مسرحية «ارتباك» لمحمد السعيدي ضمن أيام المسرح بتطاوين: جميعنا متهمون بالصمت.. كلنا شركاء في الجريمة...»

يعيشون بيننا، نراهم ونغمض أعيننا كثيرا، نسمع شكواهم وانينهم بعضهم يستفزنا فنعطف عليه واخرين لا يقنعنا تمثيلهم فنواصل الحياة،

هم جزء من المجتمع التونسي شريحة جدّ هامة وحاضرة، شريحة الشحاذين المنتشرين في كل مكان، تلك الشريحة المجتمعية ومشاكلها وطريقة عملها ومن يشغلها هي محمور مسرحية «ارتباك» التي عرضت مساء الخميس في المركب الثقافي بتطاوين.
«ارتباك» عمل مسرحي عن نص لقيس عمارة واخراج محمد السعيدي وتقني اضاءة قليعي حراثي وتمثيل ايمان مماش وحسن بالربح ولسعد حمدة، مسرحية مشاكسة تسائل المجتمع والدولة.
المسرح سؤال لا يبحث عن إجابات
المسرح مسارح والمشهد مشاهد يقع إعادة تركيبها وقراءتها بطرق مختلفة للحصول على عمل مسرحي يشبه الممثلين والمخرج وفيه قراءة أخرى.
للمجتمع التونسي قراءة جديدة لعوالم الجريمة والإرهاب مع شريحة جديدة عمل عليها محمد السعيدي في مسرحية «ارتباك» التي كتب نصها قيس عمارة.
«ارتباك» من معنى الاسم يذهب ذهن المتفرج إلى عوالم الخوف والصراع والرهبة، خوف من المجهول وصراع بين شخصيات متشابهة ومتنافرة والرهبة من نهاية غير معروفة، على الركح ثلاث شخصيات حاضرة جسديا وشخصيات أخرى تشارك في تصعيد الأحداث وصناعة ملامح الحكاية لكنها تحضر معنويا ولفظيا من خلال حوار الشخصيات الثلاث الموجودة على الركح.
«شفرود» و «خديجة» و»بلها» شخصيات نراها يوميا في شوارعنا التونسية، نعايشهم نسمع قصصهم ونغض البصر أحيانا عن إعاقتهم او شكواهم، جملة «عاوني راني يتيم» و«يا أحباب ربي راني أم صغار» و«خوكم مريض وماعنديش دواء» وجمل أخرى تختلف شكلا لكنها متجانسة مضمونا نسمعها ونراها في وسائل النقل وفي الشوارع وأمام المساجد وقرب المحلات الكبرى، فعالم الشحاذة «الطلبة» عالم شاسع وشروط الدخول إليه تتطلب الكثير من الحنكة والقدرة على التمثيل خاصة.
المكان أمكنة، فهو «قراج مهجور» و«الميترو» و «الدشرة» و «منزل عيلة سكروتة» و فضاءات أخرى جميعها تساهم في تشكيل الملامح الدرامية للعمل المسرحي، الزمن أزمنة أيضا فهو الحاضر المخيف والماضي الأكثر رهبة ومستقبل مظلم موشى بالدماء، ليتداخل الزمان والمكان والحوار لصنع عرض مسرحي ناقد، عرض يرافق فئة المتشردين والشحاذين يحاول أن يدرس الظاهرة وأسبابها وكيف تصبح «المساسية» وسيلة للتمثيل ثمّ الجريمة.
«ارتباك» عمل يقوم على الخوف يجمع في فضاء مهجور ثلاث شخصيات سرقت حقيبة الوثائق من العائلة الرأسمالية المشغلة وهربوا بحثا عن مكان آمن للاختباء ومقايضة أصحاب الأوراق بالمال، في الطريق يٌفقد الطفل «حمد» وتبدأ القصة من لحظة ضياعه فتسترجع الشخصيات الحكايات والقصص وتنجز «بروفة» في المكان المهجور (مسرحية داخل المسرحية)، وكل مشهد يحمل الجمهور إلى عوالم الشحاذة وينقل تفاصيلها وأسبابها للجمهور، فالمسرح فكرة جريئة تمس كل المواضيع دون خوف، والمسرح فعل إنساني متمرد يبحث في علّات المجتمع يكشفها أمام الجمهور عله يجد لها حلولا ويحاول إصلاحها.
«ارتباك» رحلة الخوف والضياع، خوف ثلاثة شحاذين هربوا من بؤس العائلة المشغلة ليجدوا أنفسهم في حضن الخوف والضياع، ثلاثتهم متحيلون وجدوا في الشحاذة طريقة سهلة للكسب والحياة وكبر مشروع التحيل ليصبح سرقة وإجراما وقتلا «الصحن فيه الدم والورقة شنوة مكتوب فيها»، فالمسرحية تضع تحت الضوء شريحة من الشحاذين المتحيلين وتسلط الضوء عليهم لتقدم للمتفرج صورة واضحة نسبيا عن الأسباب والدوافع كما تحلل أسباب الجريمة وتلك وظيفة المسرح توعية الإنسان وتوجيهه للحقيقة.
اتحدت الموسيقى مع الضوء لتشريح المجتمع
ضوء خفيف ينتشر على كامل الركح مع بعض السواد، الضوء الاصفر يحيل الخوف والقلق والسواد يحمل الفكر الى مكان شبه مظلم، الضوء يصبح شخصية فاعلة في العرض فهو يحرك الأحداث وينقل خوف الشخصيات ويبرزه إلى العلن والضوء رافد للحركة والانتقال من مشهد إلى آخر ومن قصة إلى أخرى، هو الدافع للسؤال؟ ما هي أسباب الشحاذة؟ ايّ عوالم تلك؟ كيف يعيش هؤلاء الذين نراهم دوما في وضعية جسدية مزرية وملابس مهترئة؟ هل يعملون منظمين في فرق ومجموعات أم كل يعمل بمفرده؟ من يشغّلهم؟ وهل المشغّل صاحب أموال كثيرة وهو يستغلهم؟ وأسئلة أخرى يطرحها الممثلون على الرّكح في تماه تام بين لغة الضوء والحوار المنطوق وحركات الجسد.
في «ارتباك» اختار المخرج محمد السعيدي انجاز حلمه المسرحي مع ثلاثة من رفاق الفكرة والمشروع، حسن بالربح وإيمان مماش ولسعد حمدة ثلاثة من أفضل الممثلين في جهة قفصة كل منهم يمثل جسدا مسرحيا وكيانا إبداعيا متصلا، كلّ له طاقة رهيبة على الرّكح وطريقة سلسلة للانتقال من التراجيديا إلى الكوميديا، ثلاثتهم مبدع اجتمعوا في عمل واحد فكانوا مثل الشموع التي تضيئ فناء كنيسة قديمة ينيرون الركح والعمل بطاقتهم وحبهم لما ينجزون، وفي اختيار الممثلين يقول السعيدي «جميل أن نتشرك الإبداع مع رفاق المبدأ والفكرة والمشروع، كنا معا في مسرحية سوس 2014 ومن هناك حدث التلاقي الروحي والفكري واخترنا ان نكمل العمل معا» فالمسرح يقبل ذلك والخشبة تبحث عن الأفكار المتجانسة.
«ارتباك» عمل مسرحي تتحد داخله كل عوالم الفعل المسرحي تقنيا، الحوار وداء الممثلين المقنع ومحاولة الصدق في تقمص الشخصية والسينوغرافيا، الموسيقى كما يقال روح الممثل وصانعة الايقاع واختار مخرج العمل موسيقى محلية هي مقاطع من اغنية «غريب وجالي» معنى الاغنية يعبر عن الاغتراب النفسي للشخصيات عن المجتمع والدولة وإيقاعها الهادئ يشبه كثيرا وجع الشخصيات وخوفها، الموسيقى بتقطعاتها تماهت مع تقطعات القصص والأحداث التي عاشتها كل شخصية، فـ»بلها» أنموذج عن الطفل الحالم المحب للدراسة ووالده يرفض ان يتم التعليم ليدخل تدريجيا الى عوالم الجريمة، وخديجة اختارت الاداب لتدرسها في الجامعة وعوض الامضاء على اوراق الترسيم وجدت نفسها تمضي على ورقة «الصداق» فلكل شخصية اسرارها وجميعهم يشتركون في احساس الخوف، خوف من الاخر تحول الى غطرسة فتحيل وسرقة وجريمة.
«ارتباك» مساءلة للمجتمع والدولة أيضا؟ يسائلون المجتمع لأنه يترك الأبناء في حضن الشارع بكل مخاوفه وسؤال للدولة لانها لا تراقب الافراد وتسمح بطريقة او باخرى لتشكل عصابات صغيرة تكبر لتصبح مختصة في تشغيل الناس في الشحاذة ومعها التجارة بكل شيء حتى الدم والانسان، يتاجرون وهم يجلسون في منازلهم الفارهة، تجارة قد تصبح بابا للاجرام والاغتيالات السياسية وتلك ميزة المسرح طرح الاسئلة الجريئة دون خوف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا