سوسة: تجارب توظيف ناجحة لمعالـم تراثية لدعم السياحة الثقافية

شغلت مسألة توظيف المعالم التراثية في المدينة العتيقة للنهوض بالسياحة الثقافية منذ سنوات العديد من أصحاب القرار والفاعلين في القطاعين

الثقافي والسياحي والدولة والمجتمع المدني من ذلك تجربة ولاية سوسة التي حققت بعض النجاحات غير أنّها تظل محتشمة في غياب إنقاذ عدّة معالم أو صيانة ما سبق إنقاذه أو ترميمه وإعادة إحياء المدينة العتيقة وحمايتها خاصة من الاعتداءات والتشويه.
في هذا السياق تحتضن مدينة سوسة متحفا أثريا تمّ إدماجه ضمن المسلك السياحي وهو يوفّر لزوّاره سواء من السياح الأجانب أو من التونسيين فكرة شاملة عن تاريخ هذه المدينة لاحتضانه قطعا أثرية لمختلف الحقبات التاريخية حسب ما ذكرته المحافظة المستشارة بالمتحف ألفة بن سعيد ، موضحة أنّ المتحف ليس مجرّد قطع أثرية بل ساهمت «القصبة» في إعادة تثمينه وتثمين المدينة العتيقة لسوسة التي أدرجتها اليونسكو منذ 9 ديسمبر 1988 ضمن التراث العالمي.

وتعمل المندوبية الجهوية للسياحة بسوسة مع إدارة متحف سوسة والمعهد الوطني للتراث والمندوبية الجهوية للشؤون الثقافية على ترويج السياحة الثقافة والتراث المادي واللاّمادي.

من ذلك تم استقبال -في بداية مارس 2020 - لحوالي 50 فسيفسائيا من عدّة دول شاركوا في إنجاز لوحة فسيفسائية مستوحاة من موقع تكرونة الذي تعمل المندوبية حاليا مع بقية الأطراف على توظيفه علميا مع إمكانية الاستثمار في الاستضافات الريفية والاقامات العائلية «فهرقلة معتمدية فلاحية يمكن أن تنجز فيها إقامات ريفية بصفة رائعة جدّا وكذلك في قرية كروسيا وبمعتمدية سيدي الهاني وفي الكراريا التي تضم ضيعة دولية بها اسطبل وغابات زيتون» حسب ما أفاد به المندوب الجهوي للسياحة توفيق القايد.

وانطلق متحف سوسة الأثري منذ سنة 2012 في ترسيخ ثقافة التربية المتحفية التي نجحت في استقطاب الجمهور التلمذي والطلابي والإطارات التربوية والمجتمع المدني.

من جهتها صرحت رئيسة جمعية الاتحاد الثقافي بسوسة نفيسة بن سوسية بأنّ 600 تلميذا وتلميذة تفاعلوا منذ 2012 مع هذه التجربة التي يحاولون عبرها تقريب الطفل إلى تراثه التونسي علاوة على أنّهم ينظمون جولات مع التلاميذ رفقة أوليائهم تنطلق بداية من المتحف الاثري بسوسة وصولا إلى مقر الجمعية بمعلم «سيدي يحي» في منطقة «باب بحر» مرورا بعدّة معالم.

وسجلت الجهة تجارب لترميم عدد من المنازل القديمة الخاصة وتحويلها إلى استضافات سياحية تصنّف تحت مسمّى استضافات عائلية وترميم معالم تراثية وتوظيفها كمقرات للجمعيات أو الإدارات من ذلك «دار بعزبز» في المدينة العتيقة في سوسة التي تعود إلى سنة 1775 أي القرن الثامن ميلادي غير أنّ المبنى الحالي يعود إلى بداية القرن العشرين وشهد آخر أشغال صيانة له خلال الفترة 2012 - 2015 .

ويعيش من يدخل «دار بعزيز» في ضيافة أهلها الغائبين الحاضرين عبر صورهم وأمتعتهم والجدران التي حفظت أنفاسهم وذاكرتهم وذاكرة الأسرة التونسية الأصيلة ونمط العيش التونسي في المدينة العتيقة وجزءا كبيرا من التراث اللامادي السوسي والتونسي.
وعلّقت في السقيفة لوحات من مشاهد النشاط اليومي للمرأة «الحمامية» (نسبة إلى حمام سوسة) مثل رحي القمح ووضع مباشرة تحت اللوحة الرحى التونسية التي مازالت هناك.

أياد تصنعها في منطقة القطار من ولاية قفصة وعرض بعض الأواني الفخارية الخاصة بمدينة حمام سوسة مثل «الدحدوح» الذي كان يستعمل لعجن الخبز و«الشارية» وهي عبارة على قفة من السعف تحملها المرأة على رأسها عند التسوق لوضع الأغراض فيها أو لوضع الطفل الرضيع. ويأسف العض على عدم بنائه للحمام العربي الذي يميز المنزل الحمامي الذي تتفرد به حمام سوسة غير أنّه حوّل الماجل إلى حنفية على شكل نافورة يحرسها إله البحار والمحيطات.

ويوجد قريبا من معلم «دار القلي» موقع معلم «بابور ماني» وهي تسمية محلية لمطحنة تقليدية بنيت منذ حوالي قرنين هدمت وتحوّل الموقع إلى مصب فضلات البناء ومأوى للسيارات العرضية حسب القلي.

وتحتضن المدينة العتيقة بسوسة مخزونا حضاريا من أروع ما هو موجود في البلاد التونسية وفيها بين 47 و50 معلما هاماّ من أبرزها السور الذي يمتد على حوالي 2 كلم و300 متر، والرباط والجامع الكبير والقصبة التي تحتضن المتحف الروماني وجميعها تعود إلى القرن 3 هجري والتاسع ميلادي أي عصر الإمارة الأغلبية حسب الفاني.
وأكد الفاني أنّ جمعية صيانة مدينة سوسة عملت بالتعاون مع بلدية سوسة والمعهد الوطني للتراث على توظيف الزوايا ثقافيا وسياحيا بتمويل من البلدية ووزارة السياحة ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية كمشروع إنقاذ دار الشرع التي كانت سنة 1994 خربة وأصبحت مركزا ثقافيا باعتماد قدره 200 ألف دينار وقع توفيره ضمن التعاون التونسي الفرنسي.

ووظفت سياحيا وثقافيا وتربويا ومعلم العلامة سيدي يحي، ومعلم القبة الذي أصبح في حاجة إلى الترميم والتجديد، ومعلم سيدي بوراوي، وزاوية الزقاق والسُفرة وهي خزان ماء من العهد البيزنطي استعملها المتساكون إلى حدّ الحرب العالمية الثانية علاوة على انجاز مسلك سياحي ثقافي في السور على طول حوالي 700 متر يمتد من السور القبلي بالقصبة إلى غاية «جبانة الغربة» لم يدخل بعد حيز الاستغلال.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا