بين أيادي الفنان التشكيلي أسامة الطرودي: معــادلة الاختزال و البلاغــــة

وقعت عيناي على صور لبعض أعمال أسامة الطرودي، سلسلة من اللوحات موضوعها «اليد»، أما الفعل الإنشائي فيها فهو فعل مباشر بالأقلام على الورق.

وأنا اقلّبها، كان لزاما علي أن أفكر في رمزية اليد ودلالتها وحقيقتها و مشروعية حضورها .إن اليد هي رمز الفعل والعمل، آلة التنفيذ و التسديد ،منها ينبثق الفعل ويطلق، إنها القدرة التي بها يكون الفعل فعلا كلما سمحت له أن يبرز لكن هذا الفهم ليس الا اوليا فلها شخصيتها كذلك و ملامحها و بنيتها النفسية و مزاجها . اليد وجه آخر للإنسان يكشف عمقه الباطن.

اعتقد أن اليد في معناها المجرد أو في حقيقتها المطلقة المتعالية هي قائمة واجبة الوجود بذاتها، منها تدلت الأيادي في حقيقة مُقيّدة ،وجودها فيض وتجل، فتنزلت بأوصاف بشرية منها تكاثرت الأفعال واتصفت بين بسط وقبض ،عطاء و منع جذب و دفع بطش ورفق.هي أول شكل رسمه الانسان البدائي في الكهوف ليتحسس بها العالم و هي العضو الذي تحرك خارج كتلة الجسد في الفضاء ليتلمس المعرفة منذ طفولة الانسان مما يجعلها عقلا اخر للجسد له تحاليله و ذكاؤه و فهمه .

اخترقتني هذه الخواطر وأنا انظر في أعمال الفنان أسامة الطرودي ، يقفز إلي السؤال أيّ يد رسمت هذه الأيادي؟حذق و مهارة في الرسم باديان بوضوح .تربت يد جعلت هذه الأيادي أيادي.إن الناظر في أعمال هذا الفنان يلاحظ تلك القدرة اللّامتناهية في رسم التفاصيل والدقائق دون محاكاة.

إن أفضل حال للقارئ أن ينظر في مجمل اللوحات لعل ذلك السر المودع في كل أثر فني يُجمع فيدق باب الناظر في لحظة ما، من جهة ما. كيف يتحول الواقعي الذي ننظر إليه في كل لحظة و حين إلى منظر غارق في بحر الجمال مشعّا، مقبلا نحوك وكأنه انوجد لتوّه؟ أين كنت منه و أين كان منك؟ أيُّ سحر جعل هذه الأيادي تطل إليك وهي المسافرة من الواقع فتقبع فيك وتحملك لفضاء التفكر والاستغراق فيه؟ ماذا أضاف الطرودي إلي الأيادي؟ أيُّ شيء أودعه في تلك الرسوم لتظهر في جمال بيَن؟ ماالذي طرأ على هذه الأيادي فجعل نظرتنا لها تتغير؟ هل السر في النظرة أم في الأيادي؟

وأنا أشاهد هذه الأعمال اعتراني شعور أولي بأنها كثيفة المعنى، ولكنها لا تسلم نفسها بسهولة، إنها مختلفة و مغايرة و مخاتلة ، تبعثرني في مهب الأسئلة ولا تبالي بحيرتي. أجدد همتي فأعيد النظر. اقلب اللوحات على مهل، اقتفي اثر بروق الأفكار و الأفهام. إني في قبضتها و إني اسمع صرير الأقلام و المقْضيات تُنكتب والمسرٌودات تُرْوى في دواوين الأنس والجمال.تتشابك الأيادي في أعمال أسامة الطرودي و تتجاور وتتحاور: اليد في اليد , اليد على اليد ، من اليد الى اليد , ذات اليمن وذات الشمال ، بشكل يستدعي عوالم اخرى فيها عمق شعري صارم و غريب: يد زرقاء بجانب يد حمراء على مساحة بيضاء .

إن الفن التشكيلي فن صامت ولكنه شهود لما لا يُنْقال، مارق من القولية والثرثرة. مخبر عن نفسه بلا واسطة، انه ذلك الشيْ العميق الذي لا تطاله اللغة وتقف عند أعتابه عاجزة ولكنه منتشر في الوجود، انه غوامض من الجبروت في مظاهر الوجود، ينطرح لكل بصيرة ثاقبة،انه بروق ولوامع وبحور من النور لمن شهد وشاهد.
وإذا ما عدنا للمظهر، للوحة التي لاحت وبرزت من بروج العرفان، من وجدان الفنان ، من عمق العمق لاحت تنوء بحملها و علينا أن نفكك «شيفرتها «فنأخذ منها، ونملا قربة الزاد،إنها مثل وردة علينا امتصاص رحيقها.
تسطو علينا لوحات الفنان، أياد تحمل الأقلام كاتبات قارئات. لماذا نكتب؟ نكتب لأننا نقرا ، وكأني به يقول اقرؤوا كتابي.

إن اليد تخبرنا عن صاحبها بل هي مُعرّف له،إنها تختزله، تحمله في طيّها، تبطنه وتظهره، تأتينا بنبئه العظيم، بعد أن أحاطت بما لم نحط به خُبرا، إنها هدهد سليمان ذهب واكتشف وجاء بالنبأ، تلميحا واختزالا وتصريحا.
ارني يدك اقل لك من أنت، انه قول فصل: يدك شبهك.

اعتقد أن الأيادي في أعمال الفنان أسامة الطرودي شخصيات حية تفكر، تلعب، تتعب، تكبر و تشيخ وتهرم لها راحتها و قبضتها. وجهها و كفها و ظهرها و بطنها.قلقة تقلب الوجهة بين فوق وتحت، يمين وشمال وكأنها تهفو بين سماء و ارض، فلا الأرض ترضيها ولا السماء ترضيها. إنها أياد نشطة كاتبة قارئة تمثل أصلا في حقيقته بالغ العظمة، وفي ظاهرها فصل متدل لبس حلة الأرض، بانت ولانت، فعلها ليَن قيَم، إنها موصوفة، يد فرّاسة بارعة، تشتبك و تقاوم.

هناك من الأيادي البيضاء و الحمراء , الشريفة والعنيفة, المرتعشة و الماكرة و الطاهرة و اللطيفة والحميمة و المتخاذلة و الحنونة و الشهوانية الملساء والحرشاء و التي تصافح و التي تكافح و التي تنادي والتي تودع : صورة الانسان يده. لكل يد بصمتها ظاهرها وباطنها، انه شيء ما يجعلها متفردة من حيث جوهرها و حقيقتها، ولكنها متكاثرة بهوياتها المتعددة والهوية هنا هي مجمل السمات والصفات التي تميز شيئا عن غيره أو مجموعة عن غيرها. إنها طبقة من الأفعال وصفات الأفعال تصطبغ بها اليد،انها أداء موصوف بالسرعة والتأني بالمهارة والاتقان٠بالارتخاء و التشنج ، بالعنف واللطف. انه سلم الأداء من أسفله إلى أعلاه فيه ما فيه من مراتب الأفعال.

ان الفنان الطرودي اخذ من كل يد، فمسك كل الأيادي حزمة واحدة ، قبضة واحدة، يد الخباز والنجار والحداد يد الدهان والنحات،يد البناء و العازف ،يد الماهر الباهر... انه بعض يحمل كلا ،وكل مستو في بعض بكل تلك الأيادي يكتب. فينكتب الفعل الفني وكأنه سحر مبهر.

يحتفي الفنان الطرودي بكل الأيادي العاملة. يمتد الفعل التشكيلي إلى داخل اللوحة فتنبعث اليد من اليد حيّة، يد الحرفة من يد الفنان المفكر إن هذا إلاّ احتفاء بالعمل وبحث عن كماله.

اعتقد أن الكتابة التشكيلية عند الفنان أسامة الطرودي فعل رصين خال من الثرثرة، مقتصد حد التقشف تلوح من غياهب الفنان يد في بياض، يغلب البياض على مساحة الفضاء التشكيلي، أفق ممتد، سكون مطلق،بحر بلا موج. تنبت اليد فجأة من البياض تتوسطه لا غلبة لليمن ولا للشمال ولا للفوق ولا للتحت يتبدى منها فعل بسيط ولكنه ينوء بحمله. فعل نراه و نعرفه كل يوم، رفع قلم، تشابك أصابع،يمين تقابل الشمال. حركات تتدلى منها الإشارة والإشارة هنا كثير المعنى في قليل الحركة تشير إليك اليد: «أقدم يا معنَى ان رمت الدواء .انك مني واني منك.أطلق يديك».

خالد الطاهري

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا