ديوان «لو أن للريح جوربا» للشاعر فريد السعيداني: لعبة الشعر نحو أنسنة الأشياء...

الريح هنا هي الأصل و الفكرة الأولى وهي الملاذ ما جعل الشاعر في هذا الشغف بسير الريح يتبعها كي لا يؤول الى المغيب..

انها اللغة مادة الشاعر المتقلبة كالريح يحاول أسرها مبتكرا لها الجورب كي يحفظ الأثر و المعاني ...

هكذا هي عوالم الشاعر فريد السعيداني في هذه المجموعة الشعرية التي عنوانها « لو أن للريح جوربا « الصادرة عن دار زينب للنشر و التوزيع سنة 2015 في 80 صفحة و من الحجم المتوسط وفيها قصائد ضمن اربعة فروع هي «ترشدك الريح الى» و «أي علاقة تقيمها الريح مع البيت و المسكن» و « أرشديني الى بصيرتك أيتها الريح» و « باب الحضور..باب الغياب».

ها هي الريح اذن يحاورها الشاعر و يبتكر أثرها العالي في تفاصيل الأشياء بين الأمكنة و البيوت و النوافذ يرتجي حكايات الشعر و هو يطلق الأسماء على ما بدا مألوفا ليضفي عليه شعرية أخرى نراها و نلمسها في مشهديات شعرية على غرار قصيدة « سكان النوافذ» :
« في البيت نافذة بأسنان مرتبة
تزيح ستائري حتى تحرك عضلتي فمها
تسمي الريح علكتها ...
لكي تتحرر الحجرات من ثقل الهواء
لذاك سمينا الخطى حرفا على شفة النوافذ
ثم قلنا للستائر أنت ألسنة تشد الى حناجر
لا نسميها سوى حجراتنا ...»

هي قصائد الريح التي تنبت في الصور و في الأرجاء و الأيام ..هي الوجد و الحب و الذكرى و ثورة الأشياء على الأشياء ..تبتكر عوالمها من ذات الشاعر حيث يقيم السعيداني في نصوصه هذه تلك العلاقة الجمالية لا يلوي على غير الريح جوابا على الساكن و الميت و المنتهي و المهمل..هي انتباهة الشاعر يعلي من شؤون الذات و شواسعها في كون له من التداعيات و السقوط ما به يرجو الرشاد تجاه بصيرة الريح متوسلا أملا في الشمس و الطير.

قلق يسكن الشاعر فريد و هو الممتلئ بريح الأسئلة يجترح منها كلمات و هيئات لوجوهه في هذه الدروب المفعمة بالحيرة..قلق هو ليس لأن الريح تحته بل انه الماكث في أمكنته يرقب الريح بعينين من وجد و تأمل و ... فالريح جوابه المنتظر و هي السؤال بل عينه حيث الانشغال بمشيتها و صورتها و خطواتها المتخيلة...انها لعبة التخييل في هذه القصائد المبثوثة في أسئلته نحتا للقيمة و تأصيلا للجمال وللكيان وللحكمة المشتهاة ... حكمة الرياح :

« كيف تمشي الرياح و لم نرها ؟ »

هذا حيز من سفر الشاعر فريد السعيداني الشعري و هو في عمله الشعري هذا « لو أن للريح جوربا» يجمع ما تشظى من هموم و هواجس تسكن الكائن في ضرب من الحلم و الخيال الشاسع و بلغة سلسة و أخاذة تقصدا لما يجعل الجمال عميما بوجه الاحباط و السقوط و هو يمضي في لعبة الشعر الباذخة نحو أنسنة الأشياء ليصير للتراب حذاء و للريح جورب و في كل هذا و ذاك يصغي لوقع الآخرين منتبها للحظة الآسرة..اللحظة الشاعرة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا