افتتاح مهرجان «مسارات المسرحى في المهدية: الندوة العلمية «المسرح التونسي بين الفرق الجهوية ومراكز الفنون الدرامية»

• أين القانون الأساسي للمراكز؟ ومتى يفعّل قانون الفنان ؟
المسرح مسارات، والمسارات مختلفة ومتعددة انطلقت من النوادي ثم أسست الفرق الجهوية والقارة لتفعيل اللامركزية الثقافية وبعدها

جاءت مراكز الفنون الركحية والدرامية، مسارات مسرحية مختلفة وتجارب متنوعة احتفي بها في ندوة فكرية بمناسبة افتتاح مهرجان مسارات المسرح بالمهدية في دورته الثانية.
الندوة الفكرية كرمت عبد الرؤوف الباسطي في يومها الأول ثم كان اللقاء في اليوم الثاني مع محمد عبازة والاسعد بن عبد الله ولطيفة القفصي وعلي الخميري ومنير العرقي ونور الدين الورغي وعلي اليحياوي ونصاف بن حفصية وجمال العروي للحديث عن التجارب المسرحية والمسرح والقوانين من الفرق إلى المراكز لتكون الخلاصة ضرورة تفعيل القانون الأساسي للمراكز وتفعيل قانون الفنان.
من الفرق إلى المراكز؟ تغير الاسم والتهميش واحد
جمعهم حب المسرح، جمعتهم الفرق القارة والجهوية ليمارسوا الفن الرابع ويقدموا للذاكرة المسرحية التونسية أجمل الأعمال، من فرقة الكاف وقفصة والقيروان وجندوبة والمهدية والفرقة البلدية لمدينة تونس انطلق حلم تأسيس حركة مسرحية في الجهات كانت نتيجتها العديد من الأعمال المتميزة قبل أن تُحلّ الفرق لعدة أسباب وتركد الساحة المسرحية ثم يكون قرار إنشاء مراكز للفنون الركحية والدرامية.
في الندوة الفكرية التي نظمها مركز الفنون الركحية والدرامية بالمهدية المعنونة « المسرح التونسي بين الفرق الجهوية ومراكز الفنون الركحية» أشار الدكتور محمد عبازة أن الثقافة التونسية ومنذ القديم كانت ثقافة فقهية تقليدية أنتجت الكثير من النقاد لكنها لم تنتج مبدعين لذلك كان هناك تهميش للمشهد الفني والمسرحي. وأشار ان بعد الاستقلال طرحت مسالة لامركزية الفنون ومعها خروج المسرح من العاصمة إلى الجهات فتأسست فرق الجهوية بصفاقس وسوسة والكاف لكن الفرق قامت على نوع من الاعتباطية اذ لا وجود لبحث ميداني ولا دراسات معمقة سبقت انجاز الفرق ويقول الدكتور محمد عبازة «من المفروض ان تنهل الفرق من التراث وتقدم ما يميز الجهة الموجودة بها لكن اغلب الفرق تشابهت أعمالها وقدمت مادة مسرحية تشبه ما ينجز في المركز».
ويرجع محمد عبازة فشل الفرق إلى تشابه الأعمال المقدمة اذ لم تقدم طرح تجديدي على المستوى الجمالي والفكري لأنها ظلت خاضعة للمركز ،بالإضافة إلى غياب القوانين والتشريعات التي تحمي الممثل والفرقة لذلك حلّت الفرق الجهوية تدريجيا.
في الحديث عن الفرق كان اللقاء في الندوة الفكرية مع مجموعة من الممثلين الذين خاضوا تجربة المسرح ضمن الفرق وتحدثوا عن المشاكل ومن بينهم الممثل ابن فرقة جندوبة علي الخميري الذي تحدث عن تجربته الذاتية بالقول « مارسنا المسرح بكل الحب لكن المقابل كان الكثير من الجحود»، في تجربته اشار الخميري إلى المصاعب التي يواجهها المبدع «عزلت من التعليم وعرضت على مجلس التأديب بتهمة المشاركة في مسلسل، وعوض تكريمنا لأننا نبدع نتعرض للعقاب، انذاك فكرت بالانتحار قبل أن تفتح التلفزة أبوابها لنمثل ونكسب قوتنا». بعد تجربة سنوات في فرقة جندوبة كانت النتيجة «لا ضمانات صحية، ولا قانون ينظم المهنة ويضمن حقوقنا» حسب تعبير علي الخميري مضيفا «وحين حلّت الفرقة وبعد انتظار تم انتدابنا برتبة عامل فكانت اهانة اخرى للفنان المسرحي والى حدود اللحظة لا وجود لقانون يضمن الفنان ولا مهنة اسمها ممثل».
التجربة ذاتها عاشتها الفرقة الجهوية بالمهدية التي أدارها في بداياتها نور الدين حشاد، الفرقة التي أنجزت أعمالا رسخت في الذاكرة المسرحية ولكنها اليوم دون أرشيف لأن السيد «الطيب السهيلي» أقفل الفرقة بالمفتاح وحمل معه كامل أرشيفها بإيعاز من مدير إدارة المسرح آنذاك وهو ما نعتبره جريمة ضدّ الفرقة وابنائها» حسب تعبير الفنان جمال العروي ابن فرقة المهدية.
في حديثه عن التجربة المريرة للفرقة تحدث جمال العروي بوجع عن الوضعية المالية لممثّلين قدموا الكثير على الركح، تساءل عن وضعية القيدوم سالم بن حسين الذي يتقاضى جراية تقدر ب180دينار والممثل فتحي بربورة الذي صنع ربيع المسرح في الجهات يتقاضى منحة 180دينار وبعد محاولات عديدة مع الوزارة استطعنا ان نحصل على 320دينار اضافية (للتاريخ الوزير السابق محمد زين العابدين هو من اقرّ بصرف منح للمسرحيين في كل المجالات) وأشار العروي إلى ضرورة انتداب أبناء الفرقة في المراكز من جهة ومن جهة أخرى وجب أن يكون للمراكز قانون أساسي يحميها حتى لا يكون ممثليها ضحايا مثل ضحايا الفرق القارة والجهوية.
تجربة الفرق القارة أثمرت أعمال مسرحية لكن في الوقت ذاته نتج عنها ممثلوها كانوا ضحايا التهميش ولازالوا بسبب غياب سياسية ثقافية تعترف بالمبدع المسرحي.
المراكز؟ غياب القانون الأساسي المشكل الأبرز
هل عوّضت مراكز الفنون الركحية الفرق الجهوية؟ هل للمراكز قوانين تحميها وتحمي المبدعين الذين يخوضون تجاربهم الفنية ضمنها؟ هل تجربة التعميم ضرورية؟ واسئلة عديدة طرحت في الجزء الثاني من الندوة العلمية المتعلقة بالفعل المسرحي من الفرق الى المراكز.
وفي مداخلته أشار الدكتور محمد عبازة إلى أنه يخشى تكرار تجربة الفرق مع المراكز بسبب غياب القانون الأساسي لمراكز الفنون الركحية والدرامية لان غياب القانون يحيل الى الفوضى والاجتهادات الشخصية.
الجزء الثاني من الندوة الفكرية قام على شهادات مجموعة من مديري مراكز الفنون الركحية السابقين أو الحاليين، الكلمة الأولى كانت للسعد بن عبد الله الذي أدار مركز الكاف لأعوام انطلاقا من العام 1993 وأشار إلى الصراع الحقيقي مع المسؤولين لان فكرة «التسكير» هي الأكثر حضور عند المسؤول قبل فكرة الإبداع «هي مجرد تجربة كان نجحت او نسكره».
وأكد بن عبد الله أن المركز كان نقطة مشعة في الحركة المسرحية وقدم أعمال مميزة منوها بتجربة «المنسيات» التمرين المسرحي الذي أصبح عرض «صرف علينا 7سنين» ثم تجربة «24ساعة مسرح» التظاهرة المميزة في جهة الكاف، كل هذه النجاحات التي خاضها مركز الكاف منذ تأسيسه إلى اليوم في المقابل لازال يعمل دون قانون أساسي ينظمه ويحفظ حقوق المبدعين والعاملين فيه.
تجربة مدنين تختلف عن تجربة الكاف، فتجربة الكاف قامت على أنقاض الفرقة الجهوية لكن في مدنين بُعث المركز من فراغ وتلك مهمة صعبة حسب تعبير انور الشعافي المدير السابق لمركز الفنون الدرامية بمدنين، الشعافي أشار إلى الارضية الجماهيرية التي تم تهيئتها قبل انجاز المركز بالإضافة إلى المهرجان الحدث «مهرجان مسرح التجريب» وانطلاقا من تجربته الذاتية اكد الشعافي غياب القوانين الأساسية هو اكبر العراقيل التي تواجهها المراكز بالإضافة الى المشاكل المالية المتعلقة مثلا بمنح الإبداع فالقانون في الوظيفة العمومية يسمح بساعتي عمل اضافية فقط اي حسب القانون مخرج يتفرغ لعمل ابداعي طيلة 3 أشهر يتحصل على منحة 200دينار فقط لكن جرأة عبد الرؤوف الباسطي وزير الثقافة آنذاك كانت جد مبهرة لأنه أمضى على قرار بمنحة الإبداع للمخرج والممثل (المنشور نصف قانوني لكنه سندنا) وختم الشعافي مداخلته بالإشارة إلى ضرورة أن يكون للمراكز قانون أساسي لأنه الضامن الوحيد للعملية الإبداعية.
في السياق ذاته تحدثت نصاف بن حفصية التي سبق وان أدارت مركز الفنون الركحية بصفاقس، وأشارت بن حفصية أن ممثلي الفرقة الجهوية تمّ توزيعهم على دور الثقافة والمؤسسات الثقافية لكنهم يتحصلون على منح من ميزانية المركز، منح جد ضعيفة و «تحشّم» تتراوح بين 120 و225دينار حسب تعبير نصاف بن حفصية مضيفة «حينها توجهت إلى التفقدية والوزارة وفهمت بعض الجزئيات قبل اتخاذ قرار عودة الممثلين الذين قدموا للمسرح الكثير إلى العملية الإنتاجية في المركز، وبالفعل عادت الروح إلى سعيدة الحامي ومحمد اليانقي ولزهر بوعزيز وأصبحوا أعضاء قارين في انتاجات المركز المسرحية».
وأشارت بن حفصية إلى الصراع الذي وقع خوضه ليكون للمراكز قانونها الاساسي فوحده القانون الأساسي الضامن لعمل المراكز إداريا وماليا ، بالإضافة إلى وجوبية تفعليل قانون الفنان لضمان حق المبدع والتقني.
التعميم العشوائي للمراكز ليس حلا
انطلقت تجربة مراكز الفنون الركحية والدرامية عام 1993 ببعث مركز للفنون الركحية والدرامية بالكاف وفي العام ذاته أُسّس مركز قفصة وبعدها بثلاثة أعوام اي العام 1996 كان ميلاد مركز الفنون الركحية والدرامية بصفاقس، ثم مركز مدنين في العام 2010 تلاها مركز القيروان في العام 2013، هذه المراكز الخمسة تعتبر المرجع نظرا لميزانيتها ووجود الفضاء مع الانتاجات.
وانطلاقا من العام 2018 قرر الوزير السابق محمد زين العابدين تعميم فكرة مراكز الفنون الركحية في اطار لامركزية الفعل الثقافي، ليصبح هناك 26مركز للفنون الدرامية في كامل البلاد (24مركز في كل الولايات مع مركزين اخرين في جزيرتي قرقنة وجربة) ، قرار التعميم وصفه المتدخلون في الندوة «بالعشوائي»، إذ أشار انور الشعافي أن التعميم جاء ليقدم الكمّ على الكيف ولم يدرسوا مدى استحقاق الجهات إلى مراكز جديدة وأكد في مداخلته أن كان من الأجدر تدعيم المراكز الناجحة قبل إقرار بعث مراكز أخرى ونوّه «يجب ان يكون هناك قانون أساسي يضمن عمل المراكز القديمة قبل التفكير في أخرى جديدة» ويضيف الشعافي «فكرة انجاز إدارة مركزية للمراكز الفنون الدرامية وبعث مراكز في كل الولايات الهدف منه استرضاء وزارة المالية ليكون هناك ادارة مركزية وفروع جهوية تماما مثل ادارة الفلاحة و التجهيز، لكن المسرح لا يشبه أي فعل إداري آخر».
نصاف بن حفصية أيضا دعت إلى وجوب إرساء القانون الاساسي قبل التفكير في نشر المراكز، فما معنى بعث مركز للفنون الركحية دون مقر او قاعة عرض وبميزانية جد ضعيفة ودون قانون أساسي؟ خاصة والمراكز الأولى جميعها ذات اشعاع اقليمي.
فكرة تعميم المراكز ليست بحل يخدم المسرح التونسي، قرار «عشوائي» حسب تعبير حمادي الوهايبي مدير مركز الفنون الركحية والدرامية بالقيروان، وفي كلمته أكد الوهايبي قبل الإعلان عن أي مركز جديد وجب توفير أرضية جماهرية وثقافية لاستيعاب فضاء جديد ومشروع إضافي وأشار أنهم ومنذ افتتاح مركز القيروان «نعاركوا على القانون الأساسي» وفي كلمته أشار الوهايبي إلى تقديمه لمشروع «أقطاب» تعمل عليها المراكز لضمان النجاعة الإدارية والفنية واقترح تقليص عدد المراكز من 26 (دون قاعات ولا قانون ولا مقرات) إلى 8مراكز ويسند لكل مركز 300 ألف دينار منحة (المجموع سيكون 2مليارات و400الف دينار) حينها يمكن الحديث عن إشعاع حقيقي لمراكز الفنون الركحية والدرامية ودعا الوهايبي إلى ضرورة مراجعة منطق تعيين مديري المراكز «مدير مركز وجب أن يتمتع بخبرة اكاديمية أو إدارية أو يكون صاحب مشروع ليضمن نجاح المركز الذي يشرف عليه» وفي مداخلته اكد الوهايبي المديرين الموجودين حاليا على راس مراكز بمزانية 50الف دينار فقط يبقون بخطة مدير مكلف بانجاز مركز بعد توفير الأرضية الجماهرية والاستحقاقات الفنية في تلك الجهة وقتها نضمن ميلاد مركز ومشروع وليس مجرد قرار تعيين او نجاز ويظل طلب تفعيل القانون الأساسي هو الطلب الأول والرئيسي قبل التعميم.

لطيفة القفصي: ظننا أن المراكز أطواق نجاة لكنها همشتنا أكثر

أحبها جمهور المسرح والدراما، من «حمة الجريدي» التي أنتجتها الفرقة القارة بقفصة عام 1974 الى مسرحية «سيدة القلوب» من انتاج مركز الفنون الركحية بقفصة عام 2019 ولطيفة القفصي تشد انتباه المتفرج التونسي وهي ممثلة هادئة وإنسانة رقيقة أحبت التمثيل وأعطته الكثير من وقتها وفكرها وصحتها لتكون سيدة للفعل المسرحي بمدينتها قفصة التي تعلمت فيها حب الفن والتضحية.
لطيفة القفصي تحدثت عن البدايات، فتحت الذكريات لتحدث جمهور المهدية عن تجربتها المسرحية التي ولدت من باب الصدفة «كنا ندرس 3ساعات يوميا في الفصالة والخياطة وطُلب منا الذهاب إلى اللجنة الثقافية لخياطة اقفال القمصان، لكن فرحات يامون اخبرني انّ الفرقة تبحث عن ممثلة، عن فتاة تشاركهم العرض (مشيت تنخيط لقيت روحي تنمثّل)، في البداية خفت لان التمثيل انذاك «عيب» ونظرة المجتمع إلى الممثل قاسية، ولكن فيما بعد قررت خوض التجربة»، وتستحضر دخول كامل المجموعة في تربص مغلق ثم تقديم مسرحية «حمة الجريدي» التي قامت بجولة كبيرة و»كنا نتقاضى اجر 25دينار والكاشي 500مليم قبل ان تعرض على التلفاز و«بعد عرض حمة الجريدي أصبح أقاربي الذين كانوا يشتمونني يعتذرون مني حينها شعرت انني في الطريق الصحيح» وتؤكد القفصي انها ومنذ دخولها الفرقة قررت الحرب لتغيير عقلية المجتمع الرافض لفكرة المراة الممثلة وبالفعل نجحت في ذلك فكم من فتاة انضمت بعدها إلى الفرقة وبعضهنّ درسن المسرح في الجامعة ايضا ّحينها شعرت بالانتصار وتحقيق حلم اردته ان يتحقق».
وفي حديثها عن حل الفرق المسرحية القارة وتعويضها بمراكز للفنون الركحية والدرامية تقول الممثلة لطيفة القفصي «لم يتغير شيء التهميش واحد، كنا نعتقد ان بمجيء المراكز سيكون لنا قوانين تحمينا كما كنا نعتقد أن سيتم انتدابنا مباشرة في المراكز لنواصل ما بدناه مع الفرقة من عمل وفن، لكن انتدب بعضنا برتبة عامل والى حدّ اليوم لازلنا نعيش تهميش ويعاني بعضنا من التفقير بعد سنوات من الابداع على الركح (نخدموا بقليب) وأكدت القفصي وضعية الفنان وجب مراجعتها وضرورة انجاز قانون الفنان لنضمن كرامتنا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا