاشة فتحدث فسيفساء تونسية الروح وعالمية الاداء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا