مسرحية «زوم» إخراج الهادي عباس ضمن مسارات المسرح في المهدية: «انتبهوا فالاستعمار الغذائي أبشع من الاستعمار العسكري»

المسرح سؤال نقدي بامتياز،على الركح يمكن أن تكشف كل الحقائق والأسرار، المسرح تساؤل ومحاولة للنبش في المواضيع المسكوت عنها

سواء أكان مقدسا دينيا أو دنيويا أو سياسيا، على الركح يتساوى الطرح ويتساوى الفساد مع السياسة فكل المواضيع مباحة.

وفي «زوم» تناولت المسرحية بالنقد موضوع الفساد الفلاحي والاقتصاد وسلطت الضوء على «البذور الهجينة» وتأثيرها السلبي على الفلاحة التونسية والاقتصاد الوطني وما ينتج عن ذلك من تبعية غذائية للدول المنتجة والمصدّرة لهذه البذور.
والمسرحية من إنتاج مركز الفنون الركحية بقفصة وإخراج للهادي عباس ومساعد مخرج محمد علي احمد وتمثيل محمد ساسي القطاري وعادل رابح وعثمان خليفة ونصر الدين جلول وعواطف مبارك وسينوغرافيا احمد حمودي.

البذور المعدلة جينيا سمّ يقتل الأرض ويهدد الأمن الغذائي
بحث أكاديمي تمت مسرحته، مغامرة جريئة من مركز الفنون الركحية والدرامية بقفصة لتغيير البحوث المكتوبة بطرق علمية إلى فعل إبداعي مسرحي مختلف يمس موضوع حساس ويقدم بطريقة تمتع المتفرج وتشد انتباهه إلى التفاصيل، فكانت «زوم» صوت الفلاحين الباحثين عمن يعبّر عن غصتهم وصوت الوطنيين المؤمنين بخطورة الاستعمار الغذائي في دول العالم الثالث.

«زوم» هو اسم المسرحية، والاسم هو التعريب للكلمة الانقليزية zoom وتعني التقريب أو التكبير والتركيز على الشيء أو تضخيمه وفي المسرحية قرّبت موضوع البذور والمشاكل الاقتصادية التي تعيشها الفلاحة في تونس، تدور أحداث العمل في «حانة» وأساسها حوار صحفي بين عثمان «عثمان خليفة» و الدكتور المختص في الفلاحة «نصر الدين جلول» والدكتور يريد تقديم محاضرة حول البذور المعدلة جينيا التي ستوزع على الفلاحة في السوق التونسية.

المكان أمكنة والزمان كذلك، فالأحداث تدور في مكان واحد لكن الحوار والشخصيات وتركيبتها يحمل المتفرج إلى أمكنة متعددة ومتفرعة تنطلق من الحانة إلى الأراضي الفلاحية إلى مكاتب السياسيين المغلقة، المكان الأوضح أو فضاء الحوار «حانة» والجميع سكر حد فقدان ملكة الفهم والوعي، اختيار المكان في المسرحية ليس من باب الصدفة والاعتباط فكم من صفقة تجارية وإعلامية وسياسية أنجزت في حانة أو ملهى ليلي فكلما نقص الوعي زادت القدرة على الشرور.

في «زوم» يسلط الضوء على غزو البذور المحوّلة جينيا لتونس، الدكتور المختص في الفلاحة والعامل مع إحدى الشركات الكبرى يريد استثمار معارفه في شكل محاضرات تكون طعما للفلّاحة البسطاء حتى يضمنوا مردودية اكبر «نحن ننتج ونبيع بموافقة مسؤوليكم» . البذور المعدلة جينيا التي غزت السوق التونسية منذ التسعينات يعتبرها الكثيرين آفة ضارة بالأرض والفلاّح لانها تُزرع لمرة واحدة على عكس البذور التونسية ووجودها مرتبط بالشركات العالمية وغزوها للأسواق دليل اخر على تبعية غذائية تعيشها دول العالم الثالث في علاقة بالدول المتقدمة.

سوق «البذور» سوق عالمية تتحكم فيها شركات كبرى توفر الربح الكثير على حساب الفلاحة والمسؤولين يباركون ويهللون بكل صمت طالما أن «المال موجود» كما جاء في نص المسرحية.

«زوم» عمل مسرحي جريء ونقدي، مسرحية محملة بالرموز والشيفرات، تضع المسؤولين في خانة الاتهام وتسائلهم عن غياب البذور المحلية وبداية اندثارها مقارنة بالأخرى المعدلة جينيا التي تضرّ التربة وتؤثر على خصوبتها، مسرحية مغلفة بالكوميديا لكنها تحمل في طياتها الكثير من التراجيديا والوجع، عمل مسرحي يضع الجميع في قفص الاتهام انطلاقا من السماسرة الذين يتوسطون لوصول هذه البذور وصولا الى المسؤولين الذين يمضون على تسلمها وحفظها وتشجيع الفلاح على استعمالها بدل البذور التونسية الى الفلاح الذي يقوده الطمع في الربح الوفير لاقتناء البذور وزراعتها إلى الصحافة التي تتعامل مع موضوع السيادة الغذائية بكل سلبية، على الرّكح يجد المتفرج نفسه جزءا من العمل هو الآخر متهم لأنه صمت.

«زوم» مسرحية تزعج المتفرج تدفعه للتفكير وتساهم في توعيته علّه ينتبه للاستعمار الغذائي غير المباشر الذي يخضع له البلد، في المسرحية كشف لقبح المسؤولين وطمعهم وتعرية لسياسات الدولة الصامتة عن الغزو الغذائي، عمل يشبه الصفعة الكهربائية التي ترجّ الذهن وتوقظه من سباته علّه يعرف انّ الاستعمار تجاوز السلاح إلى الغذاء وأمنه مربوط بصمت مسؤوليه وشركات كبرى تبيعه ّبذور هجينة» وتسرق منه بذوره الأصلية فالمسرحية ناقدة موجعة ومشاكسة.

السينوغرافيا شيفرات لكشف الحقائق
ضوء احمر خفيف ينتشر في كامل القاعة الديكور مميز يحمل الذاكرة البصرية للمتفرج إلى الحانات والملاهي الليلية، صوت الممثل يأتي من بعيد دون أن نشاهد وجهه لتكون أسئلته الموجهة لمخاطبه جزء من موسيقى العرض «أردنا تكسير الصورة النمطية وحاولنا الانطلاق بالصورة لتحفيز ذاكرة المتفرج والتركيز على ذاكرته البصرية لا السمعية وعامل المفاجأة ممتع لأنه يخلق نوعا من التجديد» حسب تعبير مخرج المسرحية الهادي عباس.

مجموعة من الطاولات المنتشرة في كامل الرّكح سيقانها عبارة عن الجزء النصفي لجسد امرأة، صورة مغرية ومربكة وكأنها إحالة على تقزيم المرأة في ذهن مرتادي الحانات بالإضافة إلى دورها في تغيير اشد المواقف والتأثير في أصحاب القرار بجلسة مغرية أو رقصة تترك فيها لجسدها حرية كتابة ما يريد، الديكور خدم المسرحية وعبّر عن الفكرة وجذب الجمهور لمزيد التمعن في التفاصيل، فليس جسد المرأة العاري بعهر مقابل العهر الأخلاقي والسياسي والخيانة لمصلحة الوطن التي يقوم بها بعض المسؤولين.

«زوم» السينوغرافيا التي صنع تفاصيلها احمد حمودي جزء أساسي في العملية الإبداعية ليست مجرد تكملة للعرض بل صناعة لمشهدية وفرجة بصرية وموسيقية تدفع الجمهور ليكون حلقة أساسية في العملية الإبداعية المسرحية، عمل يجمع المدرسة الواقعية والعبثية فالموسيقى لصابر جمال ولدت من رحم الحكاية والمكان أيضا، الحركة والرقص ساعدت على إيصال الرسائل المشفرة، الطاولات السوداء اللون أحالت ذهن المشاهد إلى الصفقات اللاّوطنية التي تنجز في الفضاءات الصاخبة، الضوء الذي يسلط على شخصية واحدة يكبّر صفات تلك الشخصية ليكشف قبحها الفكري وعهرها النفسي للمتفرج فليس كل من يلبس بدلة أنيقة يكون زاده الفكري أنيق وجميل،في المسرحية ايضا استعمل للتقنيات السينمائية فكأنك ترى مشاهد يتم تركيبها بطريقة فنية مميزة، وكلما سلّط الضوء على شخصية الاّ ودخلت بقية الشخصيات في pause plastique فهي تظهر لكنها لا تتحرك وكأنها مشهد سينمائي الهدف منه الإشارة إلى وجودها وعدم فاعليتها.

كلها شيفرات استخدمها الهادي عباس في مسرحيته الناقدة التي تنتصر للوطن وتحاول أن تكشف الحقائق المسكوت عنها في موضوع الأمن الغذائي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا