مسرحية «قصر السعادة»ّ ضمن أيام المسرح بتطاوين: «الحقيقة وجيعة.. الحقيقة تحب قربان من الدم»

يسكننا الوهم وندعي أنه الحقيقة، جميعنا مزيف، أفكارنا زيف يشبه الحقيقة، آراؤنا أوهام ومدرستنا تقدم السراب وأساتذتنا

يوزعون الوهم بتعلّة انه الحقيقة ، مجتمع مسكون بالزيف والخداع وعادات بالية تكبل الحالم وتشده إلى «السيتام» و منظومة بحث مهترئة ومنظومة صحية جدّ بالية والضحية هو الإنسان، المواطن الذي لازال يريد أن يحلم في بلاد «القد قد» هذا ما تخبرنا به أحداث مسرحية «قصر السعادة».
«قصر السعادة» مسرحية من إخراج نزار السعيدي وتمثيل كل من جمال ساسي وانتصار العيساوي وآمال كراي وحمودة بن حسين وعلاء الدين شويرف وفاطمة عبادة أما السينوغرافيا فهي لصبري العتروس، والكوريغرافيا لملاك زويدي، والموسيقى والتدريب الصوتي لرانيا الجديدي وهي عمل نقدي يعرّي المجتمع ويضع الانسان امام مرآة الحقيقة..
المسرح مواجهة للحقائق الصادمة
خطوات الممثلين تصنع موسيقى العرض، ضربات الأقدام على الركح تتماهى مع الانفعالات النفسية للشخصيات، كلما زادت الضربات في القاعة كلما عبروا عن وجع اكبر وظلم اشدّ، «قصر السعادة» مسرحية تشرّح ظاهرة الإدمان تعري بؤس المنظومة السياسية والإدارية في تعاملها مع موضوع بمثابة السوس الذي ينخر العائلات، مسرحية تكشف عن سذاجة البحث الأكاديمي وانغلاقه على نفسه أمام الحالات الاجتماعية والعمل الميداني.
«قصر السعادة» مسرحية تكشف اللثام عن هشاشة المنظومة التعليمية التي تكتفي بـ«صب جملتين وعاودهما» ولا تنبته للتلميذ، مسرحية تتداخل فيها المواضيع وتتشابك الأفكار والاطروحات الفنية، عمل يشبه النار التي تخرج من جوف الممثلين في شكل جمل قاسية وحركات عنيفة تحاول أن تهزّ المتفرج وتدفعه علّه يستفيق من سباته واستسلامه للأوهام.
يضعنا العمل في مواجهة الحقيقة ومحاولة معرفة الأوهام المحيطة بنا في مجتمعنا التونسي «أنا وهم تلميذ ناجح وأنت وهم باحثة اكاديمية مميزة وذاك وهم فنان صوتو مسموع وتلك وهم إدارة تراعي مصلحة المواطن» جميعنا يسكننا الوهم نعيشه ونلبسه كما الحقيقة «الوهم تربحوا نهار إلي تملك سر الكلمة» كما جاء في نص المسرحية، على الركح تبوح الارواح بوجع من جرّب الإدمان مرة ليسقط في دوّامته.
على الركح عرّى الممثلون أوهامنا وادعاءاتنا بامتلاك الحقيقة، فهل مؤسساتنا الصحية مجهّزة لنتحدث عن صحة عمومية ؟ (حتما لا وأزمة الكوفيد أثبتت ذلك؟) هل أن النقابات تفكر في مصلحة العامل والمؤسسة؟ هل أن الإدارة العمومية تعمل لمصلحة المواطن والدولة؟ ما الذي يدفع بالآلاف إلى مغادرة البلاد خلسة؟ ما الذي يدفع الكثيرين الى طريق الادمان؟ واسئلة اخرى تطرح على الركح، يطرحها الممثلين بكل جرأة في عمل يشبه العملية الجراحية يفتح الجسد المنغلق على ذاته ويبدأ الجراحة حدّ للوصول الى العضو المقصود لإزالة العلة والوصول الى الحقيقة «الحقيقة وجيعة، الحقيقة ليعة تحب الدم».
المسرحية: دراسة سوسيولوجية ونفسية لظاهرة الإدمان
«قصر السعادة» عنوان رمزي يحيل إلى السعادة الوهمية التي يشعر بها المدمن، السعادة الوهمية التي يعيشها الباحث بعد انهاء بحث اكاديمي متعاملا مع الانسان كرقم وحالات، السعادة الوهمية التي يشعر بها الأب بعد أن يخطط لأبنائه مسار حياتهم متناسيا إرادتهم ورغبتهم.
«قصر السعادة» مسرحية تنقد ظاهرة الإدمان تضعها على الركح وتقدم دراسة سوسيولوجية لتشريحها والبحث عن اسبابها، فالشخصية المحورية أستاذة علم اجتماع (انتصار عويساوي) تنجز أطروحة الدكتورا عن الإدمان، تطور الحالة المهنية وتتمسك ببحثها الميداني لتدخل في علاقة تفاعلية مع المرضى ومن هناك تبدأ القصص المتشعبة.
في المسرحية تُنقد المنظومة التربوية لأنها في جزء منها تدفع التلاميذ إلى الإدمان، شخصيات التلاميذ الهشة أمام نماذج دراسية متشابهة لا تعول على ذكاء التلميذ انما تجعل الجميع متشابهين «انتم تلوجوا عالقشرة وناسين اللب»، المنظومة التعليمية القديمة تزعج الأستاذ لأنها تضعه في خانة الآلة فهو مقيد بضرورة تقديم مواد ودروس لا تنفع التلميذ ولا تشجعه على التفكير والخلق وتقلق التلميذ أيضا لأنها تكبّله، لتكون النتيجة البحث عن السعادة خارج أسوار المؤسسة التعليمية وكأنناّ بالمسرحية تنبّه لمزيد الحرص ومراجعة ما يقدّم للتلاميذ وإصلاح العلاقة المتشظّية بين الأستاذ والتلميذ لإنقاذ جيل الغد «شبيّب» ولد غدوة وتونس مستحقاتو».
«قصر السعادة» دراسة سوسيولوجية دقيقة للإدمان، على الركح يقدم انموذجين للمدمنين «شبيب» (علاء الدين شويرف) و«عجوز» (آمال الكراي) تتبع الباحثة تفاصيل علاقاتهم وتغوص في العائلة لتكشف عن العنف الذي يسكن العائلات والتشظي مما يجعل الانسان فريسة سهلة للادمان، صراع الوالدين في حالة «شبيب» والخط المستقيم الذي اختاراه ليعيش داخله، و الفقر و العنف في الحالة الثانية كانت نتيجته الادمان.
«شبيب» و«العجوز» في المسرحية إحالة على الشعب التونسي فجميعنا مغيّب طوعا وقسرا، جميعنا مدمن، كل تختلف وسيلة إدمانه من المخدرات الى العادات والتقاليد إلى الدين الى المجتمع كلها اسباب تغيب انسانية الانسان ووعيه وتجعله يعيش بعقلية القطيع ويطمس فكره وعقله.
«قصر السعادة» عمل يشرح ظاهرة الادمان ويحاول تقديم الاسباب الكامنة خلفها، على الركح تميز الممثلون، «الجنود» فكل منهم تقمص أكثر من شخصية ولكل شخصية تركيبتها النفسية المختلفة عن الأخرى، على الركح تميزت انتصار عويساوي بروح محاربة فالشخصية تتطلب الكثير من الطاقة الجسدية والنفسية، علاء الدين شويرف كان أداؤه مختلفا والشخصيات تقمصها بكل حرفية واقنع الجمهور، والممثل التلقائي حمودة بن حسين له كاريزما مميزة على الركح وللممثل جمال ساسي حضور يشبه الميزان يعدّل الطاقات المهدورة و الانفعالات التلقائية والممثلة امال الكراي محترفة تتقن جيدا المرور السلس من شخصية العجوز المدمنة الى المحامية الشامخة، وفاطمة عبادة تالقت في شخصية فتاة الهوى وكان أداؤها صادقا جدّا صادق، جنود الركح اختلفت أدوارهم لكنهم قدموا عرضا تميز بالحرفية والصدق امام جمهور صعب في تطاوين، وحاولوا الحديث عن الحقيقة الموجعة واتهموا الدولة بالتقصير في معالجة الادمان والحد من دخول الادوية المخدرة الى تونس.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا