السياسات الثقافية في تونس السياق المنفصل

سارة الشابي
«مبدعون من أجل الحياة» و«تونس مدن الفنون» و«جسورالتواصل» وصولا إلى «بصمات»، برامج ثقافية قدمها الوزراء المتعاقبون على

وزارة الثقافة ما بعد الثورة، و أرادوا أن يجعلوا منها عناوين لسياسات ثقافية وصلت بينها الأهداف ووحدة التشخيص لواقع الفعل الإبداعي بمختلف تشكيلاته وفروعه وفصلتها رغبة كل متربع على كرسي الثقافة في أن ينسب لنفسه منجزا لم يسبقه إليه أحد أو وقعا فريدا يخلد اسمه بين أسماء العظماء الذين تولوا مقاليد هذه الوزارة السيادية رمزا و المهمشة فعلا.
إن الحديث عن سياسة ثقافية يتطلب نظرة شاملة تتناول البعد المحلي فالجهوي ثم الوطني، كما يحتاج إلى صياغة تصورات بناءة على المدى القصير والمتوسط ثم الطويل ولكنه يقتضي -خصوصا- الانطلاق من الحاجيات المحلية والجهوية للمبدعين والمثقفين حتى لا تملى عليهم برامج وإسقاطات الساسة فأهل الحل والعقد قد يقولون ما لا يفعلون سواء كان ذلك عمدا أو جهلا ولنا في ذلك نموذج يتمثل في ما أصر الوزير السابق محمد زين العابدين على تسميته « السياسة الثقافية» وذلك لا يعدو إلا أن يكون حسب أغلب المبدعين في الجهات برامج ثقافية مسقطة من المركز رغم أن صاحب البرامج ما فتئ يحمل وزر اللامركزية الثقافية أينما ارتحل وحل.
فالاحتكام إذن لبرامج ثقافية فيها من الغث والسمين الكثير تتغير وتتلون مع كل وزير لا يمكن أن يؤسس لسياسة ثقافية ناجحة وفاعلة من شأنها المساهمة على المدى الطويل في تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي تربطها الدراسات والتوجيهات التي تقدمها الأمم المتحدة بمدى فاعلية السياسات الثقافية ونجاحها خاصة إذا ما غلّب البعض العمل السياسي على الالتزام الوظيفي فغيب مقترحات سابقه أو منجزاته واجتهاداته.
فبعض الأفكار المهمة مثل مقترح إنشاء تنسيقية ثقافية والذي تقدمت به الوزيرة لطيفة الأخضر وهي تنسيقية تشرك كل الوزارات وتمنح الفعل الثقافي تفاعليته الأفقية أو فكرة استغلال المواقع الثقافية من طرف الخواص في إطار عقود لزمات التي قدمها مراد الصقلي، أو الاجتهادات الرامية إلى تشخيص الوضع الثقافي مثل مخرجات برنامج « جسور التواصل» للوزيرة سنية مبارك والذي لم يتم الاستئناس به فقد أهملها أغلب الوزراء اللاحقين على قاعدة أن السياسة هي أيضا فن الاختلاف.
إن تشخيص واقع الثقافة في تونس معلوم لدى الجميع ولا يمكن أن تخفى توجيهات المؤسسات الإقليمية العاملة في المجال الثقافي على أي وزير فاليونسكو مثلا تقدم خارطة طريق يمكن الاستئناس بها في صياغة السياسات الثقافية وتعتبر أن نجاحها يقتضي التعاون بين الحكومات والمؤسسات غير الحكومية في أربعة مجالات أساسية وهي: دعم حوكمة الثقافة، تحسين ظروف تنقل المبدعين، دمج الثقافة ضمن استراتيجيات التنمية المستدامة ودعم الحقوق الانسانية و الحريات الأساسية كما تبين خاصة من خلال مجموعة من الدراسات أن السياسات الثقافية المجددة والتي تم وضعها حيز التطبيق جهويا ومحليا تؤثرإيجابيا على حوكمة الثقافة على المستوى الوطني.
فلمَ لا يتم الاستئناس بهذه التوجيهات على مستوى المجلس الوطني للثقافة المحدث بمقتضى الأمر عدد 1048 لسنة 2018 بعد تفعيل الدور الذي أناطه المشرع بعهدته وهو بناء توجهات استراتيجية وطنية ترمي إلى تطوير قطاع الثقافة وتقييم إنجازه حتى تصير الاستراتيجيات الثقافية بنيانا موصول الحلقات بعيدا عن الاجتهادات الفردية والتصورات القصيرة المدى.
يمكن أ ن نقرأ في الأمر المحدث للمجلس مجموعة من المهام الأساسية التي يمكن ، إذا ما تم العمل العمل على إنجازها أن تقدم رؤية استشرافية وموضوعية فهو مكلف على سبيل الذكر لا الحصر بتقديم التصورات والبرامج التي تساعد على تطوير الثقافة والفن والإبداع وتعزيز إشعاع تونس بالخارج وبدراسة واقع قطاع الثقافة واستشراف التطورات داخليا وخارجيا.
صحيح أن من حق كل وزير تقديم برامج جديدة قد تعكس تكوينه الأكاديمي أو السياسي أو الثقافي ولا يمكن أن يعتبر ذلك إلا أمرا إيجابيا وإضافة إلى مسار الفعل الثقافي في بلادنا وصحيح أن المجال المخصص لمعالجة المشاكل اليومية والآنية يحل أحيانا محل التفكير الاستراتيجي والمتواصل في الزمن لكن ذلك لا يمنع من أن تكون هنالك استراتيجية عامة يسير على دربها الجميع تستفيد من الموجود و تتطلع إلى المنشود.
ثلاث دعوات وجهتها الوزيرة شيراز العتيري لشخصيات ثقافية تلوح كبريق توجّه يرى في التجارب الماضية والناجحة عماد بناء حديث ومنخرط في سياق العصر و هي دعوة الوزيرين البشير بن سلامة ومراد الصقلي والمبدع علي اللواتيو السؤال هو لماذا لا يصبح هؤلاء أعضاء في المجلس الوطني للثقافة حتى يساهموا مع بقية الأعضاء في عملية صياغة سياسة ثقافية شاملة ومتواصلة على المدى المتوسط والطويل، وحتى تتم الاستفادة من تجاربهم ومقترحاتهم.
«إن الثقافة هي كل ما يبقى بعد أن ينسى كل شيئ « يقول السياسي الفرنسي إدوارد هريوت نقلا عن أحد الحكماء بعد أن خبر تقلّبات السياسة واهتزازاتها، فالثقافة هي الباقية رغم المناكفات السياسية ولا بد أن يعي الوزراء أن تكريس الحقوق الثقافية التي نادى بها دستور 2014،يحتاج إلى أن يترجم إلى فعل ثقافي مواطني تؤسس له توجهات وطنية واضحة وذات أسس متينة بعيدا عن الاهتزازات السياسية والتغييرات الحكومية التي أصبحت سمة بلادنا ما بعد الثورة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا