كتاب «الانقلاب الفرجوي.. مذابح ديوزينوس لحاتم التليلي المحمودي: على المسرحي أن يستيقظ من سباته ليواجه الفرجات الإرهابية

المسرح مسارح، كذلك الفرجات المتجددة وفي كتابه «الانقلاب الفرجوي» يحلل حاتم التليلي الفرجات الجديدة التي احدثتها او صنعتها الحركات الارهابية بمختلف اسمائها (تنظيم القاعدة، داعش)

وادايانها منذ القديم الى اليوم، انطلاقا من فكرة القرابين البشرية التي كانت تقدم للإله «ديوزينوس» وصولا الى الاحتفالات الدينية على الصليب مروروا بالإله البابلي «تموز» رالاله المصري القديم «ايزيروس» الذي قطّعت اوصاله والإله اليهودي «يهوه» عاشق رائحة الشواء، حتى انها جميعا توّجت ضمن سياسات الالهة والقربان الدموي» ويتناول الكتاب بالتحليل الظاهرة الارهابية كفرجة جديدة لها مقوماتها السينمائية والمسرحية والتي تقوم على فرجة الموت وخلق فرجة من القبح حتى صار للمارد الدموي مسرحه وتقنياته الخاصة.

«لقد اصبحت فرجات الرعب تسحرنا اكثر من المسرح ونجحت في ذلك» هكذا يقدم حاتم التيلي المحمودي الفرجات الجديدة التي صنعتها المذابح والمجازر التي ارتكبت باسم «الله» وتناقلتها وسائط التواصل الاجتماعي .

من فرجة الحياة الى فرجة الموت:
«الانقلاب الفرجوي» دراسة مسرحية جديدة يخوض غمارها الناقد والكاتب حاتم محمود التليلي وفي مولوده المسرحي الجديد يسائل التليلي وضعا مسرحيا بعينه، الذي وجد اشتغاله في مولد اشكال فرجوية تتحرك باقدام من دم وحديد، ويطرح التليلي في كتابه مجموعة من الأسئلة حول واقع المسرح وعن الفرجات الجديدة ويحاول البحث عن اوجه الشبه التقنية والجمالية بين المسرح كفن للحياة وبين المذابح الارهابية كفنّ يرسخ للموت.

يبحث الناقد عن التقنيات المشتركة بين الممثل «الشخصية» في المسرح و الممثل «الاجتماعي» اي الانتحاري او الضحية في عمليات الدّم (قاتل/مؤد/ ممثل سادي من سماته انه لا يغادر الركح الا ميتا)، يحاول تعرية واقع المسرح العربي والعالمي ومدى استطاعة الحركات الارهابية ترسيخ ثقافة الموت من خلال الجماليات المسرحية والتقنيات السينمائية لانّ «الجماليات لم تعد مقترنة بما هو جميل في حد ذاته انما قد تجد في الدمار والكارثة والقبح مقاما لها أيضا» كما يقول التليلي.

ويشير التليلي في كتابه إلى عودة المذبحة الديونيزوسية وبدل الديثرامب والذبائح الحيوانية علت طقوس المسالخ البشرية ويتساءل ألا نشهد اليوم تشغيلا لتلك القرابين والمذابح والصخب الاحتفالي المغمس في الدم باسم الخرافة التي وجدت ذريعتها في النصوص المقدسة؟ ألا يمكن القول أن العمليات الارهابية التي تدكّ مكان ما في العالم تمثل في حدّ ذاتها شكلا فرجويا جديدا تتوفر فيه جميع مقومات المسرح من تمثيل وسينوغرافيا ونصوص ومشاهدين؟ ألا يعد مكانا الحادثة ركحا جديدا ؟ ألا يمكن اعتبار العنف ظاهرة فنية؟ مؤكدا أن الحوادث الارهابية تتوفر على مقومات الفرجوي «تشتغل الفرجة بوصفها اعادة كتابة حدث ما او صياغة فكرة قديمة او قصة غدت في الماضي اي انها تعيد لفت الضوء اليها من باب تشغيل الذاكرة وإذ كنا نسلط اهتماممنا على الارهاب من زاوية مشهديته فان الفرجات التي يخلقها لا تتناقض مع هذه المبادئ.

رهانات عديدة للاشكال الفرجوية الدموية
يقدم حاتم التليلي المحمودي رهانات الاشكال الفرجوية الجديدة متناولا بالتحليل، اولا الرهان الاجتماعي السياسي وانطلق من مقولة لاريكا « بمجرد اندلاع الصراع حول السلطة بين المجموعات او ضمن المجموعة الواحدة لا يبقى ممكنا اعتبار الفرجة اداء جماليا وحسب وانما اجتماعيا وسياسيا كذلك» ليقدم كيف اصبحت الثورات والتحركات الاحتجاجية التي عرفتها الدول العربية فرجات جديدة «ولنا في ذلك مثال نحاول تشغيله قصد تدعيم فكرتنا، اذ ثمة مشهدية/فرجوية تحققت حين كان الجسد تحت الحرائق، الا وهي مشهد حريق محمد البوعزيزي وما حمله من هالة ثورية لها وظيفتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضا» ويحلل التليلي ظاهرة الفرجة التي أحدثها الجسد المحروق الذي ولد عنه فرجات اخرى تحققت من خلال الاعتصامات والاضرابات والمواجهات وصولا الى الاغتيالات والفرجات الوليدة التي طمست معالم الفرجة الاولى (محرقة صاحب العربة) لتقدم فرجات اخرى ذات بعد سياسي.

ومن التجربة التونسية الى التحركات الاحتجاجية في الدول العربية التي انفجرت باسم اجتماعي لتظهر انها سياسية بامتياز. «من جهة اخرى لو تاملنا اليوم معظم الفرجات التي ولدتها أحداث العنف في المشرق، وبغض النظر عن طريقة اشتغالها وتقنياتها لوجدناها سياسية واجتماعية في مرماها، فهي تسلط الضوء بشكل سافر ودموي على راهن تلك البلدان وانظمتها وحكامها» (صفحة34).

الرهان الثاني الذي تشتغل عليه الفرجات الجديدة هو الرهان رؤيويّ/ميتافيزيقي: إذ أن أغلب الفرجات ولدت من عذابات الانسان ورغبته الملحة في فهم العالم وتفسيره ويشير التليلي انه ومنذ الازل نتجت عن الذات الباحثة مجموعة من الأشكال التعبيرية منها النحت والرسم والرقص وجميعها تتنزل في خانة محولة مساءلة الانسان للكون.
ويضيف انّ الفرجات الجديدة لم تتخل عن جانبها الميتافيزيقي الروحي رغم استعمالها لتقنيات تكنولوجية حديثة، فقد ظلت وفية للعادات ذات البعد الديني مثل طلب الاستسقاء في تونس وعيد النيروز عند الفرس والشطحات الصوفية، كلّ هذه الفرجات ذات البعد الميتفيزيقي اشتغلت على النصوص التوحيدية وتحوّل معها الاله التوحيدي مع جلّ الديانات الى مايشبه الحاكم الهووي وكلّ القراءات الدينية تشوّهت وترجمت فرجويا في شكل حروب ومطاحنات وتحوّل القربان من حيواني في العصور الغابرة الى ادمي في العصر الحالي «تم تحويل الله الاسلامي الى ما يشبه الوحش البرّي لكنه وحش لا مرئي فهو من جهة يجوب اقطار العالم، محمولا في صدإ الخرافة التي ارتدت بعقول حامليه الى ازمنة سحيقة ومن جهة ثانية يحمل في جعبته غير القليل من الاشكال الحداثية» 79

بين الفرجة المسرحية والارهابية: تواشج وتشابه
كيف تصبح العمليات الارهابية فرجات مسرحية وسينمائية؟ وما العوامل المشتركة تقنيا وفنيا بين فرجة الحياة وفرجات الموت؟ وكيف أعادت الفرجات الارهابية تنشيط الفرجة المسرحية بهذه الاسئلة يمكن تلخيص الفصل الثاني من كتاب «الانقلاب الفرجوي» في هذا الفصل، فالكاتب يلج إلى قرى الفرجات الارهابية تحليلا وتفكيكا اذ يبحث في جزء اول عن التقاطع والتفاعل بين الفن المسرحي والفرجة الارهابية وثانيا يطرح تقاطع الاسطوري مع ثقافة العولمة.

يتناول حاتم الناقد في جزء «الخطاب اللامرئي للمسرح» كيفية ادماج سياسات الفرجة محاولا المقارنة بين الفرجة المسرحية التي تعجز احيانا عن استقطاب عدد كبير من الجمهور والفرجات الارهابية التي تنجح في الاستقطاب والتأثير، ويقدم الكاتب العديد من الامثلة منها مثلا «مسرح المضطهد» (فضاء لنقاش مواضيع اجتماعية وسياسية )الذي يقوم على مبدأ الاسكتش اي المشهد القصير يعرض حادثة او واقعة تشكّل وتكون شخصية الجوكر هي المحرّك الاساسي للحدث او اللعبة، في الجهة المقابلة وفي اطار التناسج والتشابه نجد انّ الفرجات الارهابية تتخذ نفس الشكل تقريبا فالمساجد مثلا اصبحت فضاء للنقاش ومعالجة القضايا الدينية امّا الجوكر فتحوّل من مجرّد منشط يقدم اللعبة او الاسكتش الى «معلّم» يفرض القوانين ويقدّم الدروس.

ويقدم التليلي مثالا اخر عن التواشج بين الفرجة المسرحية والارهابية من خلال مسرح الاسواق «فاذا ما عقدنا مقارنة بين هذه الفرجة ومسرح الاسواق فاننا سنكتشف انها تتفرع عنه» فكلاهما له جمهوره وكلاهما يمس الفضاء العام ليخلص الكاتب الى «إنّ لثقافة الموت مسرحها الخاص الا وهو الحياة بوصفها ممسرحة سلفا، أي أنها تتواصل مع الجماهير بشكل مكثّف وشاسع ما يسهّل عملية الاستقطاب وإدماج الناس وتأهيلهم ليكونوا في المستقبل انتحاريين أو محققين لفرجات الدم» (صفحة123).

ويشير التليلي إلى أن الفرجات المسرحية استطاعت جلب الجمهور أكثر من المسارح نظرا لتمثيلها المجتمعي وخلفياتها اللاهوتية والدينية واستطاعت عقد نوع من الصلح الاجتماعي (إن كان مبنيا على مغالطات) بين الفرجة والجمهور أكثر من المسرح الذي ظلّ مغلقا على ذاته وسجين القاعات المغلقة.

في كتابه ينقد التليلي الفرجة المسرحية التي ظلت تحاكي الواقع الاجتماعي وتحاكي في أعمالها العمليات الإرهابية وعوض الترسيخ لفعل مسرحي يقوم على المواجهة ظلت اغلب الأعمال المسرحية مجرد محاكاة للعمليات الإرهابية، وينقد أيضا شحّ الفعل النقدي فالتظاهرات والمهرجانات تكتفي بنشريات عوض ان تقوم على مقالان تنقد الاعمال المقدمة نجدها تكتفي بنصوص توثّق للاعمال )فقد تحولت الى مثابة ورقات مهمتها لا تتعدى حدود التوثيق لدورة من دوراتها او هي لسان حال منظّم الدورة )، كذلك الاعمال الاكاديمية ظلت حبيسة النظري «لذلك هي الاخرى لا تعلج اعمالا مسرحية او تفككها او تشرّحها، بقدر ما تتركها شريدة، دون اي حسّ حواري يصاحبها بغاية النقد والتجاوز وبغاية تطويرها» صفحة 344.

• هوامش:
• انّ العوامل التي جردت الفن من هالته وأصالته وقذفت به طريدة سهلة في قبضة راس المال هي نفسها التي ارتكزت عليها تلك الفرجات صفحة146
• تكشف مقدرة هذا التنظيم عن إمكانية خلخلة الثوابت السينمائية كما المسرحية، بل وجمعهما في لون واحد هو فرجاتها الوسائطية الدموية المرعبة، ما يجعلها تمثل خطرا على الفنّ بجعله يضع مولودا جديدا، مهجّنا وقائما على الرفد والتناص والأخذ من الفنون الأخرى في سبيل تحقيق نوعه الخاص» صفحة155
• تسعى الشخصية الانتحارية، بما هي مؤهلة لتكون اول الضحايا، الى عقد نوع من مساءلة الحياة ذاتها، اذ لا ترى فيها سوى ضرب من الوهم،لذلك هي تتقبل الموت او تقبل عليه بشكل ينمّ عن كونها لا تهاب الاندثار» صفحة 180
• «تهدف هذه الفرجة الى استهداف جماهير مختلفة، اذ ثمة جمهور تحاول ادماجه في عوالمها، وثمة جمهور تحاول ارعابه، وثمة جمهور تحاول ان تجعله يكتفي بمشاهدتها بغرض تحليل ظواهرها وحدثها وهو جمهور معنيّ بتحليل الظاهرة الارهابية وهو في مجمله يمثّل باحثين وسياسيين واعلاميين»صفحة 196
• انتجت سياسات الهويات المتناحرة، نوعا من هيمنة التوتر العالمي على سطح الجغرافيا، اذ لم يعد مرتبطا بمساحة ما، بقدر ما هو يلقي بظلاله الان على الجميع، حتى انّ فاجعة الارهاب باتت تطال الكلّ ولا نجاة لاحد منها» صفحة 305
• ستبدو مهمة المسرح في ضوء الراهن، لا تحرير العقل التنويري من حالته الجديدة ومن وهم الحداثة فحسب، بل ومن تلك الفخاخ التي اوقعته فيها سياست الراهن « صفحة 334.

مؤلف الكتاب في اسطر:
حاتم التليلي محمودي كاتب وناقد مسرحي، متحصل على شهادة الاستاذية في اللغة والحضارة العربية وادابها وعلى الماجستير في دراسات مقارنة في اختصاص الادب المعاصر، مهتمّ بالمسرح وفنون العرض، من النقاد المشاكسين والصارمين في المسرح، في رصيده مجموعة من الدراسات المسرحية منها «عن المسرح وخرائط اخرى» دار ميارة للنشر و «أدونيس سورياليا» دار نقوش عربية و»مسائل في اللاهوت المسرحي» دار ميارة للنشر واخراها «الانقلاب الفرجوي» عن ديار للنشر والتوزيع.

صورة الغلاف:
تعبتر صورة الغلاف مبحثا اكاديميا وفنّيا وفي كتاب «الانقلاب الفرجوي» ابدع رامي شعبو في انجاز الغلاف الذي جمع اكثر من مدلول، ففي الصورة تمثال لديوزينوس يحمل بيمناه كأس دم وبيسراه يمسك بقية جسد القربان/ مع تدرّجات لللون الاحمر، والاحمر في المسرح عادة لون الدم والموت، وكأننا بمنجز الغلاف يحمل القارئ منذ البداية الى عوالم الموت والدموية التي سيتتبعها خلال تصفحة لـ380صفحة وهو عدد صفحات الكتاب في فصوله الخمسة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا