رواية «هيجوج وميجوج» لمراد البجاوي: امتزج الأسطوري بالواقعي لنقد حال الأوطان

سفرة خيالية واسلوب مغر، رحلة في الزمان والمكان تنطلق من الترميز للوصول الى النقد هكذا يمكن وصف ما كتبه مراد البجاوي في روايته «هيجوج وميجوج»

المسكونة بالخوف والدم ورائحة الموت.
«هيجوج وميجوج» للكاتب مراد البجاوي صدرت عن دار زينب في 196صفحة وترك كاتبها للراوي كامل الحرية ليحرك شخصياته واحداثه ويجمع بين التخييلي والحقيقي فيحمل القارئ الى عوالم غامضة حينا وشفافة احيانا لكنها مسكونة بالسؤال.

سفرة بين الخيال والواقع:
«حريق، بشاعة، ويل،عسف، قمع،ظلم، سواد،نار، جور، الم، تنكيل،سواد، جور، الم، كيّ، هدم،لحاق، نطّ، ضرب، خوف، قبض، ذعر، طعن» جميعها مفردات تتشكّل حدّ التماهي في نص مراد البجاوي، كل الكلمات التي تحيل على معجم الخراب يستعملها في نصه «هيجوج وميجوج»، فالرواية مسكونة بالخوف، موشاة بالالم ومبنية على الخيال المغلف بالقضايا السياسي التي يحاول البجاوي الخوض فيها مستعملا الجناس والكناية والترميز.

«هيجوج وميجوج» هو عنوان الرواية، كتاب ينطلق من الاسطوري والقرآني لبناء نص روائي مفعم بالترميز، «هيجوج وميجوج» باللهجة الدارجة التونسية تقابل «يأجوج ومأجوج» في الفصحى ومن سورة الكهف وسورة الانبياء الاية 96»جتى اذا فتحت يأجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون»، ومن مقولة لابن خلدون «وفي الجزء العاشر من هذا الاقليم ارض يأجوج ومأجوج» انطلقت الحبكة الروائية التي برع مراد البجاوي في صياغتها ليقدم نصا نقديا ورمزيا تبدو احداثه خيالية وشخصياته تجمع الخيالي بالواقعي لكنها جدّ واقعية ومن الترميز يحمل البجاوي قارئه الى عوالم الاوطان واسباب انهيارها.
في روايته توجه البجاوي الى الترميز والكناية والجمل المشفرة وبعد عن الاسلوب الواضح والمباشر وكانه يحاول ان يقحم القارئ في عوالمه الروائية، يدعوه حينا ليعود الى النص القرآني ويتركه احيانا يسبح في عوالم الاسطورة محاولا اكتشاف الخيط الفاصل بين الخيال والحقيقة ومرة يسافر به الى «سد» محمود المسعدي من خلال اسلوبه وكأن بالبجاوي يريد قارئا فطنا قادرا على التحليل واكتشاف ما تخفيه الكلمات والمعاني، يريده قارئا نهما للعلم والمعرفة، فيرمي له الطعم الرمز ثم يسحبه تدريجيا ليسبح في تيارات الابداع والسؤال.

من للوطن إذا خانه ابناءه؟
يمتزج الخيالي بالحقيقي، ينطلق مراد البجاوي من الرمزية والخيال ليضع الاصبع على داء الظلم والفساد المنتشر في وطنه والوطن العربي هموما، رغم الحرية الموجودة ومناهات الكتابة المتنوعة اختار عوالم ضبابية وزمن غير حقيقي وتوجه الى الخيالي لينقد ويكشف الكثير من الوهن الذي تعيشه بلاده بين الكلمات والشيفرات.
في «هيجوج وميجوج» تتعدد الشخصيات، والازمنة والاحداث لكن المكان واحد «قيرستان» الارض والوطن، في الرواية نجد سؤال اهل المدينة عن افعال ملكها فيقولون على لسان «زنقيق» «ما الذي تفعله بالعباد والمدينة يا حاكم قيرستان/ افلا تنظر الى الشعوب كيف عوّلوا على ما اكتسبوا وقارعوا بما ملكوا واستثمروا في قواهم من اجل مصائرهم؟ ام انت متوكل على غيرك ليدفعوا عن قومك البلاء، وحينها ما الحاجة الى سلطانك الزائف» (صفحة55)، فالملك الظالم والفاسد هو سبب خراب مدينته وبؤس شعبها.

يتتبع مراد البجاوي الظلم ويحاول نقله الى القارئ باسلوب مغر، اسلوب مختلف فالكتاب عبارة عن رواية لكنها مسكونة بجميع الاجناس الادبية الاخرى ففيها تنصهر القصة والنص المسرحي والكتابة الموسيقية والحوار، جميعها تتماهى لتصنع نصا عجائبيا يبهر القارئ ويحمله الى عالم السؤال ويضعه امام قبح الانظمة الفاسدة ، ف»عجاج» الملك انموذج عن العديد من المسرولين في الدول العربية يدعون الحكمة وهم الى القتل والفساد ينتصرون وكلما علا صوت المعارض تكون النار في الرواية و السجن في الواقع مصيره ومآله والتهم جاهزة دوما.

«قيرستان» المدينة المتخيلة لا تختلف كثيرا عن اسماء دول يعرفها مراد البجاوي جيدا ويعلم خفايا سياساتها، حاكم قيرستان الظالم عايش البجاوي امثاله ويعرف صوره التي يشاهدها في الصحف والتلفاز، وفي كل مدينة ووسط الكثير من الظلمة يوجد نور وضياء كما يوجد «زنقيق» في قيرستان، «زنقيق» الشاب الحالم بتغيير حال وطنه والتصدي للياجوج والماجوج والخوف والموت يسعى منذ بداية الرواية للانتصار لفكرة الوطن «افديكم بدمي يا بني قيرستان، فالعهدة علي ان ترقص النجوم والكواكب لمسراتكم، وتفيض الجداول خيرا وبركة، وتزهر ايامكم جهدا في غير تعب وراحة في غير كسل» (صفحة51).

«زنقيق» رمز للامل كما ثورات الشباب في العديد من الدول لكن الامل وحده لا يكفي للإصلاح وسط قوة المال والزعامة وسيطرة الدين فهاهم كهنة المعبد ورئيسهم يفشلون كل مخططات «زنقيق» لبناء حاجز يمنع عن المدينة الهجوم الدموي ووحدهم من يحتمي بالأبواب الثقيلة والجدران الصماء لينجوا «»تفرقوا قبل فوات الاوان يا بني قيرستان والا داهنا البلاء وهلكنا والبيداء، اياكم الالتفات الى الوراء، انطلقوا واسرعوا الى الفلاة ولا تترددوا» (صفحة19).

وفي الوقت ذاته يفشل كل مخطط للتغيير او الاصلاح وكم كاهن وحارس للمعبد يعيش في هذا الزمن وكم من رافض للتجديد يقف شاهرا سيفه في وجه الامل والرغبة في البناء وان تغير الاله «ساريج» بأكثر من اله فلازال حراس المعابد كما في الاسطورة يرفضون إعمال العقل ويدعون للعبادة دون نقاش.
في الرواية يسعى البجاوي الى النقد انطلاقا من الخيال، آلمه حال وطنه فسعى الى لغة الترميز ليخرج خوفه ويحوله الى كلمات، الأسلوب مغر وتعابير مبهرة تقف امامها للحظات قبل مواصلة القراءة، في «هيجوج وميجوج» الكثير من الاسئلة عن حال وطننا اليوم؟ وهل بخلاصه من الديكتاتورية استعاد عافيته ام ان حراس المعبد تغيرت اشكالهم واسمائهم فقط؟ هل الامل يقدر على الاصلاح؟ وهل ايمان «زنقيق» يمكنه التغيير ام هناك قوى اخرى يجب ان تتحد لنجاح الوطن وخلاصه من الفساد والفاسدين؟ واسئلة كثيرة يبهثها البجاوي في قارئ «هيجوج وميجوج».

• من الكتاب:
- «ما بهم ملوك هذا الزمان؟ هل هم الرب فيركع لهم كل العباد، فلا يملكون لحسابهم الا ما شرّعوه، ولا يتدبّرون شانهم الا بما قدّروه، ثم لا يسلكون دربهم الا بما سطروه، فاذا وقفوا جبابرة لهم الملك والمال والحكم بلا اجال، فايّ وازع يجعلهم طغاة فيكبلون الاقوام كالرّعاة» صفحة 68
- «لم يكن للقوم المرتحلين ليالفوا سطوة العام تلو الاخرى، لولا اعتقادهم بانه مقدر عليهم ان يكتووا بنيران الابتلاء، ومكتوب على عيشهم ان يصطبغ بافة الفساد»
- «افتح ذراعيك ولتكن يمناك ثبوتا في الاصل، ويسراك مسعى الى وصل، واما العقل فبينهما رجاحة اختيار» صفحة137.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا