كتاب «أرني أنظر إليك»: قلم خولة حمدي يشرق من جديد

لطالما احتلت المرأة مساحة لا يمكن تجاهلها في الأدب والشعر و اعتبرت رمزا ومقصدا للخيال فكانت دائما محورا يدور حوله الأديب وفلكا يسير فيه.

وهي لم تكتف بمجرد وجودها كمقوّم أساسي في قصيدة أو قصة روائية لتتجاوز ذلك و ترفع بنفسها القلم و تصبح رئيسة الحروف ومديرة الكلمات.
من خلف ابتسامة دافئة تدعوك بمكر أدبي إلى تذوق قلمها و«استطعام» حديثها،تبرز خولة حمدي بمسيرة إبداعية فريدة لكاتبة تونسية شابة استطاعت من كلماتها الأولى استمالة قراء لهم تفضيلات مختلفة.

«أرني انظر إليك» إشراقة حديثة لخولة حمدي
امرأة تشبه كتاباتها إلى المنتهى، نفس الوضوح الذي يفوح من عباراتها المكتوبة يتألق على لسانها،نفس القيم النبيلة التي تؤسس لها كتاباتها تحملها شخصيتها ونفس الأناقة التي تكتب بها تتجلى فيها كانسان يستدعي التقدير. وهو ما اثّر على الرواج السريع لكل إصدار لها في الأوساط الشبابية و الثقافية.
«أرني أنظر إليك»،آخر كتاب يتصدر قائمة المبيعات لهذه الكاتبة لما يحمله من بعد علمي في اختيار المفردة و انتقاء العبارة الدالة على المضمون والحرص على الكلمة الواضحة غير الملتوية أو الحاملة لعديد التأويلات. إن تعاقد خولة حمدي مع قرائها الكثيرين يجعلها دقيقة في صياغة رواياتها التي تحمل كما هائلا من التعاطي العقلاني للمواضيع المطروحة.
تتمحور أحداث الرواية حول شاب يُدعى «مالك» تونسي الأصل، نشأ نشأة إسلامية وشرب الفكر الإسلامي وتربى على هم الدعوة، وعاش هذا الشاب كما يعيش الملتزمون حتى انتهى به الأمر مثلما يحدث غالبًا في الدول العربية بالاعتقال.
قضى وقتًا بين التعذيب والوحدة واليأس و الكآبة،مشاعر مختلطة تجعل القارئ يتغذى من اسطر الرواية حزنا و تعاطفا مع حال مالك، حتى كتب الله له أن يخرج من السجن.
نقلة نوعية، من بين القضبان الداكنة إلى بحر الموت و شبح الهجرة غير الشرعية بهدف التخلص من ذكريات الاعتقال والألم، ومن هنا، تبدأ رحلة جديدة من الصراع، صراعٌ مختلف هذه المرة، صراع السطوة الفكرية وسلطة الثقافة الغالبة لينتهي به الأمر على مشارف الإلحاد. ولكن نجا الشاب من بين براثن الانحراف و وجد سبيلا نحو الهدى.
هذا ما تطرحه خولة حمدي في روايتها الجديدة، الصراع الأزلي الداخلي الذي يحدث للشاب الملتزم و المتشدد فكريا إذا ما تعرض لاصطدام بثقافة مغايرة وبيئة جديدة بالنسبة لما يحمله من أفكار عن العالم الخارجي.
رواية منحوتة بمقاربة ذكية للمعلومات و المعطيات المتشابكة من الإسلام المتزمت إلى الإلحاد وهي مستوحاة من خضم الواقع لقصة شاب تونسي عاش نفس تجربة مالك بطل الرواية.

عندما تمسك المرأة القلم
مشوارها مع الدراسة الأكاديمية كان بعيدا عن روحها الأدبية، لكنها ظلت وفية لميولاتها ولم تترك القلم منذ أن أمسكته وولدت قبيلة من الكلمات جاءت بتعابيرها البارعة و القادرة على إغراق القارئ في التفاصيل اللامتناهية من المقاربات المنسوجة من قضايا تؤمن بها وتغوص فيها.
هي اليوم، من أشهر الكاتبات التونسيات اللواتي رسمن طريقهن الخاص نحو البراعة الأدبية بأنامل اغلب ما يقال عنها أنها ناعمة ولطيفة. غير أنها أنامل أثبتت وبقوة قدرتها على البناء المطول في ارض التنمية الثقافية.
«الكتابة التي لا تغير قارئها لا تستحق أن توصف بالكتابة الحقة»،فالزائر لروايات خولة حمدي لا يغادر مثلما دخل ، بمعنى أن لكل كتاب إضافة علمية لحواس المعرفة و التفكير نظرا وان المواضيع الحاضرة في أعمالها ،مواضيع دينية بامتياز لكن بمنظور شيّق ونفس مغاير.
كما أن عقلانية الكاتبة تسري في جل رواياتها فهي عندما تتناول ظاهرة يطول الجدل فيها تردها على أصولها و تقاربها وفق تعاط عقلاني تمهيدا لإبراز موقفها الخاص منها.
قلم التجأ إلى الكتابة لأنه اعتبرها الركن الوحيد الذي يلتهم شتات أفكاره بكل حنية و عفوية،لأنها ببساطة وجدت في ساحة الأدب حنان الأم،ملجآ لا ينعم به سوى الكاتب.
ساحة الأدب كبيرة جدا،عانقتها خولة حمدي منذ شبابها و أرادت أن يستشعر القارئ بما نسج قلبها، ليكون القارئ فردا من عائلتها.
بقائمة ممتدة من روايات واعمال اكتسحت لسنوات قائمة المؤلفات الأكثر مبيعا وحصلت على اهتمام فئة كبيرة من القراء لكل منهم اختلافاته وتفضيلاته.
«أحلام الشباب» و«غربة الياسمين» و «أن تبقى» و«أين المفر»... روايات أجمع عليها المراهقون وكذلك الشباب، وأصحاب الخبرة في القراءة، وذلك رغم صغر عمرها، وفي ظل منافسة محتدمة.

«في قلبي أنثى عبرية» ..طريق ممهد نحو قلوب القراء
من الممكن اعتبار روايتها الأولى بشكل رسمي،قصة صاغتها خولة حمدي بنفس جميل و لمسة من الرومانسية و الرقة. فتمكنت من خلالها أن تحوز إعجاب كثيرين من القراء، الذين رأوا فيها رواية تستحق التقدير والثناء، في حين اعتبرها آخرون ساذجة أو غير واقعية في مجريات أحداثها، رغم أنها جاءت تحت عنوان «مستوحاة من أحداث حقيقية» قامت الكاتبة بوضعها في قالب مشوق.
388 صفحة تروي حياة «ندى» الفتاة اليهودية التي تعيش مع أسرتها بعد غياب والدهم المسلم، لتجد نفسها مقبلة على التعرف على دين والدها رغم تزمت والدتها اليهودية، ولكنها تعتنق الإسلام بالفعل، وتكون مثل الداعي لهذا الدين داخل أسرتها.
تأتي أحداث الرواية في وسط إشارات واضحة حول اليهودية في تونس والعالم العربي، ودور المقاومة في التصدي للعدو الصهيوني، وكذلك صراعات التاريخ وشهادته، وتطورات الوضع الحالي، إلى جانب قصص الحي والعلاقات الإنسانية.مزيج من الأفكار الفلسفية العميقة في الدين دخلت إلى رفوف المكتبات بثبات و ثقة كبيرين .
كثير من الكتاب حملت كتبهم الأولى ملامح من «دهشة الولوج البكر إلى الكتابة» وآخرون بدت مؤلفاتهم الأولى عبارة عن تمارين على طريق الدربة، لكن مسيرة خولة حمدي القلمية جاءت وهي حاملة لسمات العمق و دلائل الرزانة الأسلوبية التي جعلت منها سيدة من سيدات الرواية التونسية.

جيهان المكاحلي (متربصة)

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا