مسرحية «روّح» إخراج خولة الهادف ضمن تظاهرة الخروج إلى المسرح: «لنا الركح للنقد وطرح البديل»

«المسرحية الرحلة» هكذا يمكن توصيف مونودرام «روّح» اخراج خولة الهادف وأداء فاطمة الفالحي، هي رحلة مسرحية تقدم فيها الممثلة اكثر من شخصية

ودور وتنتقل من مشهد الى اخر بكل سلاسة وحبّ لما تقدمه لأنها تحمل الجمهور في طريق العودة من العاصمة الى «الرضاع» من معتمدية الرقاب ولاية سيدي بوزيد .
المسرحية رحلة نقدية لأنها تنقد الكثير من الظواهر العالقة بذهن الممثلة من طفولتها ولا تزال اثارها الى اليوم وحقوقية فالعمل يبحث عن حقوق المرأة العاملة وحقوق الطفل وجميع المواضيع المطروحة تحدث في اطار رحلة العودة او «المرواح» الى بيت العائلة والعرض قدم ضمن تظاهرة «الخروج الى المسرح» التي ينظمها قطب المسرح والفنون الركحية بمدينة الثقافة.

إلى كلّ الكادحات تنحاز الحكاية
هنّ الكادحات الصادقات، هن الحالمات الباحثات عن هامش الحرية و القليل من الراحة، في الرحلة التي تنطلق من تونس العاصمة الى سيدي بوزيد سيعترض طريقك الكثير من النسوة العاملات الكادحات، منذ دار بلواعر وصولا الى الشبيكة و الشراردة والنسوة يعملن على الطريق، البداية بأولئك اللواتي ينظّفن القصب وينزعن عنه الشوك ليصبح املس ليّن ويباع على الطريق، ثم الوصول الى بائعات «خبز الطابونة» حذو الطريق في منطقة الشبيكة، نساء من اعمار مختلفة منهن فتيات صغيرات تجدهن منكبّات على العجن و تزويد «الطابونة» بالحطب ثم بيع الخبز الذي تقتات منه كلّ العائلة، ثم اولئك اللواتي يعرضن «الكليم» و»المرقوم» للبيع قبل مفترق الزربية هذه المشاهد وغيرها تحدثت عنها فاطمة الفالحي مشيرة الى «الفولارة والبخنوق والبشكير» اللواتي ينتظرن السيارة لأخذهن للعمل حتى يصرفن على «البرانس هذي الكل» و البرنس دلالة على الرجال الذين طالت بطالتهم و اصبحى المقهى مكانهم اليومي من شروق الشمس الى غروبها بينما النسوة يسرقن الفرص للعمل والحياة.

بين الامس واليوم: تغير الزمن وترسّخ الفقر والنسيان
«روّح» نبش في الذاكرة، رحلة الطريق التي تستحضر من خلالها فاطمة الممثلة طفولة فاطمة الانسانة وتحاول مسرحتها وتقديمهال لجمهور قاعة المبدعين الشبان بمدينة الثقافة، في طريق العودة تتحدث فاطمة مع نفسها ومع ذكرياتها، تستحضر اماما تفاصيل كثيرة ربما تناستنها ولكن طول الطريق جعلها واضحة أمامها في الطريق الوعرة يعترضها «تلاميذ» يبحثون عن وسيلة نقل، تقرر ان تصحبهم الى منازلهم وحينها تتساءل «هل يعقل بعد 45 عام من دراستي الابتدائية، هل يعقل في العام 2021 ولازال التلميذ يمشي الكيلومترات الطويلة للوصول الى المدرسة؟» سؤال تعقبه الممثلة بالإشارة الى ذكريات البرد والخوف، الى طفولة طفلة تمشي 5كليومترات يوميا حافية القدمين في الكثير من المرات فقط لتحقق المعرفة والعلم، وها انّ الطفلة كبرت وأصبحت استاذة ورغم تقدم السنوات لازال التهميش والنسيان قائما في ارياف هذا الوطن.
في «روّح» تنقد فاطمة الفالحي وضع المدارس الابتدائية في الارياف البعيدة، تنقد سياسة الدولة التي اهملت المنظومة التربوية بنية وبيداغوجيا وتشير الى بؤس وضعية التلاميذ في المناطق الداخلية بطريقة مضحكة لكنها مسكونة بالكثير من الوجع لتكون المسرحية بمثابة الدراسة السوسيولوجية والنفسية التي تشرح حال المنظومة التربوية في تونس كذلك مؤسسات الدولة وهياكلها.

روّح: كوميديا سوداء
«روّح» اسم المسرحية وهو من الدارجة التونسية وتعني «عد» والعودة هنا من العاصمة الى الرضّاع من الحاضر الى الماضي بكل ما يمثله من طفولة واحلام، هي رحلة تبحث في وضع المرأة وحقوقها واستقلاليتها وموقعها في العائلة ايضا.
«روّح» رحلة الانثى في بحثها عن ذاتها وصناعتها لمسيرة مسكونة بالخوف والتردد وفي الوقت ذاتها تدعمها القوانين، رحلة بحث عن الصفاء وسط العتمة، هروب من ضجيج العاصمة الى هدوء الريف وفي الوقت ذاته محاولة للتمرد على نواميس المجتمع والعائلة وكل هذه المواضيع المتشابكة تختلط مع هموم الوطن وسوء ساسته لتكون «روّح» خلطة عجيبة تجمع السخرية والنقد قدّمتها فاطمة الفالحي ببراعة فأضحكت وألقت بالاسئلة ووجّهت اصابع الاتهام الى بائعي الوطن وخونة الاحلام دون الدخول في المباشراتية او الكليشهات .

«روّح» المسرحية الرحلة، طريق طويلة واسئلة اكثر طولا، طريق مسكونة بالخوف والبحث في حقوق المرأة و البطالة وأسبابها وعمالة الاطفال و حال الادارات التونسية نقلت بطريقة ساخرة ، في المسرحية تنسجم عناصر السينوغرافيا وجمالية الصورة مع النص والاداء، الضوء يتغير لونه حسب الحجر الكيلومتري فهو اخضر بين تونس والنفيضة ليصبح اصفر مع دخول القيروان ثم تزداد صفرته كلما اقتربت من سيدي بوزيد ليعود اخر بالوصول الى 1كلم عن الرقاب فالضوء هنا يحاكي الطبيعة الجغرافية المميزة لكل جهة من نقطة الانطلاق الى الوصول.
الموسيقى من مقومات السينوغرافيا استعملت في العمل لتكون دليل الممثلة للمرور من مشهد الى اخر الموسيقى تشبه الفاصل بين بين المشاهد كذلك تنقل الاحاسيس الداخلية للشخصيات فهي عنوان للغضب والفرح والخوف والسعادة والحيرة كل المشاعر يتم التعبير عنها بالموسيقى، كما استعملوا تقنية «المابينغ» و «الفيديو» في الكثير من المشاهد لتوضيح صورة او

مشهد او تشريك شخصيات متخيلة في العمل، فجاءت المسرحية ناقدة مشاكسة تمازجت داخلها كل مقومات الفعل المسرحي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا