قراءة في «سيدة الأسرار عشتار» للروائية التونسية حياة الرّايس: جمـال الحياة كما وصفها أرسطـو وجسّدها الإغريق

بقلم القاص والمترجم 

حسين سليم (العراق)
 هناك سر في عنوان المسرحية،هو وحده يمنح دافع التشويق للبحث والتعمق وهو بحاجة إلى كتابات مطولة لتفكيك

رموزه ومايحتويه من مواضيع فكرية دسمة وغنية بالحوار الدرامي الشعري المكثف والتي تتيح للقارئ فضاء واسعا للتفكير والتمعن في إعادة تكوين ذاته من جديد كأنسان تسيد الارض منذ الخليقة وهو سر علاقة المرأة بالرجل وهنا تطرقت الكاتبة في موضوعها إلى مزج كم هائل من الفنون الكلاسيكية بين الثقافة الاغريقية والسومرية لتظهر لنا صورة إبداعية

تصف جمال الحياة بمعنى آخر غير الذي اختارته الآلهة القديمة والذي عبر عنه أرسطو الاغريقي بالفن التراجيدي في كتابه (فن الشعر ) والذي يصف من خلاله التراجيديا بلغة شعرية ينتج منه فن (الديثرامب) وهو تمجيد الآلهة وجعلها تتسيد الحياة والرجوع اليها بكل شئ في الخير والشر ،هذه الصورة الإبداعية في مسرحية (سيدة الاسرار عشتار) تناولت الكاتبة

مفهوم الحياة من جانب أخر يضاهي المفهوم الكلاسيكي في تخيل وتصور الآلهة القديمة للحب والتراجيديا المرافقة له وتختصر لنا فصول المسرحية الحياة بكل ماتحتويه من خير وشر وفرح وحزن والحب والجمال والارادة الإنسانية اللامتناهية إلى حد ما للعيش والعودة للحياة من جديد منذ التكوين والخلق إلى الأن وهذا ما يصفه الدراميون بلغة شعرية وحوارية مكثفة بينهم  إلى حد التوتر والحماس بدايةً من الآلهة عشتار وهي اللاعب الاساسي في المشهد وهي المرأة الجميلة والعاشقة ،ملكة الحب والجمال والسماء وهي الروح المتسيدة على العرش،بل كل شئ عائد لها وهي تصف نفسها لتمنح الحياة لكل الكائنات ،تصف جسدها العاري أمام نساء الارض كيف كان نقياً قبل أن تدنسه الأديان وكيف كان للجسد الشهواني

حرمته أمام رغبة الجنس والفوز بالرجال وفتح الارحام للانجاب أمام الطبيعة وهي أساس التكوين وهي التي أنجبت أول إنسان على الأرض بعد أن اختارت تموز  زوج لها آلهة النبات والتكاثر بعد أن باحت له بحبها، لقد عشقت عشتار تموز راعي الحيوانات تحت الاشجار، تموز الثور الجميل والمغرور بنفسه والراكض خلف رغباته الجنسية فوق الارض الشهوانية من أجل أن تكتمل صورة الحياة الجامعة والمشتركة فعشتار الحب والجمال والسماء والروح التي تعشق الطبيعة وتموز الزرع والثمار والنبات والتكاثر وهو السر الجامع بين المرأة والرجل وهو الواقع الذي لامفر منه. بعد حفلة زواج شهدتها الآلهة والطبيعة وقدمت الهدايا بين العريسين تموز محمل بالهدايا من كل خيرات الأرض والحيوان من اللبن

والقشدة والفواكه المتنوعة والأزهار المعطرة ليقدمها بين يدي عشتار السماء والحب التي قدمت له هديتها وهي الصولجان المحجن اي العصا المعقوفة كمنقار طائر كما تقول الأسطورة وهي الرمز المعبر عن السلطة وحكم الارض استطاعت الكاتبة بأسلوب بارع وصف المرأة بعشتار الزوجة المخلصة وتموز الزوج العاشق للجمال والرغبة الجنسية ومايجري بينهما من أحداث ومغامرات في الحب والتجانس والتضاجع فوق سرير مصنوع من الأرز عبر تصوير ميثولوجي يحاكي الواقع عن طريق حوار درامي وبلغة شعرية تنطقها ألسنة الآلهة القديمة آلهة الأجداد ويمكن القول وبمعنى أعمق أن الرجل وهب الأرض وما عليها للمرأة مقابل منحه الحب والجمال الازلي وتقف المرأة القوية عشتار بتصوير وخيال الكاتبة

وجها لوجه أمام تراجيديا الآلهة بعد الموت والذهاب إلى العالم السفلي،عالم الموت الأبدي وهي تحاول بصلابتها وشموخها وقوتها -كونها سيدة الوجود- أن تبث الأمل وتعيد الحياة من جديد لمن تحبه وتعشقه وهنا تتحول المرأة في الواقع الى رمز للتضحية والفداء وهذا مالفت نظري ايضاً في إكتشاف أحد أسرار عشتار المرأة العاشقة للحب لتظهر في صورة أخرى بأنها تضحي بحياتها وهي تحاول انقاذ حبها بالرغم من خيانته لها بعد انقاذه من الموت في العالم السفلي وهنا التوقف والسؤال قبل إكمال القراءة بأن الرجل هل سيبقى خائناً للمرأة في نظر الكاتبة ؟

بعد موت تموز الرجل يختفي النبات والحيوان والتكاثر لتقف عشتار المرأة تنعى وتبكي زوجها بعد أن تبكيه الصحراء التي تحولت الى أرض عقيمة ثم تدعو عشتار آلهة الماء سر الوجود  للتدخل عند ملكة العالم السفلي والموت لاحياء تموز الرجل واعادته إلى العالم العلوي ولكن الموت يطلب العوض عن تموز بآخر وهنا إرادة الآلهة بان يجب أن يكون هنالك موت بعد الحياة وعهدت عشتار ملكة العالم السفلي باعطائها بديلا لزوجها ليحل محله إلا أنها تعود بعد عناء طويل برفقة آلهة الموت وقد سبقها زوجها تموز إلى الأرض لتقوده شهوتها الجنسية من جديد لخيانة عشتار مع نساء أخريات فأثار غضبها وتتركه للموت مرة أخرى ليسكن العالم السفلي مع الأموات  جزاء خيانته للمرأة التي هي سر وجوده على الأرض.
إنها إرادة الآلهة في منح الحياة صورة تراجيدية بعد موت تموز بسبب الخيانة وترك عشتار تعيش وحدتها بدون الزوج والحبيب لتختفي معه الزروع والنباتات والثمار والازهار والحيوانات وكل شئ جميل على الأرض ولم يعد لحبها وجمالها ثمن لكن كان هنالك ارادة وتصور آخر للكاتبة وهي ترى نفسها في عشتار ولتجعل منها أمرأة قوية تتحدى إرادة الآلهة

وتعود مرة أخرى للعالم السفلي لإنقاذ تموز واعادته إلى الأرض وهذه تضحية منها لديمومة الحياة وبث الحب والجمال لا لأجل شئ آخر بمعنى أن لايمكن أن تكون هنالك حياة نابضة بالحب إلا اذا اجتمع الرجل والمرأة وبعد انقاذ تموز تحاول آلهة الموت أن تبقي المرأة في العالم السفلي بدلا عن زوجها وهنا يقف الرجل مخلصاً ومضحياً لحب زوجته وهو ايضاً يأبى العودة بمفرده دونها محاولا إنقاذها من الموت ومن هذا التخيل الملحمي الاسطوري من أجل البقاء، تصفه الكاتبة بشكل تصويري للواقع مبتعدة عن التراجيديا الالهية لتضع نهاية مغايرة وغير منتهية وهذا ما أرادته لترك بوابة أخرى يمكن من خلالها سرد أجزاء مكملة لهذه الملحمة الغزلية وهي تحاول إخراج الرجل من مستنقع الخيانة ويكون فيها الحب

منتصراً وتعود المرأة شامخة قوية غير منكسرة لتتسيد الحياة من جديد وهكذا كان الموضوع الأساسي في هذه الملحمة والذي أرادت منه الكاتبة أن يكون العنصر المهم والجوهري هو المرأة، المرأة اليوم في واقعنا وما هو دورها الفاعل في الحياة أمام الرجل وأين مكانتها الحقيقية في تكوين المجتمع الشرقي ونظرته الدونية للمرأة وماهي حقوقها تجاه نيل حريتها الكاملة وهل يمكن إنصاف المرأة اليوم كما أنصفتها الآلهة والاساطير ومجدت دورها كملكة على عرشها قبل آلاف السنين بعد هذا التطور الكبير الذي شهدته الإنسانية؟ وفي النهاية يمكن القول بأنني كم تمنيت لو أن هذا المشهد المسرحي والملحمي، ليست له نهاية من أجل الإستمرار في المتعة والتشويق للدراما المكثفة والحوار المغعم بالاحاسيس الجميلة بلغة الحب

والغزل والكثافة الشعرية بين رجل وإمرأة،بين عشتار وتموز ،بين السماء والأرض، بين الحب والجمال، إنها نابعة من روح نابضة بالحياة تواقة للشعر والغزل والحب لايقاظ حضارة عريقة من سباتها الطويل وحفظ تفاصيلها في المخيلة بعد مسيرة حافلة بالدراسة والتحليل والتعايش الفكري لتسرد لنا حكاية الحب السومري الأزلي بين الرجل والمراة بوجهٍ آخر ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا