منبــر: قراءة في رواية «أمطار على أفريكا» لروضة الفارسي

بقلم نائلة الشقران
«أمطار على أفريكا «هي الرواية الثانية للروائيّة روضة الفارسي وقد صدرت عن دار نقوش عربيّة في 241 صفحة وهي رواية

لا يمكن لقارئ أن يقرأها ويعبر دون أن تستفزّه القضايا الجريئة التي تثيرها .. عن الحبّ، عن الجنس، عن الطّبيعة البشريّة المتحوّلة عن التغييب وتحكم الأعراف بالذات الإنسانية.
تحدّثت روضة الفارسي بكثير من التفاصيل، والتفاصيل عند الساردة كان أسلوبها المتعمد والذي أسّس لفنيات روايتها، وعادة ما تبعث التفاصيل الكثيرة الملل في القارئ وهو ما لم نلاحظه في رواية كبيرة الحجم نسبيا .. إذ أنّ روضة الفارسي لم تكتب روايتها بالقلم العادي وإنّما استلهمت من السينما تقنية Caméra Stylo والتّي بموجبها يصبح المكان والزمان والشخصيات صورة ومشهدا تصوّره من زواياه المختلفة وخاصّة غير الظاهرة. وهو ما قال عنه دكتور الأدب المقارن حمد الحاجي « روضة الفارسي نحّاتة ورسّامة .. فهي بنفس الوقت تعمل إزمير السّرد لتفتّت رخامة الحكاية وترسم لوحات تشكيليّة من المشاهد والصور لتعلن ولادة الرّواية الصورولوجيّة».
تعاملت الروائيّة مع الأحداث بلغة سينيمائية فقد طوّرت لغة السّرد العادي فكانت حروفها بمثابة العدسة التّي تلتقط الصور الكامنة وتحوّلها إلى صور ظاهرة محتواها تلك التفاصيل والأحداث المتتابعة التي لم تحتج فيها إلى التكثيف من الحوارات لتسريع السرد بل إلى تلك التقنية الذكية التّي تجاوزت بها الأساليب المعتادة في الكتابة والمعتمدة في الرواية الحديثة.
أمطار على أفريكا عودة إلى الرومانسيّة وأحاديث القلب واحتراق الرّوح العاشقة من الشّوق والاغتراب، لكن كلّ ذلك لا يجعلنا نصنّف الرواية على أنّها رواية رومانسيّة لأنّ هذا التّصنيف يظلمها ! فالرواية بما تطرحه من قضايا هامّة وبجلالة لغتها وباسلوبها المبتكر تصنّف ضمن الرواية الواقعيّة النقديّة، وليست الرومانسيّة فيها سوى مدخل للتأكيد على أن الحبّ قيمة إنسانية لا يحتاج تشريعات ولا قوانين توجهه وأن العرف إذا تدخل في وجدان وروحانيات الفرد شوهه وأفسده.
مجدولين وكلّ أبطال الرواية اتخذت منهم روضة الفارسي واجهة للحديث عن قضايا هامّة في مجتمعنا، فالبطلة تلميذة أنجبت خارج إطار الزواج ولولا تدخل أخوها لكان الزواج المكلل للحبّ حتمية، إذن فنحن نقتل الحبّ ونحوّله إلى صراع مؤثر على حياة الفرد سلبا..
خطيئة مجدولين ليست ممارسة الجنس إذ لم يكن أخوها يعلم بشساعة الحدود التي تجاوزتها، هو فقط حاكمها لأنها أحبت وخرجت مع حبيبها. الأخ هو سلطة العائلة أي سلطة المجتمع والعرف الرافض دائما للحب في شكله الجوهري ويحيله إلى ممنوع خوفا من وصوله إلى مرحلة الخطايا، لكن الخطايا ترتكب ولم تتوقف فهل راجع أحد تلك الأعراف. !
تذهب روضة الفارسي إلى الأكثر جرأة فهي تحكي عن علاقات الحبّ المرتبطة بكل الأحداث وتسمي الجنس باسمه إذا لا تقول عن ما حدث مع مجدولين ونديم من لقاء جسدي أنه ممارسة للحبّ بل قالت على لسان مجدولين مرة «مارسنا الجنس» وعلى لسان سلمان زوجها مرة أخرى «أشتهي أن أمارس معك الجنس» .. إذن في الرواية تثور الكاتبة على التابوهات وتتحدّث عن الجنس والشهوة من منطلق ارتباطه بالحبّ لا كممارسة حيوانيّة ومن حيث أنّه ضرورة يحتاجها الجسم كما يحتاج أسباب العيش الأخرى والمتفق عليها كضرورة عيش. وإن الموانع والسدود التي توضع لتحريمه أوتجريمه هو فعل إنساني غير واع، فتقول الكاتبة «منذ البدء ورجال السلطة والدين يحولون الجنس إلى خطيئة مميتة وسم للجسم والروح في حين أن طاقة الجنس هي الكينونة ونبع الحياة وسبب السموّ لا العكس».
تنظير الرواية هو لمجتمع خال من العقد يتعامل مع جسده وروحه في إطار الاستجابة الواعية لمتطلبات كل منهما دون أن يتدخّل الضمير الجمعي في توجيهها وفقا لتراكمات اجتماعية أوعقد، وإذا ما توفّر الجوهر الطيّب كانت المادّة طاهرة، وهو ما لا يتوفّر بمجتمع يحاسب على الخطأ رغم أنه الشريك الأساسي فيه أو المتسبب به، ذلك أن فؤاد ليس فقط الظالم الوحيد، أمها نفسها ظلمت حين سكتت عن ظلم أخ الدم وسمحت له باضطهاد أخته التي لولا بعض الحظّ لكان مصيرها نفس مصير بطلة رواية البرتو مورافيا امراة من روما التي حولتها اختيارات خاطئة من أمها، من إمرأة بسيطة تحلم بالزواج والإنجاب إلى امرأة ليل عكس مجدولين والتي رغم تخلّي الأهل عنها فإن مغادرتها لسجن الأخ وحضن الأم المتواطئة معه بالصمت صنع الأفضل لحياتها وكان فيه الخلاص النسبي لها ولحياتها التي لم تخل أيضا لمدة خمسة وعشرين سنة من هزات مؤلمة أهمها ضياع ابنها منها كل تلك الفترة.
بمنتهى الهدوء والاتزان والحرفية كتبت روضة الفارسي روايتها التي ارادتها سيرة لمجتمع مصغر وانتصرت في كل الأحداث والايحاءات لفكرة أن الحبّ هو الرابط الأمثل بين أفراده فجمّلت أغلب شخصيّاتها به، بل وحتّى الأخ حدثت بالأخير عن ندمه الداخلي.
فكانت الرواية انتصارا للحياة والحبّ حدّدت أماكنها سلفا الكاتبة بإيحاءات ومفردات رمزية كزهر اللوز والجنّة الصغيرة، تلك المسميات للأمكنة تختزل فيها الكاتبة رؤيتها لما تنتظره من هذه الحياة التي من المفترض أن تكون بفضل التصالح مع رغباتنا وفهمها هو الوجود الأمثل لمن استخلف على الأرض ومنح السمو والبهاء فحوله إلى زيف وقبح ليحيا تعاسة صنعها بيديه.
بمرور الزمن ننسى الخطايا وتلتئم الجراح ونغفر الجرائم إلا مايسمّى بجريمة الشرف، أخ يساهم في تشريد أخته ولا يغفر لها رغم سنوات من الجمر والحنين أكثر من عقدين ظلّ الضمير الجمعي يدعي أنه المجني عليه وأن مجرّد خطإ بسيط يتحول إلى عملية ذبح له في حين أنّه الجاني الذي لا يأبه بما خلّفه من خراب بسبب أحكامه الجائرة وأعرافه المهينة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا