مسابقة أصوات المدينة: السينما ذاكرة والكاميرا سلاح

جمعتهم السينما وقربتهم الكاميرا والفكرة، مخرجون شباب كان لكل منهم فكرته والكاميرا كانت سلاحه ليدافع عن أفكاره

ويقدم وجهة نظره ورؤيته للموجود والواقع، السينما وسيلة للتقريب بين الشعوب ومطية للنبش في الذاكرة والتاريخ وفي هذا الاطار تتنزل مسابقة أصوات المدينة.
وهي مسابقة مغاربية موجهة لمحبي الفن السابع، مسابقة مفتوحة لكل الحالمين في الدول المغاربية ليعانقوا الكاميرا وينقلوا للجمهور أفكارهم من خلال أفلامهم الوثائقية التي ستتنافس للفوز بجائزة أفضل فيلم في مسابقة مغاربية موجهة للشباب محبي الفن السابع.

فيلم «حديث جمرة» لإيلاف هلال.. النار لغة الكون...
السينما مطية للرحيل في تفاصيل الذاكرة، السينما لغة الهوية والتاريخ وبالكاميرا يستطيع السينمائي الدخول إلى الذكريات لإعادة إحيائها ودعوة المتفرج للمحافظة على تراثه وذاكرته الجماعية، من خلال الكاميرا بحث المخرج الحالم إيلاف هلال في تاريخ مهنة الحدادة، تلك المهنة الشاقة التي تكاد تندثر اقترب إيلاف منها ومن ممتهنيها ليقدم لمتابعي السينما صورة توثيقية عن هذه المهنة وعن تاريخها وعن تفاصيلها وعن واقعها اليوم.

عم مبروك الحداد بطل فيلم «حديث جمرة»، منذ المشهد الأول تقترب الكاميرا من التفاصيل اعتمد المخرج «الزوم» والإطار الضيق ليقدم الصورة الأقرب عن مهنة الحدادة وكيفية تعامل الحداد مع ثنائيتي الحديد والنار، الحدادة تلك المهنة الشاقة في الفيلم تصنع القطع الحديدية موسيقى الفيلم، تركز الكاميرا على حركة اليدين والساقين فالحداد التقليدي يستعمل يديه وقدميه ليمسك القطعة الحديدية قبل أن يحمّيها بالنار ثم يطرّقها بالمطرقة لتستوي وتصبح حادة لامعة.

الكاميرا تصبح صوت الحدادين، الكاميرا تنقل واقعهم تغوص في الذاكرة ليستحضر عم مبروك الحدّاد ذكرياته القديمة مع مهنة الأجداد، فالحدادة ومنذ الأزل مرتبطة بالمطر والنار ويبدع الحداد في بعث الروح في القطعة الحديدية، فالأمطار تؤدي إلى الاخضرار وإلى موسم فلاحي جيّد مما يدفع الناس لأخذ معداتهم الفلاحية «الجلم» و «المنجل» و «المحشة» إلى الحداد ليطرقها ويبعث فيها الحياة لتكون صالحة للحصاد، الحدادة أيضا لها مواسم مثل موسم «الزّاز» (جزّ الصوف) وقتها يصبح «ّالجلم» سيد الآلات الحديدية وقائدها، ثمّ موسم عيد الأضحى، فقط هذه المواسم تنشط فيها حركة الحدادة التقليدية هذه المهنة التي تكاد تندثر «بتمشي الحدادة مع ظهور الآلات الصناعية والحديثة» كما يقول الحداد في الفيلم.
«حديث جمرة» فيلم وثائقي يقدم للمتفرج القليل عن مهنة تقليدية وحرفة يدوية لها ممتهنوها ومحبوها، مهنة تكاد تندثر لعدم توفر المواد الأولية، مهنة كانت كاميرا إيلاف هلال نصيرتها وقدمت للمتفرج فيلما يوثق لرحلة حداد عشق ثنائيتي النار والماء فصنع عالمه الخاص وكذلك يصنع الحالم إيلاف هلال عالمه السينمائي الخاص في انحيازه للذاكرة وللتراث التونسي وبحثه في اليومي لصناعة فرجة مختلفة وتقديم فيلم ينبض بالحب والصدق.

فيلم «دمعة» لجاسم موسى ونادر عتيق.. النخلة كما الأنثى شامخة و«ولاّدة»...
النخلة أنثى، النخلة امرأة مكتملة ومميزة، النخلة كما الأنثى تحبّ وتحتاج لحنان النباتات الأخرى ليكون ثمرها ألذّ، للنخلة دموعها ايضا ودمعها لذيذ كما رحيق العسل، «دمع» النخل هو ذلك الشراب الحلو الممتع شراب «اللاقمي» الذي يميز مدن الجنوب التونسي لتوفرها على واحات النخيل الباسقات.
«دمعة» فيلم وثائقي لجاسم موسى ونادر عتيق، فيلم يقدم للمتفرج كيفية الحصول على عصير اللاقمي، اللاقمي أو دموع النخيل، الفيلم دون كلام وحدها حركات القطعة الحديدية وصوت الطبيعة وحفيف النخلة يصنع موسيقى الفيلم.
الفيلم ينطلق بموسيقى تصنعها السكين أثناء تنظيفها لتكون حادة فالعملية جدّ دقيقة وتحتاج إلى آلة حادة ونظيفة، ثمّ تلف السكين بقطعة قماش قبل البدء في عملية استخراج العصير من قلب النخلة. في الفيلم ينظف الفلاح السكين، ثمّ يتسلّق النخلة فيتمّ التخلص من الأوراق والأجزاء التي تحيط بلب النخلة أو ما يعرف بـ«شحمة النخلة» بعدها يتم الحفر حولها بواسطة آلة حادة يطلق عليها إسم «الحجامة»، حتى تبدأ بإفراز قطرات يتم تجميعها في إناء خاص من الفخار هي عملية جدّ دقيقة وتتطلب تركيزا كبيرا حتى لا تُجرح النخلة خطأ ويتم الحصول على الشراب اللذيذ.
في الفيلم ينقل المخرجان تفاصيل الحصول على مشروب اللاقمي، لا وجود للكلمات لكن تركا للطبيعة صناعة موسيقاها مع المراوحة بين المشاهد الضيقة التي تركز على يد الفلاح أثناء استخراج «اللاقمي» وإطار أكثر اتساعا لينقل شموخ النخيل وجمالية الواحات في الجنوب التونسي.
«دمعة» فيلم وثائقي يسلط الضوء على صنعة تقليدية توارثتها الأجيال، هي جزء من الهوية التونسية والتراث المادي المتوارث عن الأجداد، مهنة استخراج اللاقمي الدقيقة والمختلفة، فيلم بصورة جيدة وموسيقى هادئة تمتع المتفرج وتحمله إلى عوالم النخيل وسحر النخلة وحكاياها.

فيلم «للا صالحة» لمروان الوسلاتي .. الخرافة جزء من الموروث
«للا صالحة» ذلك المكان الساحر، هناك تصنع موجات البحر سمفونية للحب، الشجيرات المترامية حول البحيرة مع أهازيج الصيادين تصنع مشهدا فسيفسائيا جدّ مميز، في ذلك المكان الهادئ تتلاحم الخرافة والتاريخ، فهناك الميناء البونيقي القديم وصيادون لازالوا يمتهنون الصيد بقواربهم التقليدية المترامية في المكان، قبالتهم قبة بيضاء هي مقر «للا صالحة» وفي الفيلم يحمل المخرج الجمهور إلى تفاصيل المكان الساحر وحكايته، لتصبح الكاميرا صوتا للذاكرة وعنوانا لجزء من الهوية والموروث الشعبي التونسي.
في فيلم «للا صالحة» يكون مروان الوسلاتي صوت الذاكرة، يقدم للمتفرج صورة تنقل جمال المكان، ذلك الفضاء المغري بالزيارة للمكوث هناك لساعات طويلة والتامل في تلاحم الماء مع الأرض والتربة، صورة طبيعية خلابة تحمل معها خرافة شعبية تقول أنهّ في ذلك المكان غرق هودج «للا صالحة» ابنة الولي سيدي بوسعيد الباجي، فالفتاة خطبت ووالدها وافق على زواجها، وأثناء خروج هودجها بكت لرفضها فكرة الزواج وحين وصل هودج العروس إلى المكان الحالي دعا والدها «يراك لا تمشي لا تولي» فغرق الهودج وكل المرافقين وغمرت المياه المكان ولم تبق القليل إلا قطعة الأرض التي بني فوقها القبر الذي أصبح قبة في التاريخ الحاضر.
الفيلم يتجول بالمتفرج بين ثنائيتي الخرافة الشعبية والتاريخ، بين الماضي والحاضر تتجول الكاميرا لتقدم صورة عن مكان ساحر يوجد في قرطاج بيرصة بين «دار الحوت» و «الميناء البونيقي» فالسينما كانت مطية المخرج لينبش في ذاكرة مكان مميز ربما يزوره كثيرون ولكن القليل يعرفون قصة المكان.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا