مونودرام «البطل» إخراج كمال بوزيدي في افتتاح أيام المسرح في تطاوين: «كفى ارتجالا، فجراح الوطن كثيرة»...

نحن نصنع الأبطال من وهم ثم ننفخ فيهم الجبروت ليصبحوا زعماء وأبطال، نحن من نصنع أبطالنا من ورق ونعطيهم الحق ليصبحوا

شخصيات حقيقية فاعلة تتحكم فينا وتتحدث باسمنا، نحن نصنع الفاشلين ونراهم ناجحين، نحن نصنع الأوهام وندعي انها الحقيقة، نحن المسؤولون أمام ذواتنا ووطننا عن فشلنا الذريع وأزمة بلادنا الموجعة لأننا لم نحسن الاختيار، هكذا يمكن تلخيص مونودرام «البطل».
«البطل» مونودرام وهو نص وتمثيل للطاهر الرضواني واخراج لكمال بوزيدي عرضت في افتتاح الدورة التأسيسية لأيام المسرح بتطاوين التي تنظم بالشراكة بين مركز الفنون الركحية والدرامية والمركب الثقافي ومندوبية الشؤون الثقافية بتطاوين، تظاهرة وليدة «رغم الظرف الاستثنائي وجب ان نعمل ومن واجبنا تقديم الفعل المسرحي وتحدى كل الصعوبات، لان المسرح امل» كما قال علي اليحياوي في الكلمة الافتتاحية للتظاهرة.
الركح فضاء للبوح والنقد
الخشبة فضاء للبوح، على الركح يصبح الكلام أجود ويكون النقد أكثر شراسة، على الركح تتماهى كل مقومات النقد لتقديم عمل كوميدي سياسي عمل مغلف بالضحكة وداخله الكثير من الوجع، وجع الفنان المسرحي وهو يشاهد ما يحدث لبلاده من تجاذبات سياسية ومعارك وشعارات سياسية مقلقة مقابل سوء اختيار المواطنين لمن يمثلهم كلما توجهوا إلى صندوق الاقتراع.
نص مونودرام البطل تفاعلي ففي كل جزء منه تفاعل بين الممثل والجمهور ليصبح المتفرج جزءا من اللعبة المسرحية، على الركح تقمص الطاهر الرضواني قرابة العشرين شخصية نجح في المرور بينها بكل سلاسة وأتقن التفاصيل الصغيرة المختلفة من شخصية إلى أخرى من حيث طريقة النطق (لكل شخصية صوت وطريقة كلام تميزها عن الأخرى) والحركة وتعابير الوجه التي تتغير مع النص والحركة والشخصية.
«البطل» مونودرام يشبهنا، في كل شخصية هناك بعض النقاط المشتركة مع المتفرج، ربما الوجع أيضا وهموم الوطن الجماعية نتشارك فيها واستطاع الممثل دغدغة ذاكرة المتفرج لينطلق هو الآخر في النقاش ويبوح بما يخفيه من مواقف عن الوطن والوطنية.
«البطل» مونودرام سياسي، الضوء يصبح شخصية تتماهى مع الأحداث، العمل يشبه رحلة الحياة فموسيقى البداية تلك التهليلات الشاوية تكون عنوان لانطفاء الاضواء ونهاية الحكاية، دائرة مسرحية تتفرع احداثها وشخصياتها، تكون فيها السينوغرافيا رديفا للمثل الذي وظّف قدرته على الغناء في العمل فكان «الطرق» جزءا أساسيا للفصل بين المشاهد والشخصيات، «البطل» ميزته تعدد اللهجات حسب الشخصيات، فنجد تونس بكل تلويانتها من حيث اللباس وطريقة الكلام والعيش على الركح.
نحن نصنع البطل؟ ثمّ نريد محاسبته؟
«البطل» مونودرام مشاكس وناقد، ولد النص منذ 2013 وتطور مع افكار صاحبه لانه يعايش الكثير من القصص التي صنعها التونسي، «البطل» شخصية وهمية نحن من نصنعها ونحن من يبعث فيها روح الزعامة.
«البطل» هو السياسيون الانتهازيون الذين نشاهد صراخهم تحت قبة البرلمان ويغيبون فرادى وجماعات اثناء التصويت على القوانين والقرارات المهمّة، «البطل» هو فزاعة الدين والحرية هو السياسي الذي شحذه المواطن بالعزيمة حتى صدّق انه المنقذ مخلّص البلاد والعباد وبمجرد وصوله الى البرلمان لبس حلة جديدة ورمى خلفه بل ربما أحرق كل ذكريات ما قبل الانتخابات، هو السياسي الذي يخلف بوعوده تجاه ناخبيه، يغير تحالفاته حسب مصلحته الحزبية الضيقة متناسيا ثقة الناخبين، لذلك جاءت المسرحية شبيهة اللواقع تنقده وتشرّح الكثير من الظواهر الاجتماعية التي قدمت نخبة سياسية تحكم البلاد بارتجال.
«البطل» هو رشدي اليتيم ذلك الريفي الذي ولد في دشرة بعيدة يعيش في غابة دون امّ أو هوية، أتقن فن نزع «اللاقمي» و»القيشم» وباتت الهواية عملا يكسب منه قوته وأصبح له حرفاؤه من كل الأعمار والفئات الاجتماعية ومن قصصهم تبنى احداث المونودرام.
الشخصية التي وجدت في الغابة صدفة تنزل إلى المدينة صدفة وتجد نفسها أمام «مجلس الامة» ينتظره رفيقه «بلقاسم» ليعودا الى الغابة، ومن هناك تبدأ رحلة الحاضر والماضي وصراع بينهما يخرج منه كاتب النص الكثير من الوضعيات المضحكة والناقدة.
«رشدي» جلس صدفة امام أحد الجوامع ينتظر صديقه، تعرّف صدفة على «سي ظافر» وأصبح بالصدفة يعمل داخل الجامع ويهتم بشؤون الاخوة ويقود المظاهرات ويدخل عوالم الإسلام لمدة ثلاثة اشهر وبعد استرجاع الدولة للجامع غيّر مظهره ليجد نفسه صدفة مرة أخرى يجالس الرفيقة مروى تحدثه عن الشيوعية والديمقراطية وحرية المرأة ليصبح من باب الصدفة نقابيا يقود المسيرات في الشارع .

وبعد ثلاثة أشهر قادته الصدفة -أيضا- الى احد الاحزاب ليكون مرشحها في الانتخابات لان له حضور وكاريزما وصوت قوي وقادر على التأثير ليصبح زعيما من الصدفة.
«رشدي» هو كل هذا التناقض والصدف التي صنعت لنا سياسيين يعطلون مسارات الدولة، رشدي هو الانتهازية والانانية والتفكير في المصلحة الضيقة امام مصلحة المجموعة هو كذب البعض وادعاؤهم امتلاك الحقيقة المطلقة وانهم خلفاء الله على الارض يبشرون بالجنة ويوزعون صكوك الغفران، هو انكسارات اليسار التونسي وهزائمه المتكررة وانغلاقه على ذاته واجترار خطاب الستينات والسبعينات دون إيجاد حل او طرح بدائل، هو الذاكرة التونسية القصيرة المدى التي تناست دم شكري بلعيد وتناست القضية ومئات الملفات الاخرى، رشدي في المسرحية هو الزعيم المصنوع من الوهم وفي الوقت ذاته السواد فينا وانانيتنا المفرطة إلى حدّ التفكير في تقزيم الوطن امام علوّ الذات.
«رشدي» الشخصية المحورية هو التشظّي الذي يعيشه التونسي منذ سنوات، على الركح حاول الممثل جمع كلّ تلك الشظايا في شخصية واحدة فكانت متناقضة ومرّكبة ودغمائية كما حال تونس ونخبتها السياسية.
«البطل» مونودرام قام على الكوميديا المبطنة بالتراجيديا، تنقل الطاهر الرضواني بين الشخصيات حفر فيها ونبش في ذكرياتها وذاكراتها ليقدم عملا بسيطا وممتعا، نص متداول لكن طريقة الطرح عميقة ومختلفة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا