منبــــر في ديوان جديد للشاعر السيد بوفايد: «كما الذئب في الخمسين» .. حزن وكبرياء

بقلم : شمس الدين العوني

ثمة ذئب في البراري يتفقد الأثر و يقرأ ما تداعى من السنوات.. يعيد سرد ممكنات و ضياع وتفاصيل مر بها و لكنه الآن يراها من زوايا أخرى و بألوان مغايرة.

في تلك السنوات من منتصف ثمانينات القرن الماضي كان هناك صوت متعدد أنبأ بجيل شعري جديد حيث لم تكن هناك حفلات للشعر العميق ولا مهرجانات و لا نواد سوى لقاءات يتيمة يكبر فيها حب شعراء المرحلة ليصل المطاف بميلادين شعريين في ملتقى حي الزهور و بعده في مهرجان فليبية...لكن الشاعر يوسف رزوقة في تلك الفترة تغمد هذه الأصوات بحنان هائل تعريفا و تثمينا.. ونشر رزوقة في تلك الفترة عددا من القصائد لدى اشرافه على الصفحات الأدبية لجريدة «الأيام» تحت عنوان « الشعر القلعاوي » و كان يعني حساسية شعرية بالقلعة الكبرى من الساحل التونسي وضمت بالخصوص اصواتا مهمة .. ومن الشعراء نذكر بديع بن مبروك و سمير بوقديدة و عبد الحميد ضريوة...و السيد بوفايد...

السيد بوفايد لازمه ذئب الشعر و ظل على دأبه الشعري من تلك المجموعة و الى حدّ الآن حيث تعددت اصداراته الشعرية و كذلك حضوره في الأماسي واللقاءات و هو صاحب هذه التجربة الحرية بالمتابعة.
من أعمال السيد «ثمّة شيء غامض» واحتشاد الأسئلة ورياح الشتات و يهطل على ضفائرها البهاء و ذلك بين سنتي 2005 و 2015 وصولا الى ديوانه الأخير « كما الذئب في الخمسين « الصادر عن مطبعة فن الطباعة بتونس.
في هذا الديوان عدد من القصائد ضمن عناوين هي : «اللّؤلؤة» و«لا أحد يليق بها » و«هنّ السود الجميلات» و «حضور يتسلّق الذاكرة» و«حوار عاطفي» و«المرأة الغامضة» و«شذرات» و«تخاريف المرضى» و«دعاء» و«مشهد الريح» و«كان يمكن أن ينجو» و«لا شيء يمنعني» و«غموض» و«نام حبيبي وحيدا» و«أكتب إليها» و «لا يعجبني» و«الموت المشتهى» و«الشجرة».

في هذه المجموعة ظل الشاعر السيد بوفايد وفيا لنهجه الشعري من حيث الوعي بأن القصيدة هي هذا الهاجس و الاحساس و الأسئلة الساكنة في دواخله يقولها بحيز سردي تمضي معه الكلمات في سلاستها بعيدا عن التعقيد المفتعل و البعيد عن الغموض الجميل الذي يقوي النص و يكسبه متانة جمالية تدعو القارئ لتعميق العلاقة به قراءة و تأويلا.
نعم قصيدته منسابة في شجنها و كبرياء شاعرها الذي يعود لأشيائه و عناصره و أهله مسائلا و بكثير من الحيرة و الحنين لا يرتجي غير شموخ هو من شيم و علامات و أحوال الشعراء :

« يقول ولدي
ماذا ستترك يا أبي
حين يأخذك الغياب
إلى الغياب...
ســاترك
اسما شامخا تتباهى به
وما ورثته عن أبي (...)».

السيد بوفايد ياطب الأشجار و الرياح و الحجر و الصمت لا يلوي على غير القول بالشعر هذا الشاسع في نظره تجاه الذات و الآخرين و عناصر الحياة في شجن بليغ و في لغة تسكن دواخله و هو الحالم في كون متداع و يشهد ضجيجه المفتوح على الفجيعة و هكذا فان بوفايد في هذا الديوان بث العناصر حبه تجاهها كطفل يتحسس لعبه الأولى في مسحة كشف و اكتشاف...هي علاقة الشاعر بالشجرة التي عدد جمالها الدفين و الصامت و هي الهادئة في هذا الأفول :

« وحدها الشجرة واقفة
بهدوء
لا تكترث بالريح تحتها
تمد يدها للفراشات
و تتعطر بظلها .
وحدها الشجرة القديمة
تراقب الأحداث

بعيون مفتوحة
و أذان صاغية

تحصي أخطاءنا
وما ارتكب العشاق

من حماقات
تحت ظلالها.

وحدها الشجرة ذات الأوراق
المتجددة

تتابع خطانا
وتكنس بقايانا

حين نذوي
وتبقى
كعادتها دائما هادئة».
في المجموعة الشعرية « كما الذئب في الخمسين» يبدو الشاعر متجولا مأخوذا وفق حالات شتى بين الحزن و الحلم و الأمل و الشجن و الحنين و هكذا فهو الكائن المهموم بتبدل الأحوال حيث الوجد ذلك العنوان البين في هذه الشؤون الشعرية التي أرادها الشاعر تعبيرات دالة على هشاشة الكائن الذي يرتجي شيئا من هدأة الذات و سكنها الوجداني :
« أين اختفى بريق عينيها
وأي ريح حملت ضوء
وجهها المعتاد
حتى تهاوت في ظنونها المبهمة
........

ألم
و دم يفور
وجسد أثخنه الخوف
و الحذر...».

الحزن يطبع مجمل نصوص المجموعة ..هذا الحزن المعتق الذي جعل منه السيد بوفايد ملاذا جميلا و حميما في زحمة الأحداث و المشاعر ولعله الحزن المتسع للطمأنينة فالشاعر يرى الأشياء وفق ايقاعه الخاص كأن يطمئن وسط الظلام و السقوط و الأهوال مستعيرا من الحياة سخريتها الباذخة...انه الحزن الناعم المولد للجمال و للجديد و ان « بعد عام..بعد عامين وجيل»:
« أنا حزين جدا...
و أشعر بالضيق
كأن العالم قبر
فسيح...
و مع هذا
أرى الحياة تمشي بقدمين
مطمئنتين
هازئة مني
و بخطى الحلزون
تدب...».

كما الذئب في الخمسين..كون شعري للسيد بوفايد راوح فيه بين القول بالذات في حلها الوجداني و ترحالها بين الحنين و الذكرا كل ذلك في لغة سلسة تجاه تلوينات العناصر و التفاصيل..هي فسحة شعرية تبشر بأصوات الفاشات والورود في ليل الضجيج و السقوط و الشاعر هنا صوت حكمة بدت في الخمسين من خطى السنوات..السيد بوفايد شاعر يزرع شجرة في غابة رغم عواء الذئب..هذا الذئب الوديع أحيانا عند منتصف الطريق...و تظل طريق الشعر شاسعة تجاه الأمل الملون بالشجن والحزن والحلم البليغ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا