مسرحية «المشردين» لنصر الدين حجاج في فضاء «كارمن»: حين يصبح الحلم أشدّ كلفة من الموت ...

المسرح فعل متمرد، المسرح حركة موجعة للنبش في الذاكرة والبحث عن مكامن الخلل في المجتمع وإبرازها إلى المتفرج عارية من كل غطاء،

المسرح فعل مقاومة ضد العنف والفقر والتجهيل والسلبية المنتشرة في المجتمعات، المسرح محاولة لنحت ملامح مجتمع أفضل مجتمع له الحق في الحلم مجتمع قادر على البناء لا على التقويض، مجتمع يضمن كرامة الفنان ويحافظ على إنسانية الإنسان.
في هذا السياق يأتي عمل «المشردين» نص وإخراج لنصر الدين حجاج، ذلك المسرحي المشاكس والمتتمسك بحقه غي الحلم والتغيير، «المشردين» قدمت عرضها الأول مساء الاثنين 27جويلية 2020 في فضاء كارمن من أداء منال الرياحي وعلي الحجاج ونضال فرج ونزار الكشو وشكيب الغانمي وتوظيب ركحي ياسين بن علي وإضاءة وصوت لرجاء رحيم ووجدي اللفات وانتاج الثقافية للانتاج والتوزيع الفني.
الأرواح التائهة تبحث عن إنسانية مسروقة
تتفرع الحكايات، مسرحية داخل المسرحية، الشخص يتحول إلى الشخصية والشخصية تتفرع إلى شخوص متعددة تتكاثر الفقاقيع أحيانا وتذوب مرات أخرى، أحداث المسرحية تحمل الجمهور إلى الشارع، إلى العراء ليرافق أولئك المشردين، يعرف طريقة تفكيرهم وما الذي جعلهم يختارون الشارع وكيف يصارعون الحياة للبقاء.
فضاء العرض فضاءات فهو «البنك» المرمي في إحدى الحدائق وهو «المترو» و الذاكرة» و«الفضاء السرمدي بعد الموت» كلها أمكنة تشكّل تصاعد الأحداث، وتفرعها وتشابكها مع ما يعايشه المتفرج من أحاسيس متداخلة.
الشخصيات اثنتان أولا، امرأة هي «خديجة» تونسية كادحة تعمل في جمع القوارير البلاستيكية، امرأة بسيطة تعاكس الحياة لتوفر ثمن رغيفها و«علي» الرسام الحالم، الرسام الباحث عن عالم أفضل فكان الشارع ملجأه، يختلفان في طريقة التفكير والنظرة للحياة هو يؤمن بالحلم والعوالم المتجددة، يرى أن العولمة جعلتنا قوالب جاهزة نتشابه في الفكر واللباس وممارسة الحياة، وهي لا تعرف غير جمع القوارير ثمّ البحث عن قليل من الراحة، هوة عميقة تفرق بينهما هي الهوّة التي تفرق بين الشعب والسياسيين في تونس، هي الهوة التي تفرق بين المواطن والمسؤول، هي ذاتها الهوة التي تفرّق بين الفنان و الإداريين، فالعمل انعكاس للواقع ومحاولة لتشريحه ونقده على الركح، الشخصيتان تختلفان إلى حد التناقض لكنهما تشتركان في قيمة باتت شبه مفقودة هي «الانسانية».
هم أرواح بشرية، مواطنون لا يمتلكون صفة المواطنة، أجساد دون فكر لان العقل مغيّب، يغيبونه خوفا من وجع الفكرة، أرواح هائمة تبحث عن مكان امن، لكنهم جد انسانيين يعرفون معنى الحب والعطاء، في «ّالمشردين» نبحث عن صورنا في عيونهم، فهل أن المشردين هم البؤساء أم نحن الأكثر بؤسا لأننا تناسينا انسانيتنا في قوالب جاهزة فرضتها العولمة وتطّور المجتمعات.
المسرح تشريح ونقد
تختلف القصص، السينوغرافيا تصنع فرجة وجمالية مختلفة، الضوء يكون عنوان للفصل بين الأحداث، الضوء الذي يتوسط الركح ويقسمه إلى جزءين في العمل مطية للفصل بين الأحداث والشخصيات، فمتى اشتعل الجزء الأمامي تكون الأحداث في الواقع وتقدم قصص الشخصيتين، أما حين يشتعل الجزء الخلفي بضوء أصفر مزعج تتحول الأحداث والأمكنة إلى عالم الحلم، عوالم سرمدية غير واضحة المعالم واختيار لون يزعج العين القصد منه تأكيد انّ حتى الحلم مزعج لهؤلاء المشردين، هم لا يعرفون معنى الحلم الجميل وحتى في نومهم تكون الأحلام مشوهة «ما نحبش نحلم، باش نحلم، بالخوف، بالجوع، بالظلم، الحلم موش متاعنا» كما تقول شخصية خديجة.
في «المشردين» ينطلق العمل من نقل حياة مشردين اثنين قبل أن يغوصا في تفاصيل المجتمع التونسي، في العمل تنقد ظاهرة «الاغتصاب» فخديجة تعرضت للاغتصاب أكثر من مرة وهنا يمكن السؤال عن الحرمة الجسدية للعديد من التونسيين والتونسيات المجبرين على الصمت لضمان مواصلة الحياة، في العمل نقد للحالة الصعبة التي يعيشها المشردون، انطلاقا من لحظات النهوض إلى العمل وصولا إلى الليل، رحلة اليوم في جمع القوارير و أكوام من القمامة ربما رائحتها اخفّ وطأة من وجع المجتمع وكلماته القاسية وأفعاله الموجعة.
في المسرحية مع النص البسيط والموجع ستتدافع الأسئلة كيف يعيش أولئك المرميون في الشارع؟ هل يشعرون أنهم بشر؟ هل يشعرون بالانتماء للوطن (في مشهد كاريكاتوري تبحث خديجة عن الجنسية قبل أن تتذكر أنها مرمية في الشكارة، وما رمي الجنسية مع القوارير إلا دليل على أنها لا تمثل قيمة للشخصية)؟ وهل يعرفون معنى الانتماء والحلم و الغد؟ أم أنهم يعيشون مشهدا متكررا وصورا مرتبة بملل يعيشونها ويلبسونها دون تفكير؟ وهل يمكن للمشرد أن يفكّر أم ملكة التفكير تنهك وتوجع؟.
في المسرحية تقدم الضحكة مغلفة بالكثير من الوجع، الحوار بين الشخصيات مضحك يتميز بروح الفكاهة لكن خلفه الكثير من الوجع والنقد، في العمل تكون الكوميديا السوداء مطية لتشريح المجتمع وتشريح الظواهر الاجتماعية التي تضرّ بالدولة والمجتمع.
في العمل نقد للإدارة التونسية من خلال صورة تجمع «لؤي» (طبيب مهنته القتل) يعمل في إدارة الأموات، مع الشخصية التي تريد الموت وأثناء الحوار الشخصية الباحثة عن الموت تتساءل عن كيفية إرسال الأوراق «هل أرسلها على الموقع» فتحدث الجلبة ويغضب المدير ويجيب «ايّ موقع، هنا أدارة محترمة وجب عليك ان تقف في الصف الطويل وترجع غدوة، هل تريدون ضرّ الادارة بالتكنولوجيا» الصورة الكاريكاتورية مشهد عن الإدارة التونسية التي لازالت تمثل عائقا أمام التقدم والتطور الذي تعيشه الإدارات في دول أخرى.
الفن: التهمة والفنان متهم بالحلم
تصنع الشخصيات عوالمها المختلفة، لكل ممثل حيز مكاني وزماني، كلّ اتقن الشخصية وتقمصها بكل صدق، في مسرحية «المشردين» يحمل الممثلون مسؤولية العمل، أجسادهم وحركاتهم تتماهى مع الموسيقى والضوء لصناعة مشهدية تشد انتباه الجمهور، في العمل أحد المشردين «علي» فنان تحمله أفكاره وأحلامه إلى الشارع، حلم وكبر معه حلم صناعة عالم مختلف، رسم فوجد نفسه في انتظار «غودو» صعب التحقيق، «علي الرسام» يعاني الوحدة والفقر والتهميش فقط لأنه فنان، في المسرحية يبحث علي عن ميتة تدخله التاريخ، ميتة عظيمة علها تحافظ على بقايا كرامته المنثورة وأحلامه المنسية، علي «الحالة الاجتماعية» كما يقول مسؤول الموتى.
حالة الفنان في المسرحية ليست وليدة الصدفة إنما هي انعكاس للواقع الذي يعيشه الفنان في تونس، «علي» هو أنموذج عن المسرحي الذي ينجز عرضه وينتظر لأشهر وأعوام لخلاص أجره من العرض والحصول على مستحقاته المالية ليعيش، «علي» في المسرحية هو الفنان الذي يقدم عروضا مدعومة وينتظر حقوقه حتى يجوع، «علي» في العمل هو الممثل المسرحي الذي يقدم على الركح أجمل سنوات عمره ثم يجد نفسه فقيرا معدما، «علي» في المسرحية هو الفنان المسرحي الذي يقدم الكثير ليموت وحيدا بعيدا ومنسيا، في المسرحية نقد موجع لحال الفنان في تونس، الفنان الذي لا يتحصل على مستحقاته المادية، الفنان الذي توجعه البيروقراطية الادارية إلى حدّ التجويع، الفنان الذي يطلب منه عدم تقديم العرض والاكتفاء ب، «شهادة انجاز»، الفنان الذي يرتبط مصير عمله وتعبه بقرار لجنة الشراءات وقرارها لتقديم العرض من عدمه.
«علي» الشخصية هو حالة اجتماعية حقيقية نراها في المجتمع التونسي هو وجع حقيقي لا متقمص على الركح، وجع الحالمين والفنانين، وجع من تسكنهم عوالم جميلة ويرون المسرح وسيلة لبناء هذه العوالم، في المسرحية يعاني المثقف التشريد والجوع ويحلم بالموت وفي الواقع فنانين يعانون من الجوع في بيوتهم ويحلمون بالتفاتة قبل موتهم، فهل الفن تهمة وممارسة الحلم تهمة اكبر يعاقب عليها الفنان؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا