في تجربة الفنان التشكيلي نجيب بوقشة: عوالـم مسكونة بهوس السؤال عن الإنسان زمن الآلة والعولمة

شمس الدين العوني
اللون ممحاة لدرء النسيان والقول بالقيمة كجوهر وحقيقة.. ما الذي يحدث حولنا و بيننا وبنا في هذا البرد الكوني

و حيث العولمة الموحشة تطبع الأجسام لتتركها شبيهة لا خصائص و لا ترجمان و لاذكرى ..

من هنا يقف الفنان يفعل بتعبيراته في سباق مع آلة السقوط و الهدم والنسيان..يقف بوجه الخراب ينثر الأفكار.. لتصير ورودا..يقطف معاني الحلم النبيل ولا يلوي على غير القيمة و الكيان في جهد تحديدي و تأصيلي.. يمنح الكائن والمكان المكانة ..يلقي بالحصى في النهر .. يسخر من الآخر..هذا الآخر القاتل..للمهجة و الذات و مشتقات حسن الاقامة على هذه الأرض..

ومن هنا نلج عوالم الفنان نجيب بوقشة، الذي كان طفلا كبيرا لم تفعل فيه سنوات الغربة شيئا غير أن تمنحه القدرات العميقة على فهم الحالة الانسانية السوسيولوجية والثقافية التونسية بحميمية الفن و نار السؤال و جحيم المغامرة..هو يتهجى الينابيع بحثا عن المفردة التشكيلية الملائمة..

لقد كان اشتغال نجيب بوقشة ومنذ سنوات على مشاكل الهوية التي تضيع من الكائن ببساطة ليغدو معها رقما و حالة من الضياع و ذلك في شتى الاحوال والتمظهرات الفردية و الجماعية..هو انسجم مع جدية المسألة و لم يعد يعنيه سوى العنوان الخطير للاندثار والتشييء.. لذلك كانت لوحاته مجالا ومتوترة وغائبة الملامح و طغت فقط ملامحها التجريدية في ضرب مما ينطبع على قماشة النفس ... نفس الفنان من ألم تجاه هذه الأكوان التي تمضي بالانسان من الحالة الى الآلة وتلقي به في النهاية في متحف مهجور..كرقم ضمن بقية الأرقام..

الفنان نجيب بوقشة يتعاطى جماليا مع عمله ضمن هذه التجربة بتلك الفسحة من التعبيرية والانطباعية ضمن وعي تجريدي باذخ تبرز معه و وفق تقنيته التشكيلية الكائنات و الشخوص التي يتقصدها و يستهدفها ابداعيا بما يشير اليها من أشكال تامة بنقصانها حيث يترك للمتلقي اتمام وتخيل بقية عناصرها و جزئيات الفضاء وهي متممات لا تعني نجيب الفنان بل هو يقحم القارئ للحات في جوهر اللعبة المدهشة التي تدور حول السؤال.. سؤال القلق والشقاء..و التعب..شخصيات لوحاته ( بما في اللوحة من حكايات) قلقة ومحبطة و هي أشبه «بالأطلال البشرية» وهنا يحملها بالمعالجة الفنية والجمالية الى عوالمها النورانية من حيث نبلها و أحلامها و حتى خساراتها الجميلة التي هي عوالم الاعتبار..المواطنة بعبارة أخرى بعيدا عن أختام العولمة..» الماتريكيل «..أو الرقم الألي..

هي الصرخة العارمة التي يطلقها نجيب..هي بمثابة الصدمة المدوية و القاتلة و لكن الخلاقة أيضا حيث يعود الفنان الى دفء ألوانه و مفرداته التشكيلية بوعي مغامر ..

حالة ثقافية بارزة تكشف شيئا من ألقها المعرفي والحضاري و الوجداني و بالتالي الابداعي تجاه التشييئ لأجل استعادة الانسان لجواهر فكره و وجوده و دوره بعيدا عن التنميط و التحنيط و هنا نلمس تلك الشحنة من الحيوية والحركة في اللوحات ..وأعني الحرية بالنهاية كقيمة تمتد بين الحياة و القماشة ..أي في الزمان و المكان وفي الحيز الجمالي و المساحة التشكيلية..هنا تحرك نجيب..و على عبارة نيتشة هكذا تحدث بوقشة..

أعمال أخرى بالأكواريل تكشف عن طاقة تعبيرية جميلة و محببة في تجربة نجيب بوقشة فيها اعادة كتابة المكان لونيا حيث المتعة في تخير المشهدية والضوء.. وفي مراوحة بين الأعمال المنجزة و المحلوم بها يبتكر الفنان بوقشة حيزا من عالمه المسكون بالانسان..و لكن بكثير من الكد الجمالي بعيدا أيضا عن الكثير من الأعمال الملتزمة ولكنها خالية من القيمة الفنية و التشكيلية..

انها رحلة الفن..العميقة.. والفنان يترجمها بعد الاكتواء بتفاصيلها ..الى جمال نوعي..
في هذه الفسحة من أعمال نجيب شيء من البوح..هو البوح بالفجيعة و الصراخ انحيازا للحالة على حساب الآلة.. والرحلة بالنهاية هي اقامة قلقة بين الوردة...والسكين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا