مسلسل «أولاد مفيدة» إخراج سوسن الجمني: الدراما تكشف قبحا نريد اخفاءه ...

صراع القوي والضعيف، صراع المال والعهد والشرف، صراع الحقوق والحريات و الصراع من أجل البقاء و تحقيق الحلم والصعود في سلم النفوذ،

جميعها صراعات نقلها مسلسل «أولاد مفيدة» عن فكرة لسامي الفهري وإخراج لسوسن الجمني والمسلسل انتهى في جزئه الخامس وعرف حضور ممثلين عديدين في الأجزاء السابقة.
«اولاد مفيدة» في جزئه الخامس مواصلة لتتبع مسيرة أولاد مفيدة في بحثهم عن طريقة عيش أفضل وفي هذا المسار يقابلون شخصيات وأحداثا تصنع الحبكة الدرامية للمسلسل «الأكثر نقدا والاكثر مشاهدة» وفي العمل الكثير من الجرأة التي خلفت نقدا لاذعا للمجتمع ولسلوكيات مجتمعية يعايشها التونسي وان حاول إغماض عينيه عن الحقائق وحاول إخفاء القبح الذي كشفته أحداث العمل.

المسلسل ينقل الصورة القبيحة التي نرفضها
لاقى مسلسل «أولاد مفيدة» في أجزائه الخمسة نقدا لاذعا من متابعي الدراما وفي الوقت ذاته حقق أعلى نسب المشاهدة، فالتونسي يشاهد العمل ثم ينقده ويشتم القائمين عليه، «أولاد مفيدة» ولخمسة أجزاء يتعرض للنقد بسبب أحكام اخلاقوية، لان المسلسل مرّر مشاهد «العلاقات الغرامية» و«الكوكايين» و «المخدرات» و «الحمل خارج إطار الزواج» والصراع من أجل الحصول على «الزطلة» وصراع بين تجار المخدرات كلّ له أساليبه ووسائله، الأحكام المجتمعية الأخلاقوية رفضت مثل هذه المشاهد بتعلّة أنها غريبة عن المجتمع التونسي المحافظ والمشاهد ربما تنطبق على مجتمعات أجنبية لكنها لا يمكن أن تكون تونسية.
النقد أيضا سببه الجرأة في بعض المشاهد وطريقة الطرح فالكاميرا تقترب من التفاصيل وعادة ما توظف «الزوم» على الشخصية أو الحدث، ويرى متابعو المسلسل أن من دور الدراما هو التوعية وتقديم الصورة الجميلة للعائلة وتقديم مشاهد يمكن أن تشاهدها العائلة مجتمعة خاصة في شهر رمضان، لكن تقديم مشاهد جريئة ومسيئة للمجتمع حسب تعبيرهم فذلك مرفوض، فالنقد ومنذ بداية العمل لم يتوجه إلى أداء الممثلين أو الكادراج والتصوير والسيناريو بل إلى الجانب الأخلاقي الذي يرفضه متابعو الدراما بتعلة «المحافظة» فهل أن دور الدراما تزيين الواقع؟ ولم يحقق المسلسل نسب مشاهدة مرتفعة إذا كان يمس بالعائلة التونسية ويهدد وحدتها ويشجع الشباب على المخدرات والانحلال الأخلاقي؟.

رغم حقوق المرأة لازال المجتمع ذكوريا
انتهت حلقات الجزء الخامس من مسلسل «أولاد مفيدة» الذي كشف وطيلة مواسمه عن العقلية الذكورية المسيطرة في المجتمع التونسي، فـ«بيرم» و«ابراهيم» كلاهما باتا أنموذجا للجمال والشهامة رغم أن الشخصيتين مارستا كل الأفعال الاجتماعية المرفوضة من قتل وزنا وسرقة ومخدرات إلا أن المشاهد تعاطف معهما كل مرة فقط لأنهما «رجال».
في المسلسل رفضت شخصية «زينة» (عزة سليماني) لأنها تستهلك المخدرات إلى حدّ الإدمان وكانت الشخصية جريئة في مواقفها تحدت الجميع لأجل رجل أحبته واختارته شريكا لها، عزة يتواصل رفض المتابعين لها لدخولها السجن وفي المسلسل تريد مفيدة من ابنها أن يطلقها إذ كيف يبقيها زوجة له وهي في السجن، شخصية زينة أتقنتها الممثلة عزة سليماني وربما كان صدقها في الأداء سبب الانتقادات الاخلاقوية التي تعرضت لها.

في المقابل تعاطف المتابعون مع شخصية «سفيان» (معز القديري) عون الأمن الذي خان القسم وأصبح يتعامل مع تاجر المخدرات ليسهل دخول الشاحنات إلى تونس وساعده لتهريب ابنه، «سفيان» تعاطف معه متابعو المسلسل بسبب مرض والده، لكن بالعودة الى التركيبة المجتمعية والموروث المجتمي وطريقة التفكير هذه الأحكام تنحاز إلى الذكر على حساب الأنثى والمجتمع يسمح للرجل بالعديد من الأفعال والتصرفات التي يرفض أن تمارسها المرأة لذلك أحبوا سفيان وكرهوا زينة في المسلسل.

شخصية أخرى لاقت نقدا شديدا طيلة الحلقات شخصية «صوفي» (مريم بوقديدة) التي تعمل بائعة هوى، حضورها في المسلسل سبب نقدا شديدا للعمل والشخصية «لا تمت لمجتمعنا، مستحيل أن يكون في تونس مثل هذه الشخصيات» بينما شخصية بدر لاقت إعجابا جماهيريا ونجاحا كبيرا رغم أن» الشخصية في المسلسل سرقت وقتلت وتاجرت بالممنوعات ومارست كل الأعمال أللأخلاقية حسب أحكام البعض لكن الشخصية نجحت فقط لان بيرم «رجل» وله كامل الحرية في فعل ما يريد.

الصراع المجتمعي بين الرجل والمرأة وصراع الحقوق والممارسات جميعها تحضر في المسلسل لنقد ظواهر في المجتمع التونسي، وتنقد النظرة الدونية للمرأة حين تخطئ مقابل المساندة التامة للرجل، في المسلسل كشف لزيف عبارات «الحقوق والحريات» وانها مجرد حبر لانّ التونسي لازال يرفض تطبيقها والاعتراف بها، فالمسلسل ينقد كل مظاهر التمييز مؤكدا أن المرأة والرجل كلاهما إنسان يمكن أن يخطئ ووحده القانون يكون الفيصل.

وحيدة الدريدي ممثلة شامخة
ممثلة متميزة، لتعابير وجهها آلاف القصص والحكايات، نظراتها تختزل وجع الأولين واللاحقين، ابتسامتها تعطي شحنة من الحب لمزيد المشاهدة، هي الممثلة الهادئة والجميلة وحيدة الدريدي التي جسّدت دور «مفيدة» الشخصية البارزة التي رافقت متابعي المسلسل لخمسة أعوام، مفيدة القوية والضعيفة؟، مفيدة رمز للمرأة بكل عنفوانها، هي الأم التي سعت لحماية أبنائها الثلاثة وهي العاملة والحالمة، المرأة التي لا تعرف الكلل ولا الممل دائمة السعي لتخدم أبناءها، مفيدة المرأة القوية، مفيدة التي تضعف أمام عشقها وكلما تذكرت لحظات الحب رسمت ابتسامة الرضا والأمل على محياها الشخصية أتقنتها جيدا الممثلة وحيدة الدريدي.

وحيدة الشامخة كما النخيل تلك العاشقة للتمثيل، التونسية الجميلة والمثقفة المحبة المسرح والفنون، الممثلة المتلونة والقادرة على دفع المشاهد ليبكي ويضحك في المشهد ذاته، ممثلة متمكنة من أدائها ومن أدوارها، شخصية «مفيدة» في المسلسل جزء أساسي في الأحداث، الممثلة أتقنت انفعالات الشخصية النفسية والفكرية، الشخصية الهادئة حينا والثائرة كما اللبؤة كلما تعرض أولادها لخطر ما، ذكية ومختلفة، شخصية مفيدة أبكت متابعي الحلقة الأخيرة من المسلسل وربما تلك الصرخة الملتاعة لفقدان أبنائها هي الأكثر صدقا لأنها صرخة امّ ثكلت ابنائها، مشهد موجع أبدعت وحيدة في إيصاله للمشاهد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا