عن تجربة مسرح الإدماج الدكتور زهير بن تردايت لـ«المغرب»: علاج القاصرين ليس فقط بالأدوية بل بالروح التي تسمو بالفن

• كفانا قمعا وترهيبا في المسرح التونسي

زهير بن تردايت أستاذ جامعي متحصل على الدكتوراه في الفن المسرحي وهو مسرحي أخرج وألف أكثر من 20 عملا مسرحيا محترفا موجها للأطفال حصل العديد منها على جوائز وطنيا ودوليا ونشر ثلاثة كتب و07 مقالات علمية وعددا آخر من المقالات في مجلات ثقافية وفنية متخصصة و أدار عددا من المهرجانات الكبرى كمهرجان علي بن عياد ومهرجان مسرح التجريب ومهرجان فرحات يامون الدولي للمسرح وسبق ان أنجز تجارب مختلفة في مسرح الإدماج منها تجربة مسرحية «هيا نقطف ثمرة» مع عدد من أطفال التوحد وتمكن صحبة فريقه من عرض المسرحية بمشاركتهم وبطولتهم على الركح أمام أكثر من 250 متفرجا من 25 دولة وعن «مسرح الادماج» ولا مركزية الفعل المسرحي في تونس تحدث زهير بن تردايت.

• تخوضون تجربة جد مختلفة وهي «مسرح الادماج»؟ كيف تقدم هذه التجربة:
بعد تجربتنا مع أطفال التوحد ها نحن ننجز الآن تجربة تأسيسية يشرف عليها مركز الفنون الدرامية والركحية بجربة والجمعية العامة للقاصرين عن الحركة العضوية بحومة السوق جربة ودار الثقافة فريد غازي والمجمع التربوي «الأجيال الجديدة» بدعم من برنامج «بصمات» بمسرح الأوبرا تجربتنا تتمثل في مختبر إرادة لمسرح الإدماج وفيها نشتغل مع عدد 07 أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة و 06 اطفال لا يحملون إعاقات ثم سيقع دمجهم في ورشة واحدة حيث سنقوم بالبحث في مواهبهم وقدراتهم ثم نستنبط من أحلامهم نصا مسرحيا ليتمرنوا على آداء الشخصيات وتقديم الأغاني وعزف الموسيقى ورسم المناظر في عرض متكامل مؤطر من ذوي الاختصاص في الفن وفي علم الإجتماع وفي علم النفس وفي التربية المختصة سيقدم في أواخر شهر أفريل .

• وما هي وظائفها واهدافها وهل للمسرح القدرة على العلاج؟
وظائف هذه التجربة دمج ذوي الإحتياجات الخاصة فيما بينهم أي أن كل حامل لإعاقة أو اضطراب يلعب ويتواصل مع أطفال آخرين كل له إعاقته أو اضطرابه ثم نعمل على إدماجهم مع الأسوياء وكما ندمج الأسوياء ليتمرنوا على احترام الآخر والتعاون معه دون شفقة أو احتقار كما نبحث عن إظهار مواهبهم وطاقاتهم الكامنة لإكسابهم الثقة في أنفسهم . أما عن العلاج فنحن تمكنا من مساعدة أطفال التوحد على النطق ونزعم أننا سنساعد أطفال المختبر لتطوير قدراتهم وربما إدماجهم حتى خارج النشاط بمعنى في حياتهم الدراسية والمهنية وقد رسمنا خطة لذلك فعلاج هؤلاء ليس بالأدوية على أهميتها بل بالروح التي تسمو بالفن والنفس التي ينقاد لها الجسد وإن كان قاصرا والعزيمة التي تشحذها متعة اللعب. لو لم يكن للمسرح دور في العلاج لما ظهر العلاج بالدراما مع مورينو ولما أنجزت العيادات المسرحية ولما استخدم علماء النفس هذا الفن وسيلة علاجية ولما حدثنا أرسطو عن التطهير كغاية للتراجيديا نحن لا نجعل الأعمى يرى ولكننا نجعل فاقد البصيرة يعي أن فاقد البصر يمكن أن يكتب ويمكن أن يشتغل ويمكن أن يرسم ويمكنه أن يكون.

• كيف وجدتم التجربة المسرحية مع «ذوي الهمم» وفي مراكز الادماج؟
هناك حراك هام في المراكز المختصة ولعل تظاهرة مائة كرسي بمسرح «كورتينا» لمحمد علي سعيد خير دليل على ذلك وكذلك تجارب محمد العتيري وغيرهما إلا أن ما ننجزه الآن هو مختبر بمعنى أن هناك فريقا من المختصين في مجالات متنوعة تبحث في وضع الاطفال وتطور حالتهم بعد كل حصة وأن عددا من الفنانين الباحثين في الموسيقى والتعبير الجسماني وفن المهرج والتمثيل، ينجزون تدخلاتهم بإعداد علمي حسب حالات الأطفال ويعدلون مسارهم حسب ما ينيرهم به المختصون في علم النفس والاجتماع العملية معقدة والمتدخلون كثر ينسقون فيما بينهم لتحقيق الغايات أثناء الورش وصولا إلى العرض وإلى الإدماج المجتمعي.

• تجربتكم مع « جمعية صوت الطفل الريفي بمدنين» كيف وجدتم تفاعل الاطفال مع المسرح؟ هل يقبل طفل الريف على تعلم الفنون الدرامية؟
كانت تجربة متميزة نقوم بها للمرة الثانية حيث ان هناك مواهب حقيقية مغمورة في الأرياف تجلّت لي أثناء محاورة الأطفال لتعديل الحكايت التي رويت لهم وتهذيبها واستنباط نصوص مسرحية نابعة منها أطفال يحملون وعيا كبيرا وروحا نقدية فهم يغيرون العبارات العنيفة ويقترحون بدائل ويفسرون حكاية بوسعدية بضرورة تقبل الآخر مهما اختلف عنا لونه وهم يرسمون الشخصيات والمناظر بابداع كبير، طفل الريف لا ينقصه الخيال ولا القدرة على التعبير إنما تنقصه فرص التعريف بطاقته وابداعه.

• بالعودة الى تجربتكم المسرحية في اختصاص مسرح الطفل؟ كيف تقيمون تجربتكم المسرحية؟
أنجزت أكثر من عشرين عملا شاركت فيها مع فنانين كبيري الحلم والفن أذكر منهم محمد المختار الوزير و كمال العلاوي ووداد العلمي وفرحات الجديد ونور شيبه وتوفيق البحري وفتحي ميلاد وأنور العياشي وغيرهم كثير وإن لم تتح لي فرصة لإنجاز عمل مع مؤسسة لها امكانيات مادية فكل أعمالي كانت في إطار شركات تمتعت أغلبها بدعم من الوزارة حيث لم تكن الظروف تناسب أحلامي والحقيقة أن بعض الذين رفعناهم فوق ظهورنا لينطلقوا في مسار الإبداع سرعان ما تنكروا لنا وأقصونا لكننا بقينا نحارب من أجل نصوص تونسية لا نصوصا مترجمة أو مقتبسة ومن أجل أعمال مسرحية نابعة من واقع أطفالنا لا صورا باهتة مسروقة من الصور المتحركة بلا روح ولا حياة .

• كيف يرى زهير بن تردايت مسرح الطفل في تونس؟ ما هي المشاكل وما الحلول المطروحة علميا للنهوض بالقطاع المسرحي في تونس؟
كثيرا ما قدمت مقترحات لم يؤخذ بها أذكر بعضا منها أن تكون اللجان متكونة من مختصين في علم الإجتماع بالإضافة إلى الفنانين ومن ممثلين لوزارات التربية والتعليم العالي والعدل لنفتح أسواقا لتوزيع العروض، كفانا لجانا تسند أعدادا وكأن الفنان يجري امتحانا عددنا قليل لا حاجة لنا بكل هذا القمع والترهيب نحتاج إلى توزيع العروض لتوسعة السوق كي يحيا الفن هناك عرض وطلب وهناك حد أدنى من التقييم بعيون المشرف على السوق والعمل الذي لم يكن جاهزا تتم مرافقته من طرف اللجنة حتى يعدّل ويجهز.
المسرح يحتاج تضامنا لا احتكارا من طرف لوبيات يشغّل بعضها بعضا المسرح في تونس يحتاج ميثاقا للمحبة بين الفنانين أولا وقبل كل شيئ. المركز الوطني لفن العرائس مثلا حاد عن أهدافه التي رسمها أول مدير للفرقة رشاد المنّاعي في تصريح له:» إنّ مسرح الأطفال هو بحث بيداغوجيّ ينطلق من الطّفل ليعود إليه والغاية منه تمهيد الطّريق أمام الجيل الصّاعد لينفتح على الحياة ويتعامل مع القضايا الاجتماعيّة والكونيّة التي هي في متناول تفكير الطّفل وبذلك نكون قد مكّنّاه من استخدام ملكاته الذّهنيّة .»وقد ورد في النقطة الرابعة من ميثاق تأسيس هذه الفرقة « « المدارس والمعاهد هي في الآن ذاته هياكل استقبال لانتاجنا الثّقافيّ الأصيل وموقعا لجمهور محتمل جدّا.» ...

• قررتم منذ البدايات التمركز بالجنوب والابتعاد عن العاصمة والمركز فكيف هو المشهد المسرحي في الجنوب التونسي؟ ما هو الواقع؟ وهل هناك حركة مسرحية موجهة للطفل؟
الجنوب التونسي تنشط فيه عديد الجمعيات ومن أهمها فرقة الصمود بأم العرائس للفنان حسين ابراهمي وقد قدمت عشرات الأعمال المسرحية المتميزة للطفل وهناك أعمال الهادي عباس وتجارب رائعة بصفاقس لعديد من المبدعين سواء في الفرق الخاصة أو بمراكز الفنون الدرامية وظهر عدد من المختصين في العرائس كلطفي فريخة وحمزة بن عون وحسان مري وعايدة الجابلي وغيرهم كثير مما ظهر في الإحتراف أو الهواية من صناع العرض.
في الجنوب الحركية موجودة لكن للأسف يبقى التضامن غير موجود لأن بعض الفرق تقصي فناني جهتها إقصاء ينضاف إلى إقصاء من المركز . مراكز الفنون الدرامية يجب أن تكون محركا نشيطا لاستيعاب الطاقات وتكوين الشبان لا تكتفي بصناعة عرض يحصل على ملاحظة جيدة ويوزع في الأسواق بممثل سرعان ما يعتذر بسبب المسافات أو كثرة الإلتزامات.

• «مسرح الطفل: أسرار الكتابة وخفايا الاخراج» و «الالعاب الدرامية» و» الحكاية التاريخية لتنشيط الشباب واليافعين» كتب موجهة أساسا للمهتمين بالمسرح ولكيفية تعلّم هذا الفن؟ كيف تلخصون تجربتكم في الكتابة؟
أنا فخور أن كتاب الألعاب الدرامية تجده في محفظة كل استاذ مسرح وكل منشط وقد نفذت نسخه من المكتبات كذلك بقيت نسخ قليلة من كتاب مسرح الطفل وأقبل القراء على كتاب الحكاية التاريخية رغم صدوره منذ أشهر قليلة نفذت نصف كمية النسخ . نحن نكتب كي يستثمر القارئ ما في كتبنا ونجحنا في ذلك.

• بالعودة الى تاريخ المسرح التونسي يجمع الكثير من المسرحيين ان المسرح المدرسي في الستينات والسبعينات من حلقات القوة في الفعل المسرحي؟ كيف ترى واقع المسرح المدرسي وهل من الضروري تدريس الطفل المسرح منذ سنوات الدراسة الاولى (الابتدائي)؟
ألا يبدو لكم غريبا أن تدرّس الفنون التشكيلة والتربية الموسيقية في المرحلة الإبتدائية وألا تدرس التربية المسرحية ! نعم تعتبر السبعينات مرحلة تحرر ابتعدت فيها الإدارة عن المسابقات التي ألغيت مثلا في المعاهد ودور الثقافة زمن رئاسة عبد الرؤوف الباسطي لإدارة المسرح . أنا اطالب بإلغاء المسابقات فهي سبب تردي الوضع والإحباط لدى من لا يفوز واهتزاز ثقته في المؤطر عوامل هدامة يجب أن تكون المهرجانات لأجل التلاقي والتباحث لا للصراعات .و إذا ما أردنا أن ننشر الذوق الجميل وثقافة الحوار وقبول الإختلاف واكتشاف المواهب يجب أن نبدأ منذ الصغر كما فعل جاك كوبو في فرنسا حين نشر الفن المسرحي في كل أنحاء البلاد في شكل أكاديميات يقول كوبو: «على أنّ هذا التّكوين الموحّد للجميع يتفرّع تدريجيّا حسب الميول والمواهب الشّخصيّة لكلّ فرد . فمنهم من يجد نفسه مدفوعا نحو الموسيقى ومنهم من تستهويه كتابة الحوار ومنهم من يبرع في الإرتجال أو التّمثيل أو الإخراج إلى أن نصل إلى جني الشّاعر والموسيقي والراقص والممثّل الصامت والبطل والجوقة.

• «لا مركزية الثقافة» هل تشجعون على العمل بهذا الشعار؟ وكيف يمكن تحقيق اللامركزية فعلا لا قولا؟
الواقع أن هناك بعض التحسن في الخروج من التقوقع الذي تسببت فيه مدينة الثقافة في البداية لتصبح مؤسساتها منفتحة على الدواخل تدعم تجاربا وتساعد أخرى فلا نريد أن تستقطب الفنانين إليها فتفقّر الجهات إنما نريد أن تدعم الفنانين بالجهات .
بقي أن المتواجد بالمركز يحظى بالمرافقة الإعلامية وبفرص التواجد باللجان والهيئات ويقصى المبدع بتعلات واهية كالبعد.أرى أن كل مؤسسات المركز يجب أن تحذو حذو مسرح الاوبرا فمركز فن العرائس يجب أن ينجز أعمالا بالجهات يوفر لها امكانيات كبرى ويجب أن تنفتح كل هذه المؤسسات لتخلق حركية بمختلف المناطق ثم ما معنى تلك البلاغات التي تطلب من الفنان أن يقدم مشروعا بموازنته وفريقه ! يفترض أن نسمح للكتاب أن يقدموا نصوصا ثم تختار الإدارة أحدها ثم تنشر بلاغا للبحث عن من يقدم تصورا إخراجيا مناسبا وتعد الإدارة الملف الفني .الغريب أن الفنان يخرج من جهته يستقطبه المركز بإعلامه وماله فينغلق على زمرته ويتجاهل جهته وفناني الداخل. فالمركزية تسرق روح الفن من الجهات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا