العرض الأول لمسرحية «نقطة من بحر» لنوفل عزارة في فضاء التياترو: للشباب البحر والموت ولتجار الدم المال وللدولة الصمت ...

من يدعم قوارب الموت؟ هل أن الهجرة غير الشرعية لمجرد الهجرة ام أن خلفها عصابات تتاجر بالبشر وحركات ارهابية تحاول استقطابهم؟

هل أن الدولة التونسية تدرس بحزم موضوع الهجرة غير الشرعية وهل أن الاعلام يفتح تحقيقات جدية في هذا الموضوع ام يكتفي بتمرير اخبار عن عدد الموتى والجثث التي انتشلت؟ وأسئلة أخرى يطرحها نوفل عزارة في عمله المسرحي الجديد «نقطة من بحر» من انتاج فضاء التياترو.
«نقطة من بحر» تصور وإخراج نوفل عزارة وتمثيل آمال العويني وملاك الزوايدي وكريم الخرشوفي وجهاد الفورتي ومراد طواهرية وعز الدين المهداوي وايناس زكراوي (عوّضت الممثلة ثريا البوغانمي في العرض الاول) والمسرحية مساءلة للدولة وللإعلام بخصوص موضوع «الحرقة».

أجساد الممثلين محمل للنقد والسؤال
المسرح مسارح والتجارب المسرحية تختلف حسب قدرة الممثلين على الاقناع والإبداع وفي «نقطة من البحر» جمع المخرج بين ممثلين محترفين وهواة لنقد موضوع حساس يعايشه التونسي، يقال انّ في المسرح يمكن الاستغناء على النص والمخرج والديكور لكن لا يمكن التخلي عن الممثلون، وفي العمل الجديد لنوفل عزارة تميّز الممثلين الذين جسّدوا اكثر من شخصية ولكل شخصية عوالم نفسية وجسدية تختلف عن الاخرى.

«نقطة من بحر» هو عنوان العمل وللعنوان رمزيته فالكلمة تستعمل في اللهجة التونسية والفصحى للدلالة على الشيء القليل من الكثير، وعلى الركح طرح القليل من اسباب الهجرة امام الكثير ووقعت الاشارة الى الوجع القليل امام الخوف الكثير المخفيّ والحديث عن وجع الوطن الذي ينزف أبناؤه ويزفهم فرادى وجماعات في قوارب الموت.
ديكور العرض عبارة عن أروقة حديدية، يشتعل الضوء تدريجيا لتجد نفسك قبالة شخصين كلاهما يستر نصفه السفلي بلحاف أبيض، يتحدثان عن الحب والموت، يشتركان في البشرة السوداء هو يقول انّه عبد فرّ من اسياده (جهاد الفورتي) وهي (ملاك الزوايدي) «جثة بلا عنوان ولا اسم» ومع تقدّم الاحداث نكتشف انهما جثتان غرقتا في البحر، لكل حكايتها ولكل جثة قصة لكنهما اشتركتا في فعل الموت والفناء في البحر هربتا من حياة موجعة الى اخرى غير معلومة، وملاك الزوايدي وجهاد الفورتي كلاهما من اجمل الكوريغراف والممثلين في تونس، اقنعا إلى حدّ التماهي مع الشخصية.

تتصاعد الاحداث ويتغير الضوء ومعه تعزف موسيقى الموت، وتخرج شخصيات اخرى الى الركح، تتحرك بكل هدوء وكأنها تبحث خلسة عن مخرج من مأزق ما، هم مجموعة من الشباب «الحارق» الهارب من البطالة والمستقبل المظلم والحالم بمستقبل اجمل، هم من اعتقدوا أن في الهجرة خلاصهم من الخوف والحيرة، وعلى الركح تختلف قصصهم وأسباب هجرتهم لكنهم يشتركون في الحلم والإقبال على البحر بتعلّة الرغبة في حياة افضل.

من هناك جاؤوا الى التياترو للمشاركة في العمل، تجربة مسرحية ناجحة في الجهات نضجت في العاصمة، مراد طواهرية المشرف على نادي المسرح في بن قردان الحدودية ورفيق الحلم كريم الخرشوفي مدير فضاء المسرح الصغير طريق بني خداشن كلاهما تألق على الركح، لكل منها حضور مسرحي مقنع ونجحا في شدّ انتباه الجمهور، كلاهما ادى اكثر من شخصية وتميز مراد طواهرية اثناء ادائه لشخصية «فيروز» التي غرق زوجها، الممثل اتقن تفاصيل الشخصية وطريقة الكلام واقنع بالغناء فلصوته قدرة على اختراق القلوب لتسمع انين الشخصية ووجعها.

«نقطة من البحر» مسرحية جمعت ثلة من امهر الممثلين، جميعهم مختلف من حيث طريقة الاداء لكنهم يتشابهون في الرغبة في النجاح، المسرحية تنقد ظاهرة الحرقة وتحاول فتح العديد من الملفات المغلقة المتعلقة بهذا الموضوع، في العمل يحضر الواقعي والفلسفي، هي قراءة مسرحية يقدمها نوفل عزارة لموضوع الهجرة غير الشرعية طارحا اسئلة عمّن يشجع قوارب الموت ويدعمها، والسؤال عن المتاجرين بالبشر وكيف تستقطب داعش المهاجرين غير الشرعيين، في المسرحية «عركة» بين الوطنية والرغبة في المغادرة، صراع بين الوطن وشبابه وطرح لسؤال كيف يكون الوطن بلا شباب؟ كيف يكون الوطن حين تهجره ادمغته وطاقاته الشبابية؟ وجميع هذه الاسئلة طرحت من خلال اجساد واداء ممثلين عرفوا كيف يتقمصون شخصياتهم حدّ الصدق.

السينوغرافيا: محرك الفعل الدرامي
اختلفت مقومات انجاز العرض المسرحي، تداخل اداء الممثلين مع الموسيقى والسينوغرافيا لنحت تفاصيل عرض مسرحي ينقد ظاهرة الحرقة ويحمّل الدولة مسؤولية هجرة ابنائها منها، في «نقطة من بحر» يتماهى صدق الممثل مع حساسية الموضوع ليقدموا عرض مسرحي متكامل تداخلت فيه كل مكونات العرض المسرحي تقنيا.
أروقة حديدية تجمع بين اللونين الاحمر والأسود هي ديكور العرض، يستعمله الممثلون للمرور من مشهد الى آخر، الاروقة في العمل لها اكثر من رمزية فهي اولا الطريق الفاصل بين الحياة والموت، هي ايضا الاروقة التي يمرّ بها التونسي في بحثه عن عمل في مكاتب التشغيل ومروره بتلك الاروقة الباردة الرهيبة، هي الازمات النفسية والمراحل الموهنة التي يمرّ بها الانسان قبل اتخاذه قرار الهجرة كلها عبّر عنها بالحديد بلونين اسود واحمر وهما عادة لونا الموت والدم.

الموسيقى عنصر اساسي في العرض المسرحي، الموسيقى تصبح مطية للفصل بين المشاهد والمرور من حكاية الى أخرى، حضرت الموسيقى الحية من خلال العزف المباشر على الحديد لصناعة موسيقى تشبه الحالة النفسية للحارقين وتضع المتفرج في عوالم المسرحية مكانيا وزمانيا، حضرت الموسيقى التسجيلية التي تتصاعد بتصاعد الاحداث لتدفع المتفرج لطرح الاسئلة والتفكير في سبل ردع المهاجرين عن طريق الهجرة وكيفية المصالحة بين الوطن ومواطنيه وقد ابدع وليد خضير في تصميم موسيقى عرض «نقطة من البحر» ، ويحضر الغناء عبر تقديم اغان تتماهى مع الموضوع المقترح والممثلين تولوا مهمة الغناء على الركح وكان التماهي بين التسجيلي والمباشر ممتع صوتيا ويحمل المشاهد الى عوالم الهجرة و تلك الاغاني التي تبثّ لواعج النفس والقلب.

في تجاربه المسرحية يخوض نوفل عزارة تجارب اخراجية تنتمي الى مسرح ما بعد الدراما، في اعماله يركز المخرج على توظيف التقنيات الحديثة في الصوت والضوء ويعطي القيمة لتقنيات المسرح المعاصر للولوج الى مواضيع ذات بعد اجتماعي وسياسي واقتصادي، وفي التجربة الاخيرة «نقطة في البحر» يكون للسينوغرافيا بكل مكوناتها حضور اساسي على الركح لنقد ظاهرة «الحرقة» ومحاولة طرح اسئلة عن المسؤول وعن عصابات الموت، في «نقطة من البحر» يكون الضوء وسيلة للتعرف على الفضاءات المكانية والزمانية ووسيلة للدخول الى العوالم النفسية للشخصيات ومطية لمعرفة فضاء الاحداث وتفاصيل كلّ الشخصية فالضوء نصير للإبداع ووسيلة تقنية ومسرحية لتفكيك العرض المسرحي.
على الركح اتحد الضوء الاحمر مع الضوء الازرق والضوء الاصفر لنحت معالم الشخصيات نفسيا، كلما قلت حدته كانت الغاية الحديث عن الخوف والوجع، احيانا يتماهى مع الضوء الطبيعي للإحالة الى النهار كوقت للحدث الدرامي، الضوء في المسرحية له جماليته يكاد يكون شخصية تتحرك وتساهم في الاحداث بطريقة مباشرة لأنه يرشد الممثلين الى تفاصيل الركح ويضعهم في حالة نفسية معينة ويساعد المتفرج ليفهم الحكاية ومعالمها لتكون الجمالية البصرية جزء اساسي اعتمده نوفل عزارة ليقرّب العمل من الجمهور ويضعه مباشرة امام مرآة تعكس الكثير من الاسئلة: من المسؤول؟ من المشرف عن قوارب الموت؟ ما هي اسباب «الحرقة»؟ هل ستتراجع هذه الظاهرة؟ وما هي طرق معالجتها اجتماعيا وسياسيا؟.

المسرح حياة فشجعوه

«فكرت طويلا في الهجرة ونجحت في الاتصال باحد الرياس وبالفعل ركبنا البحر لكن الشرطة الليبية امسكت بنا وتمّ ايقافنا وترحيلنا، بعدها قضيت خدمتي العسكرية، وبعد عام ونصف خرجت لأجد انّ فضاء المسرح الصغير فتح ابوابه فذهبت لاكتشف الفضاء، ومارست المسرح، وبعد عامين من ممارسة المسرح «ماعادش نخمم في الحرقة» هكذا كانت شهادة عز الدين المهداوي احد الناجين من الموت في قوارب الموت، الممثل المشارك في المسرحية تحدّث عن قيمة المسرح ودوره في تغيير افكار الانسان من الظلام الى الحياة، شهادة عز الدين انموذج حيّ يؤكد على ضرورة التشجيع على فتح المسارح وترسيخ ثقافة الحياة لمحاربة افكار الموت.

صبري العتروس: تقني إضاءة برتبة مبدع

«الإضاءة أول ما يُشاهد على خشبة المسرح وهي أول عنصر يعطي إيحاء ما للمتفرج فمن الممكن التعبير عن القلق، الخوف، والاضطــراب أو الفـــرح والسعادة، أو الحزن والأسى، وذلك من خلال اللون ودرجة الإنارة وتوزيع البقع على الخشبة وهى بهذا تساعد باقي العناصر وتكمل دورها في تكريس هذا الجو الدرامي مع الممثل والمؤثرات» هكذا يقول المهتمون بالمسرح، وتونس تزخر بطاقات مبدعة في مجال تصميم الاضاءة المسرحية، ومن هؤلاء التقني الفنان صبري العتروس، هو فنان يعرف جيدا كيف يصمم الاضاءة لتكون عنوان قوة في العرض المسرحي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا