القرآنيات: خير من ألف شهر (1)

ما أجمل أن تتزين السماء والأرض للصائمين في ليلة من أجمل ليالي رمضان!

وما أعظم الباحثين عنها حين تصيب دعواتهم فيها ساعة إجابة! وما أكثر نزول دموع التائبين فيها صدقًا!

 ففيها يُعطي الكريم حقًّا بصدق لجوء العباد إليه، وفيها تُغسل القلوب، وتنهمر الدموع، وترفع الأكُف عاليًا، راجين أن يكونوا من الفائزين.
 إنها ليلة السعادة وتحقيق الأمنيات، ليلة العفو والعتق من النيران، ليلة النفحات والعطايا والهبات من ربِّ العباد، هي أيضًا ليلة العمل والاجتهاد والعبادة والتقرب من الله.
 

إنها « لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ » القدر: 3 إنها في العشر الأواخر من رمضان، وبالتحديد في الليالي الوترية، ومن علامتها أن الهواء في ليلتها يكون كنسمة تعانق وجهك وجسدك برِفق، ستعيش ليلتها في سلام وهدوء وسكينة من مغرب الشمس حتى طلوع الفجر.
 إنها سلام حتى مطلع الفجر، وستتنزل فيها ملائكة الرحمن تملأ الأرض نورًا وسلامًا، بل الروح الأمين في مقدمة الملائكة، وهو جبريل عليه السلام.

 ما أعظمه من مشهد، ومع أننا لا نرى ملائكة الرحمن في هذه الليلة، فإننا نشعر بكل هذه النفحات، فلو أننا تخيَّلنا جمال هذه الليلة بما فيها من العطايا، لوَدِدْنا أن توجد ليلة القدر في كل أيام العشر، كلا بل لتمنينا أن تكون طوال شهر رمضان، فلنفتِّش عنها في كل يوم وليلة من العشر؛ فإن أصبناها في عبادة كُتِبَ لنا أجر عمل ثلاث وثمانين سنة، يا ألله! وغُفرت لنا جميع ذنوبنا، وخط القلم فيها أقدارنا وأحوالنا، وسجلت الملائكة أسماءنا في صحائف المعتَقين، وإن لم نُصبها في ذلك اليوم كُتب لنا أجر الاجتهاد، والمثابرة، والقرب من الحبيب.

 أخي الصائم، اجتهد في كل يوم وليلة، لعل اجتهادك يصادف ليلة القدر، فلا تشغل نفسك بعلامات، ولا بفردي ولا بزوجي، فقط اغتنم العشر كلها وعدِّد فيها من الختمات، وإخراج الصدقات، وقُم الليل واذكُر ربَّك بالنهار، وكن بارًّا بوالديك، واصلًا لرحمك، واجعَل أحوالك كلها تدور في دائرة الاغتنام من كل العبادات.
 كن ممن أخذ أجر إفطار صائم ولو على شربة ماءٍ، كن داعيًا فيها إلى الخير، فقط اضبط بوصلة قلبك على تردُّد أن تكون من الفائزين في العشر بوجهٍ عام وليلة القدر بوجه خاص.

 إنها البشرى التي بداخلها النجاة، ففي هذا الشهر الكريم ثلاث فرص للمغفرة من أضاعها كتب من المحرومين.

بشرى: «مَن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدَّم من ذنبه».

بشرى: «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه»

بشرى: «مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه».

 فهذه البشرى لا يصح بأي حال من الأحوال أن يفوِّتها المؤمن، فإنه إن فاتته الأولى أدرك الثانية، وإن فاتته الثانية أدرك الثالثة، وهل يعقل أن أعرف طريقًا يمحو ويغفر جميع ذنوبي ولا أدركه!

 يتبع

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا