منذ أواخر القرن 19 إلى بداية القرن 20: المشهد الموسيقي التونسي من خلال «أعمال أنطونان لافاج»

بقلم: أميرة لوبيري

(طالبة دكتوراه بالمعهد العالي للموسيقى بتونس)

لطالما لعبت الفنون والإنتاجات الثقافية دورا هامّا في التعبير الفردي من جهة، وفي بناء الوعي الجمعي وتشكيل الهويّة الوطنية والثقافية من جهة أخرى، وهذا ما تتمحور حوله إشكالية بحثنا في الكشف عن صورة الثقافة الموسيقية التونسيّة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين والبحث عن مقوّماتها وخصوصياتها وخاصّة دور المثقّفين والمبدعين ومساهمتهم الكبرى في الحفاظ على موسيقانا وصياغة الهويّة الموسيقيّة التّونسيّة، من بينهم الشخصيّة الهامّة والفاعلة في تلك الفترة»أنطونين لويس لفّاج»، الذي سنبحث عن مرجعيّته الموسيقيّة وتجربته الفنيّة،وموقعه في السّاحة الفنيّة ومساهماته الكبرى في الحياة الموسيقيّة، وأن نُلقي على أعماله الضوء ونخرجها للعلن لثرائها واعتبارها شهادات هامّة.اذ تعدّ المعلومات التي ذكرها وقدّمها في مؤلّفاته خلاصة لتجربته واحتكاكه بالموسيقات التّونسيّة والتي يمكننا الاستعانة بها في قراءتنا للمشهد الموسيقي التّونسي في تلك الفترة.

ولد أنطونان لويس لفّاج سنة 1858بالجزائر، وتوفيّ سنة 1926 في باراي لومونيال. عُرف بكونه قائد أوركسترا وعازفا على آلة الكمنجة وملحّن. درّس في العديد من المدارس، التدوين الموسيقي والهرموني. شغل سابقا منصب مدير للكورال بمدرسة الموسيقى بتونس، كما قاد العديد من الفرق الموسيقيّة، بما في ذلك كازينو البلديّة في تونس، وكوّن صحبة «فريمو»فرقة كبيرة تضمّ أكثر من 120عضوا بين العازفين المنفردين وعازفي الأوركسترا والمغنّين...، خُصّصت لتقديم عروض موسميّة موسيقيـّة وغنائيّة لاقت نجاحا باهرا بمسرح تونس العاصمة.

اشتغل لفّاج مع البارون رودولف ديرلنجي في الحفلات الموسيقيّة التي قادها وكان من أوائل الشخصيّات الفنيّة التي قد اتّصل بها سنة 1911، حيث يعتبر هذا التاريخ بداية النشاطات الموسيقيّة المكثّفة التي قام بها لفّاج نيابة عنالبارون ديرلنجي الذي كلّفه بمهامّ عديدة من بينها دراسة الوثائق والمخطوطات القديمة والمقالات والكتب، في إطار عمل ضخم بتمويل البارون الذي كوّن فريقا وكلّفه بمهمّة تحقيق العديد من المدوّنات الموسيقيّة من بينهم لفّاج الذي تابع بشغف وانتظام كلّ تفاصيل تقدّمه، كما أشرف على إعداد التقارير اليوميّة للبارون، ومن حسن حظّنا اليوم،أنّه قد وقع توثيق الرّصيد الفنّي المتعدّد والمتنوّع في مركز «النجمة الزهراء» بسيدي بوسعيد، والتي ستساعد الباحثين بمدّهم بصورة تقريبيّة للمشهد الموسيقي، وفهم الحياة الموسيقيّة التونسيّة في تلك الفترة.

اكتسب لفّاج بعضا من الشهرة بفضل كثرة مؤلّفاته الموسيقيّة والتي تصل إلى قرابة خمسمائة مدوّنة موسيقيّة، خصّصها للغناء وآلتي الكمنجة والبيانو وآلات النفخ الهوائيّة والعديد من المدوّنات الموسيقيّة المستوحاة أيضا من الواقع.

كما قام لفّاج أيضا بتأليف مدوّنات موسيقيّة في الاستخبار في طبوع تونسيّة مختلفة. وقام بإرفاق هذه المدوّنات الموسيقيّة بملاحظات وتفسيرات توضيحية، يقوم فيها بالتّعريف بهذه الطبوع. كما دوّن أيضا، 13 مدوّنة موسيقيّة آلاتيّة (استفتاحات) في الطبوع الأندلسيّة، ثمّ قام بمراجعتها خميّس ترنان سنة 1938.
قام لفّاج بصفته كاتبا بتأليف العديد من الكتب الموسيقيّة، يمكن أن نذكر من أهمّها كتابه الثريّ والقيّم:الموسيقى العربيّة: آلاتها وأغانيها.

يركّز المجلّد الأوّل في جزئه الأوّل على الموسيقى التونسيّة، حيث اعتمد في عمليّة تقصّيه واقع الموسيقى التونسيّة إلى البحث الميداني والذي ساعده كثيرا بمدّه بالمعلومات اللازمة ومكّنه من تدوين كلّ ما سمعه وما استوعبته آذانه في كلّ مكان تجوّله في البلاد. ولقد استهلّ كتابه بالحديث عن بعض الآلات الموسيقيّة التونسيّة التقليديّة،والفرق التي تستعملها ومجالات استخدامها، أمّا بالنسبة إلى المجلّد الثاني في جزئه الثاني والثالث فهو يحمل نفس عنوان المجلّد الأوّل: الموسيقى العربيّة: آلاتها وأغانيها وقد عرّبه الباحث الموسيقي محمد القرفي سنة 2006. حيث قام فيه برحلة دراسيّة، ركز فيها على تأثير الموسيقى التركيّة التي كانت حاضرة في ذلك الوقت.
كما اهتمّ لفّاج بجمع مجموعة من البطاقات البريديّة، تتعلّق بالموسيقى التونسيّة، وتبيّن لنا هذه الصور العازفين والآلات الموسيقيّة المستعملة في تونس خلال تلك الفترة، وقد قام بجمعها من سوسة وصفاقس، ذكرها في كتابه للتّوثيق، وهو ما يبيّن لنا الأهميّة القصوى التي كان يوليها الأوروبيون الأجانب للتعرّف على مظاهر حياتنا الثقافيّة العربيّة ووثيقة هامّة تدوّن فترة ابتعدنا عنها كثيرا وأهملنا دراستها وتوثّق لحلقة مجهولة نسبيّا من تراثنا الموسيقي.

-----------

• المراجع
DARMON (Raoul), Le conservatoire de Musique de Tunis, Bulletin économique et social de la Tunisie N° 90, 1954, pp. 90-92.
DARMON (Raoul), Un presque siècle de théâtre à Tunis, Bulletin économique et social de la Tunisie, n° 52, mai 1951, p. 42.
DARMON (Raoul), Un siècle de vie musicale à Tunis, Bulletin économique et social de la Tunisie, n° 52, juin 1951, p. 61.
DARMON (Raoul), La société à Tunis sous Le Second Empire, Bulletin économique et social de la Tunisie, n° 52, juin 1951, p. 85.
DARMON (Raoul), Du café chantant au Music-Hall à Tunis à la fin du XIXème siècle, Bulletin économique et social de la Tunisie, n° 52, juin 1951, p. 61.
LOUATI (Ali), Le baron d’Erlanger et son palais Ennejma Ezzahra à Sidi Bou Saïd, Simpact, Tunis, 2008, 152 p.
PELLEGRIN (Arthur), Les noms de rues de La Ville Arabe, Le Vieux Tunis, Bulletin économique et social de la Tunisie, n° 52, juin 1951, p. 61.
GARFI (Mohamed), La musique Arabe, ses chants et ses instruments, par Antonin Laffage, traduction et annotations Dr. Mohammed Garfi, Dar wa Maktabat Al-Hilal, Beyrouth, 2006.
LAMBERT (Paul), Dictionnaire illustré de la Tunisie : choses et gens de Tunisie, C. Saliba ainé éditeur, Tunis, 1912, 468 p.
LAFFAGE (Antonin), La Musique Arabe, ses instruments et ses chants, 1e Fascicule, Tunis, S.d. 48 p.
POCHé (Christian), LAFFAGE Antonin, Dictionnaire des orientalistes de langue française.
BEN ABDERAZAK (Mohamed Saifallah), La contribution d’Antonin Laffage à la musicologie francophone du monde arab, Revue des Traditions Musicales n° 12, les éditions de l’Université Antonine,Geuthner, 2018, 125-140 p.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا