العرض الأول لمسرحية «لنقار» إخراج هيكل الرحالي: المسرح فعل نضاليّ ينقد الواقع ويطرح البديل

المسرح نقد وسؤال متكرر، المسرح وعاء لطرح مشاكل المجتمع الاقتصادية والسياسية والنقابية دون الوقوع في المباشراتية، المسرح سؤال أبدي عن الحقوق والحريات، وفي مسرحيته «لنقار» لم يجب هيكل الرحالي عن هذه الاسئلة وقدم عملا جريئا مغلفا بالضحك والسخرية ومسكونا بالنقد وبالأسئلة الموجعة عن واقع تونس بعد عشرة اعوام من الثورة.
في «لنقار» طرح للعديد من الاشكاليات، محاولة للاقتراب من عاملات النظافة والسؤال عن اوضاعهنّ المهنية والتطرق الى احلامهنّ المؤجلة، عمل يغوص في التفاصيل ويعري الحقائق المخفية بغاية الاصلاح، مسرحية من نص واخراج لهيكل الرحالي واضاءة لمحمد زيدان وتميل صابرين غنودي و سمر صمود وبلال سلاطنية واروى الرحالي وايناس بن موسى وغزوة قلوب واسكندر براهم ومصمم صوت وليد حصير وانتاج التياترو وتياترو ستوديو2020.
المسرح حمّال شيفرات النقد
«لنقار» الكلمة المتونسة عن la gare الفرنسية وهي «المحطة» بانفتاحها وآلاف مسافريها، في هذا الفضاء المفتوح على آلاف الحكايات البشرية وآلاف الزوار والمسافرين اليوميين تدور إحداث المسرحية، واختيار المحطة ليس من الفراغ فالأحداث مليئة ومتشعبة ومتشابهة ومختلفة متناقضة حينا ومتطابقة أحيانا كما قصص المسافرين الذين يزورون المحطة يوميا.
انطلاقا من مكان يعجّ بالحكايات تبدأ الرحلة المسرحية لنقد الواقع المجتمعي التونسي ومنه التطرق إلى العديد المواضيع الاجتماعية والسياسية والنقابية أيضا، فالمسرح فضاء مفتوح للنقد ولطرح مشاكل المجتمع وتعريتها أمام الجمهور دون خوف أو خجل.
ديكور العرض جد بسيط، كرسي أقصى الركح وفي الأعلى مجموعة من الإشارات الموجودة في المحطة لإرشاد المسافرين، من «مسافات قريبة» إلى «مسافات بعيدة» و»أرقام السكك» جميعها وضعت باللون الأزرق لتشد انتباه المتفرج أثناء رحلته المسرحية، وحدها أجساد الممثلين تصبح ديكور كتحرك فجسد الممثل بما يحمله من حركة وقدرة على أداء الشخصية يجعله من نقاط القوة في السينوغرافيا والديكور احد عناصرها القارة.
في «لنقار» تصبح أجساد الممثلين محامل للنقد يحمّلها المخرج الكثير من الرسائل لتبوح بها ناقدة الوضع في تونس انطلاقا من المحطة، فالمحطة تونس المصغرة بقصصها وحكاياتها المتباينة ووجعها الذي تريد إخفاءه وانهزاماتها أمام أحلام شبابها الذي ثار لأجل الحرية والكرامة فوجد نفسه يعاني غلاء المعيشة والخوف من شبح البطالة.
في المحطة يتقابل الكثير من المسافرين، يمرون تاركين خلفهم قصص وحكايات وأفكار ومشاريع، في المحطة ذوات تفكر في النجاح واخرى تفكر في إضراب وثالثة تتساءل عن واقع تونس بعد الثورة ورابعة تدافع عن الاتحاد والطبقة الشغيلة وخامسة تحلم بتأسيس حزب بتعلة صعود سلم النجاح السياسي، كلّ هذه المواضيع تطرح بطريقة تجمع الجدّ والهزل ومن خلال المسرحية يتساءل عن عشرة اعوام بعد الثورة؟ ما الذي تحقق من المطالب الشعبية؟ اين التونسي من حقوقه؟ اين حامل رغيف الخبز اليوم؟ هل يستطيع ملء قفته؟ اين الشباب من التشغيل واين نحن من «شغل، حرية، كرامة وطنية»؟.
كلّ هذه الأسئلة الموجعة تشاهدها على الركح يقدمها ممثلين أتقنوا شخصياتهم جيدا حدّ الإقناع وتصاحبهم إضاءة مثيرة للذاكرة البصرية ابدع في تنفيذها محمد زيدان ليتحوّل الركح الى كتاب مفتوح ينقد المجتمع والنظام السياسي والصراع الحزبي ولك تصفّح ما تريد فالمسرح فضاء مفتوح للنقد وطرح البديل.
الى جميع العاملات: كنّ قويات لافتكاك حقوقكنّ
هنّ وهم، محركات احداث المسرحية، هنّ في صراعهنّ مع الهم، هنّ الكادحات، عاملات التنظيف اختار المخرج وكاتب النص أن يسلط عليهنّ الضوء فابرزهنّ للجمهور كصاحبات القرار في المحطة بشساعتها فلولا عاملات النظافة لتوقفت حركة القطارات هكذا أراد أن يقول المخرج من خلال تضخيم شخصيات عاملات النظافة.
المسرحية تترك لهنّ حيزا زمنيا كبيرا للحلم، للحديث عن تفاصيلهنّ ليبحن بأسرارهنّ فخلف كل عاملة نظافة قصة، ربما يشتركن في «الخيشة والسطل» والانهماك طيلة الوقت في العمل ولكنّ متى بحن بالحكايات يكتشف المتفرج انّ لهم مئات الاحلام المجهضة مثل الكثير من التونسيين.
اربع نساء، مختلفات في المظهر وطريقة التفكير، جمعهنّ عمل واحد، يقمن بالتنظيف في محطة كبيرة جدا، أثناء العمل كل واحدة تبوح بما يخالجها، واحدة تبحث عن مكان يأوي أحلامها وأخرى تريد رجلا يحبّها حدّ العشق ورابعة تفكر بعملها «حارزة» في الحمام، ورابعة تحلم لو لبست زيّ الشرطة و»الكمبة»، احلامهنّ تبدو بسيطة أحيانا لكنها تكشف خلفها الكثير من الوجع، وجع تتشارك الشخصيات مع الأشخاص فكم من متفرج في قاعة التياترو ضاعت أحلامه من أمامه بسبب نظام تعليمي بائس أو قسوة مربّي أو عدم القدرة على إيفاء مصاريف التعليم.
في المسرحية اختار المخرج ان تكون العاملات صاحبات القرار لم يقدمهنّ ضعيفات بل كنّ شرسات استطعن تنفيذ إضرابات ناجحة وهددن المدير لأكثر من مرة وساومنه على حقوقهنّ وكان المخرج بعمله يدعوا كل النساء العاملات إلى معرفة الحق والمطالبة به وعدم الرضوخ لرؤسائهن أو مشغليهن فلهنّ حقوقهنّ وعليهنّ التمتع بها.
«لنقار» مسرحية ساخرة وناقدة ببعض المواقف الكوميدية يدخل المخرج إلى قصص الكادحات يعريها ويكشفها للجمهور، ينقد الدولة وينقد التشغيل الهشّ للنساء، يجعل شخصياته قوية لتستطيع افتكاك حقوقها ومحاولة افتكاك كرامتهنّ أثناء العمل، ينقد أيضا عقلية التونسي أثناء العمل فهو غير مبال ويقضي أكثر وقته في «الفريب» ثم «يقيد حضور» وكأنّنا بالمخرج يحمل مسؤولية التقصير للمواطن والدولة فكلاهما مسؤول أمام القانون.
بلال سلاطنية : مقنع أداء وحضورا
ممثل اثبت قدرته على تقمص شخصيات مختلفة، نجح في حبكتها الدرامية واقنع الجمهور، ممثل ابن مدرسية «التياترو» اثبت ان موهبة التمثيل يمكن ان تصنع ممثلا يقنع المتفرّج، بلال سلاطنية عرفه الجمهور من خلال شخصيته في مسلسل «النوبة» ثم فيلم «دشرة» ومجموعة من الاعمال المسرحية واخرها «لنقار» اين قدم شخصية جدّ مركبة لا تنطق حرف «الراء» فمثلا كلمة «عرفي» ينطقها «عنفي» ورغم صعوبة النطق للشخصية جانب كبير من النص والممثل اتقن النص الموكل اليه دون ان يتناسى حركات الجسد وتقاسيم الوجه اثناء لعبه الدرامي، بلال سلاطنية ممثل مقنع اداءا وحضورا.
صابرين غنودي: «القطة الجريئة»
ملامحها بريئة جدا تشبه القطة وعلى الركح تصبح شرسة وتتحول كافة تقاسيم وجهها، ممثلة تؤدي «بجواجيها» كما يقول المثل التونسي، جريئة وصادقة، تعرف جيدا كيف تمرّ من مشهد الى آخر ومن إحساس الى آخر دون الوقوع في السهو أو تراجع في اللعب وطريقة الأداء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا