عرض «تأملات» لمحمد الغربي في افتتاح «ليالي المتحف» في سوسة: موسيقاه عشق و«نوتاته» ترياق ...

الكمنجة تكتب ما تريد تخطّ أحرفا من السعادة في تباشير الوجه وتحمل الجمهور إلى فضاء سرمدي، هي سيدة القلوب سيدة الرّكح

وموزّعة تباشير الرضا والفرح على كل من زار المكان، تأملات في الحب تأملات في الجمال والتقاء مع التفاصيل المبهرة، تأملات» لعازف الكمان محمد الغربي وهو المفتون بالكمنجة الذي قيل عن موسيقاه أنها موسيقى زاهدة عن الكلمات متشبعة بنوتاتها، فكمنجة الغربي ترقص على إيقاع عازف أحبّها، فأبدع ألحانا ذات طابع موسيقي متنوع تأثرت بالموروثين الموسيقيين التونسي والعالمي..
هي رحلة الفصول تكتبها الكمنجة وجولة بين البر والبحر والموسيقى تصنعها أنامل محمد الغربي في عرضه «تأملات»، الذي عرض في افتتاح ليالي المتحف بسوسة، التظاهرة التي تنظمها مندوبية الشؤون الثقافية بالجهة بالشراكة مع وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية وإدارة الموسيقى والرقص.
تأملات: الموسيقى مفككة شيفرات السعادة
في مكان مميز وجميل في فضاء امتزج فيه التاريخ القديم مع الحديث يتواصل البرج العسكري مع امتداد الميناء القديم لقصّ حكايا البحارة والغزاة ممن ركبوا البحر منذ قرون تحرسهم نظارات «يانوس» سيد الأبواب والأمكنة، في ساحة تدغدغ خياشيم الجمهور برائحة الياسمين وتدغدغ الذاكرة بصور من التاريخ والحضارة يكون اللقاء مع الموسيقى سيدة القلوب وباعثة شيفرات السعادة إلى الانسانية.
متحف سوسة يفتح أبوابه ككل عام للإبداع وللموسيقى المختلفة، اجراءات البروتوكول الصحي محترمة من الخارج إلى داخل فضاء القصبة، صوت أمواج البحر تأتي من مكان غير بعيد لتزيد من سحر المكان، انعكاس الأضواء على الشجيرات المتفاوتة الطول يصنع فرجة ومشهدية تمتع العين قبل أن تمتع الموسيقى القلب، تنطلق الرحلة في العاشرة والنصف ليلا من سهرة صيفية مميزة، نوتات الكمنجة تكتب الياذة الجمال ليبدو محمد الغربي كربّان ماهر يوجه النوتات الموسيقية بكل مهارة لينتشي الجمهور ويرحل إلى عوالم سرمدية تنتفي فيها الحدود والحواجز وتبقى وحدها الموسيقى سيدة الموقف والحلم.
«من عطر الشتاء» كانت الانطلاقة مغازلة للمطر و الرياح يصحبها حركة خفيفة للنخيل الموجود في الساحة فبدت الصورة متجانسة كأن الكمنجة استطاعت تحريك النخيل بفعل جاذبيتها وقوتها العزف الثائر والنوتات المتسارعة بدت كحديث عشق يبوح به «نبتون» سيد البحر غير البعيد إلى «كيوبيد» آلهة الحب فكانت النوتات قوية كلحظات الاعتراف الأولى، موسيقى انسجم معها جمهور المتحف ليكون الصمت عنوان تأثير المقطوعة ونجاحها.

محمد الغربي الطفل الذي لا يكبر عاشق الكمنجة هي وسيلته ليحلم ليصنع لنفسه ولجمهوره مسار النشوة والسعادة في عالم تنتفي فيه الحدود، محمد الغربي الذي انطلقت تجربته في العزف منذ الطفولة صحبة توأمه بشير الغربي تألق في ليالي المتحف عانق السماء بموسيقاه صعد إلى النجوم وراقصها بنوتاته التي تخترق القلب لتزهر داخله، محمد الغربي يعزف بشغف الأطفال ويوجه نوتاته بحكمة الكبار، عاشق للكمنجة تميز فيها وحفر اسمه بحروف من دم وذهب في عالم الكمنجة تلك الآلة الرقيقة كطفلة والثائرة كفارسة.
«تأملات» محمد الغربي في افتتاح ليالي المتحف كانت رحلة إلى الجمال، الموسيقى صنعت عالما فريدا عالما مزهرا مسكونا بشذى الياسمين، تأملات في الواقع ومحاولة لتغيير السواد إلى ألوان من خلال موسيقى الكمنجة، تأملات ليس مجرد عرض موسيقى بل تذكرة سفر إلى عوالم أجمل وتفاصيل أكثر نقاء، رحلة إبداع صنعها المتيم بكمنجته محمد الغربي صحبة ثلة من امهر العازفين التونسيين، تأملوا في الفضاء وحوّلوا تأملاتهم إلى نوتات موسيقية ألذّ من العسل وأجمل من خمرة «باخوس» وسحر ديانا.
الموسيقى تردد لصدى الانسان
نوتات الكمنجة تصنع إلياذة الجمال، في قصبة سوسة كان لقاء الجمهور مع عرض تأملات لمحمد الغربي، العرض دون غناء تسابقت فيه اللات لتحمل المتفرج إلى تفاصيل أجمل، فكلما عزفت الكمنجة وتحدثت ستجدك تبحث عن سرّ الصوت داخلك، فالموسيقى الآلاتية حسب تعبير محمد الغربي امتداد لجسد الإنسان لان العالم قائم على الارتدادات الصوتية، لأننا نحدث موسيقى وقت الألم ونصرخ تعبيرا عن الفرح فنصنع موسيقى وفي كل تصرفاتنا اليومية يصنع الإنسان موسيقاه لذلك كانت موسيقى محمد الغربي وسيلة ليكتشف الإنسان تفاصيله من جديد.
«تأملات» عنوان العرض لفنان مفتون بالكمنجة وقد قام العرض على مقطوعات موسيقية من تلحين محمد الغربي وأبدع في تقديمها ثلة من امهر العازفين في تونس، «عطر الشتاء» حاكت بهاء الشتاء وسحره و«الطفولة» حملت الجمهور إلى ذكريات مخزنة غازلتها الكمنجة فخرجت بهية وضاحكة، وفي العرض استعان العازف بمجموعة من أشرطة الفيديو لتكتمل الصورة وتتكامل الفرجة التي تجمع موسيقى الكمنجة مع صور مأخوذة بكل حرفية.
«ابن الأرض» إحدى مقطوعات العرض، ابن الأرض بجزءيه الأول والثاني هو عنوان لامتداد الإنسان التونسي على هذه الأرض «كليب-فيلم» أخرجه سموأل سخية ومثّل فيه عدد من امهر الممثلين التونسيين على غرار عيسى حراث والبحري الرحالي ومحمد علي بن سعيد ومريم العكاري، الكليب الذي يروي قصة عاشق للكمنجة استطاع بنوتات كمنجته المقدسة تدمير كلّ الشرور وحماية عالمه المصغّر من العنف والعدوان، وكأننا بالغربي يقول أن الموسيقى سلاح الصادقين والحالمين وقادرة أن تحوّل الأشواك ورودا.
الموسيقى جدّ قوية تثور الكمنجة الهادئة وتصبح أشد شراسة تشبه كثيرا السيف الموجود في المشهدية وأحيانا تكون نوتاتها مخطوطا يحفظ الإنسانية ويحمي كنوز هذه الأرض من النهب، في «ابن الارض» يحمل الغربي جمهوره إلى أماكن جميلة من تونس يحملهم عنوة إلى التاريخ ليكتشفوا عبر الموسيقى قوة الأجداد ومدى اهتمامهم بحفظ أسرار وطنهم وحماية الذاكرة الجماعية ويغازلهم ليدعوهم لحماية الأرض والوطن فالموسيقى هنا أصبحت مطية للتوعية و للإبداع .
«ابن الارض» جزء من العرض، تيمة من سلسلة من المقطوعات الموسيقية المختلفة التي أبدع في عزفها عاشق الكمنجة محمد الغربي، ابن الارض دعوة للحياة وللحب، دعوة للعشق تكتبها نوتات الكمان وجمهور متحف سوسة لبّى النداء فاستمتع وانتشى.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا