في «ذاكرة الطير» للشاعرة جميلة الماجري: الشعر حياة زمن الفجيعة وقول ذاكرة حية

بقلم شمس الدين العوني 

الذاكرة هنا ضرب من الوجدان وشعور الشاعر بالغربة..غربة الأمكنة و فداحة الحال...و فصاحة الروح...فسحة من الشعر يجترح بهجة من عنفوان الذاكرة

تقصدا للغناء والتحليق مثل طيور حالمة في الزرقة البعيدة أدركت وجهاتها الأولى..زمن الضياع والتيه المريب.
هذا شيء من عوالم مناخ شعري يحيلنا الى بذخ الصلة بين الكتابة والذاكرة ..بين الشعر وذاكرة الأشياء في لعبة تقول بالآني وفق ذاكرة أحواله وتلويناته حيث الخطاب الشعري أسئلة مفعمة بالشجن في أرض الذاكرة و مجالاتها الخصبة والجرداء وخلاصة الأمر هي القصائد تنشد خلاص الكائن في أحواله وفي حله والترحال...القصائد تستدعي الذاكرة في غير عناء و تكلف... فقط هو صفاء المعاني والكلمات يدعو أزمنة وأمكنة و حكايات في هدوء الشعر و ما يشبه النواح الخافت...الذكرى حارقة و الذاكرة روح لا تضاهى يخلص الى كنهها الشعراء يجترحون القصائد في هيئات شتى من البهجة والألم والسعادة والأمل والحيرة والحلم ...هذا الحلم الآسر مدرك الذاكرة والمأخوذ بألوانها :

« ما كنت أنوي
أن أكون
على الطيور رقيبة
حتى يطيرها الفزع
أو كنت أنوي
أن أديرالريح
في غير اتجاه الفلك
أو أذكيت في النسيان
ذاكرة الوجع

هذا شيء من دفتر الأحلام والرغبات والشجن في فسحة الوجد والذاكرة...ذاكرة العشق والطير و الوجع..حيث القصائد تفصع عن آنها القديم الجديد..عن ظلالها الماكثة في الأمكنة من القيروان الى بلنسية الى...ذاكرة الشعر..هذا الآخذ بناصية الأشياء حيث المعاني تطلع لتذهب بعيدا في العلو...كالطير...هي ذاكرة الطير ...ذاكرة الشاعرة بين لونين..الألم و الحلم.. والشاعرة هنا بالشعر وحده تهم باللونين ذاكرة و شعرا و كل ذلك في حالة من طفولة التعاطي تقصدا للجميل و الفاتن و ما هو كامن فينا من بهاء نادر رغم المواجع و الحسرة و الاسى..هذا هو الشعر الخالص اذ يبوح بسره و يكشف غناءه الخافت في ضرب من الانتشاء بكل شيء... بالخسارات الجميلة...بالحلم القادم ..و باللاشيء.. وليكن..الشاعرة هنا تعيد العناصر لذاكرتها ... للينابيع.. للجوهر والكنه وما به يكون الشعر شعرا.

هكذا هي الشاعرة جميلة الماجري في ديوانها الممهور ب « ذاكرة الطير» تأخذنا الى جنان الذاكرة و حرائقها و تمر بالأمكنة تنظر باتجاه المعاني و تحيي ما بها من فرح و وجيعة و ذكرى ..شعر رائق سلس به مسحة الأعماق و الشجن البليغ ..تمضي مع القصائد فتأخذك من يدك الى مواطن الجمال تدلك اليها لتكتشف شيئا من دواخلك عبر الأزمنة و الأمكنة ..تنبش في خرائط المسرات لتلق جواهر الأحوال..و كنوز الجهات...ومنها الكنز القيرواني الضارب في القدم و الأسطورة الشعبية:
« من أي كنز تبدئين ؟!

الليل مشتمل على أسراره و كنوزه...
متكتم...
والكنز مرصود
لسيدة النساء
تكون مفردة
بمعنى الجمع
تختزل النساء بليلة
و تجيء قبل الفجر
تلقي كل فتنتها على الأعتاب...»

هذا الديوان الشعري تحتشد فيه عوالم الذاكرة حيث التذكر شأن شعري بين ذاكرتين ..ذاكرة فردية متصلة بشؤون الشاعرة وخصوصياتها وذاكرة جمعية بين بيئة الشاعرة وتواريخ وحكايات و معالم كل ذلك في شيء من أصالة التعاطي الشعري ..وفق جدلية سؤال الذاكرة و الشعر و اجابات عنه قديمة جديدة ..ان الذاكرة فاعلة ومؤثرة في الانسان و في وعيه و لا شعوره ..الذاكرة فعل حسي وبالتالي شعري يدعو الماضي بكل تلويناته الى اللحظة الراهنة.. لحظة الكتابة...ان الذاكرة هنا في هذا المجال الشعري لقصائد الماجري مولدة فهي تبتكر عوالمها المتجددة بكم هائل من الخيال.. إنها الذاكرة الشاعرة تملي بوعي الشعر و خساراته الجميلة و شجنه و حرقته وأساه على الشاعرة قصائدها المعطرة و المثقلة بعطور الحنين والنظر و التأمل ...فعلا ..الكتابة الشعرية في حيز منها محض ذاكرة متيقظة تعيد صياغة عالم عابر لتعيده منتج حالات جديدة مؤثرة في أنساق الحاضر وفق عناوين منها التجدد و القيمة والجمال و ما به تقوى القصيدة على مواجهة راهنها المتداعي .
هي الشاعرة تبتكر طيرها لتأخذنا الى دروب من رحلة الشعر ..هي رحلة الذاكرة الثاقبة في رمزية و شعرية بشكل عارم تجترح حكاياتها وفق هذا الآني الشائك الذي تتداخل أحواله مع القديم ..فسحة الشعر ضمن زمنين فيهما المجد والسقوط والسعادة والخيبات و البهي و الموحش..و كان لا بد من طير في علوه يمنح الأشياء و الجهات شيئا من ذاكرتها أمجادها المنسية في زحمة هذه المتغيرات العاصفة بكل شيء وخاصة ما هو جميل و كامن في الدواخل..و اللاوعي ..هكذا كانت قصائد المجموعة ذاهبة في عمق حالاتنا العربية ووجدانياتها و ما حف بها من نسيان و زيف وانهيار.

» سلام

على أمة

أسلمتنا لمفترق الطرق
ثم مضت
كأغنية في شفاه السراب
سلام
على زمن القول
يا أمة
ضيعت ماء وجه القصيد
وباعت بلاغتها
في مزاد اللغات».

شعر ينهض من حكاياته الجمة يرسم بالكلمات مدارات عشق و هيام و انكسار و وجد حيث لا مجال لغير التذكر لتلمع المعاني كاشفة أزمنتها الباذخة .. و من ذلك براعة الشاعر في استعادة حكاية الصداق القيرواني حيث أحب أبي جعفر المنصور أروى القيروانية وكان ذلك السرد الشعري الذي أبدته الشاعرة في صور بليغة ومعان بديعة محت المسافات لتجمع القيروان ببغداد وزرود بالفرات وشط الجريد و شط العرب...

شجن و عشق و ألق في التواريخ زمن الانكسارات والفراغ والتداعي المريب ..أين العراق و العرب في هذا الكون الضاج العاصف والصاخب و قد ظلت الحكايات بمثابة الأمجاد الضائعة ..والخسارات الجميلة في وجدان الشاعرة وهي التي ديدنها في هذا الليل العربي ذاكرة طير .. هذه الذاكرة المتشظية في القصائد... ومن قصائد هذا الديوان نجد « اللغة » و «ميلاد القصيدة» و«ذاكرة العشق» و«الكنز القيرواني» و«حديث الشجرة» و«حرقة الأسئلة» و «موت المغني» و«الغريب وعشق القيروان» و«فتى ضيعته الفتوة» و«مرسى الهوى» و«سلام»... قصائد تكشف حيزا من الاعتمال حيث الذات في حنينها القاتل وشجنها العالي بما يشبه النواح الخافت بين حالتين و زمنين و حكايتين ..قصائد فيها النظر بعين القلب لا بعين الوجه قولا بالشعر يعلي من شأن الأحوال زمن الأسى لتظل اللغة الشاعرة الملاذ والذكرى... و الذاكرة .

«ذاكرة الطير» شعر يذهب الى دواخلنا قولا بالقيمة زمن الذهول تجاه الانهيار المبين حيث الشعر هو العزاء و البهجة العارمة ...هم الشعراء يدعون الجميل في حضرة ما تداعى بلغة تقوى على ترميم ما تصدع في الذات..الذات الشاعرة التي لن تكف عن الحلم و التحليق عاليا و بعيدا كالطير ...الشعر هنا فعل حياة زمن الفجيعة ..قول ذاكرة حية ... زمن الزيف والمحو والنسيان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا