مسلسل «27» ليسري بوعصيدة: «إنما الأعمال بالنّيات، وليس الإبداع بالنّيات»...

«لا يمكن الحكم على مسلسل من حلقاته الاولى» هي اكثر الجمل تداولا من قبل منجزي الاعمال الدرامية لرمضان 2020،

ها قد انتهى النصف الأول وانتهت معه الحلقات الخمس عشرة للمسلسلات، ومن الأعمال التي سبق وان وقع الاطناب في الحديث عنها المسلسل الذي يكرم الجيش الوطني، «27» سيناريو واخراج يسري بوعصيدة.
مسلسل «27» انتظر التونسيين احداثه علّه يوفي شهداء الوطن حقّهم، وكانت نية صاحب العمل تقديم عمل يكرم الجيش الوطني فوجدنا أنفسنا أمام أحداث بطيئة وحوار جدّ بسيط ومفرغ وسيناريو ضعيف فقط ممثلون ارتجلوا ليقنعوا متابعي الدراما وما يحسب للمسلسل الموسيقى التصويرية التي أبدع في صناعة نوتاتها الفنان الطاهر القيزاني والمشاهد الحقيقية التي ساهم فيها جيش البرّ وفيلق القوات الخاصة للجيش الوطني وجيش الطيران.

ما هكذا يكرم الجيش الوطني؟
انتهت حلقات مسلسل 27 ليسري بوعصدية، فما الذي علق في الذاكرة، «لا شيء» بالفعل لم يبق بالذاكرة شيء من مسلسل قيل انّه سيكرم الجيش الوطني، في المسلسل، الفرقة 27 أكثر الفرق قوة وجرأة الفرقة التي اختارها القائد الاعلى للقوات المسلحة نجدها جدّ انهزامية، تحركاتها اعتباطية وعشوائية، لا تدرس المعلومات التي تصل إلى الاستعلامات وتقوم بعمليات مداهمة دون تثبت من المعلومات مما جعل كل مداهماتها تبوء بالفشل وعوض إيجاد السلاح تكون النتيجة صناديق من «الفول المصري».
في المقابل نجد المهربين حمادي احمد «هشام رستم» و فيليب «اكرام عزوز» يمدان الإرهابيين بمعلومات جد دقيقة تجعل تحركاتهم أكثر دقة ويصلون إلى الهدف مباشرة على غرار «ايصال صناديق السلاح إلى الجبل وتجاوز الحرس والجيش مستعملين سذاجة السائق» أو «اغتيال النقيب زياد في بيت احد الارهابيين بعد ان قدموا السلاح لزوجته» وتضليل الفرقة 27 حول وجود شاحنة تحمل السلاح إلى الجبل، تتربصها الفرقة لتكون النتيجة فول مصري مرة أخرى وفي الوقت ذاته كشف العميل روبرتا المزروع في بيت فيليب» فهل أصبح التفكير الارهابي وطريقة عمل المهربين أكثر وضوحا من الفرقة 27؟ وهل الحرب تكون فيها الغلبة دائما للتكفيريين؟ وهل أن الفرقة الأقوى نجدها في المسلسل تعمل دون استراتجية عمل واضحة ومحددة؟.
مسلسل27 قالوا أنهم سيكرم الجيش الوطني، فأتى بعناصر منهزمة، خائفة دائما يسبقها الإرهابيون بخطوة وفكرة وما هكذا يكرم الجيش الوطني.

«انتظرنا مسلسلا مزلزلا فكان سطحيا»
مسلسل27 لم يقدم للتونسيين الصورة التي يريدونها عن الجيش التونسي، المسلسل لم يقدم بطولات الجيش ولا قوته ولا انضباطه «صقر ديما متأخر؟» كما جاء في النص، و «أنا متاع إعلامية موش مداهمات وسلاح» و»يظهرلي لا فلحت في تدريبات ولا ضمار»كما يقول احد أبناء الفرقة؟،و «صقر تتوفر فيه كل شروط النجاح، لكن ينقصه حبّ البلاد» كما يقول العميد (علي لخميري) وحتى انتماء صقر للفرقة سببه الرغبة في الانتقام لصديقة لا حبّ البلاد.
مسلسل27 الذي قيل انه سيكرم الجيش الوطني يبدو انّه أساء للجيش من الصور الانهزامية التي قدّمت، فالمشاهد التونسي وبعد عبارة « تحية إكبار وإجلال لجيشنا الوطني وهدية لأرواح لشهدائنا الزكية» انتظر مسلسلا يزلزل، انتظر مشاهد قوية تنحاز للجيش وبطولاته، انتظر أفرادا يكونون جد مميزين تتوفر في ملامحهم القوة والانضباط وحب العلم، انتظر مشاهد المداهمات والمعارك التي تكون فيها الغلبة للجيش لا للتكفيريين، انتظر متابعو الدراما مسلسل أحداثه تربك من سيشاهده من التكفيريين وتشعر المواطنين بالفخر لان لتونس جيش بتلك القوة والمميزات.
أحداث «هنشير التبروري» أرادها المشاهد أن تكون انتقاما لما حدث في «هنشير التلة» وان كان افتراضيا، ليجد المشاهد نفسه أمام أحداث بطيئة وخطوات غير مدروسة وقرارات ارتجالية وحوار سطحي لا يمكن أن يوفي شهداء الوطن حقهم، وكان بالإمكان تمرير صور شهداء الجيش الوطني نهاية كل حلقة للتذكير ببطولات من سالت دماءهم الزكية لأجل استقرار تونس.

الإعلام يصنع الرأي العام
للمشهد الإعلامي تأثيره في الحياة السياسية فالمشهد الإعلامي يصنع الراي العام، يوجه الشعب إلى حيث يريد السياسيون، في مسلسل 27 يظهر القوة الناعمة والخفية التي يلعبها الإعلام والصحافة في توجيه الشعب والتأثير فيه، من خلال حضور للصحفي والإعلامي شاكر بسباس، فاغلب المنابر الحوارية التي جمعت طرفين مختلفي التفكير، الأول شريف التونسي (الطاهر القيزاني) يدافع عن الشعب والثاني منوبي لحمر(يسري بوعصيدة) يدافع عن التكفيريين والمهربين بطريقة غير مباشرة (نحن نحارب الفساد والفاسدين، الفساد غول يتربص بالدولة).
في المنبر التلفزي يكون حيز الوقت الأكثر لمن يدافع عن المهربين، نجده متمكنا من المعلومات ومصادرها وأكثر جرأة من الطرف الثاني، في المسلسل أيضا الصحفي الاستقصائي «ناجي» يوجه الراي العام كما يريد، ومن خلال حضوره وصفحات الفايسبوك يؤلب التونسيين على «النقيب زياد» و الفرقة 27 يتهمونها بقتل المواطنين عمدا وتهم عديدة تضع الفرقة في موضع الخاسر، وهنا يكشف المسلسل عن قدرة الاعلام على تغيير المشهد المجتمعي وقدرته على توجيه الراي العام وصناعة أبطال من العدم، والانحياز للمخطئ وتقديمه في صورة البطل، فالإعلام رديف الفعل السياسي، والإعلام قادر على معاضدة الدولة في محاربة الفساد إن أراد صانعوه ذلك.

أمير الدريدي : زياد الشخصية الأحب لجمهور «27»
النقيب زياد، الشخصية الأبرز في مسلسل 27، النقيب زياد شخصية جسدها الممثل أمير الدريدي، شخصية العسكري المحب لوطنه والراغب في افتدائه بروحه، زياد شخصية تتوفر فيها كل مقومات النجاح المهنى والعائلي أيضا، زياد المتحمل لمسؤولية دراسة شقيقاته والاهتمام بهنّ وبوالده المريض، شخصية زياد بدت متكاملة، شخصية تعاطف معها المشاهدون للمسلسل وربما مشهد الاستشهاد كان الأكثر قوة في العمل، لانّ النقيب خيّر الموت لحماية طفل صغير، أمير الدريدي بدا ملمّا بتفاصيل الشخصية النفسية، درسها جيدا وأوصل مشاعر الشهامة و الجرأة لمتابعي المسلسل.

طارق المناعي نجح في شخصية صقر
نجح الممثل طارق المناعي في تقمص الشخصية، الشخصية الصامتة القليلة الكلام، بنيته الجسدية ساعدت على تصديق انه من الفرقة الخاصة للجيش، طارق المناعي اتقن الدور جيدا ومسك بتفاصيل شخصية «صقر» فكان الاسم على مسمى، الصقر لا يخطئ الهدف وفي الحلقات الثلاث الاخيرة التي انتمى فيها الى الفرقة27 نجده لم يخطئ هدفه وكل رصاصة خرجت من سلاحه تصيب مباشرة الهدف، شخصية صقر قليلة الكلام لكن يسكنها بركان داخلي تمكن طارق المناعي من إيصالها إلى المتفرج من خلال نظرات الخوف والوجع والقوة التي يوصلها الى المشاهد.

امال علوان مبدعة ومقنعة
تحية الى امّ الشهيد، تحية إلى من ربّت ابنها على حب الوطن وعلمته منذ النعومة انّ تونس اغلى من العائلة وان الدفاع عنها كما دفاعه عن أمه، امّ الشهيد شخصية أتقنتها الممثلة آمال علوان، آمال أبكت الكثيرين بعد استشهاد ابنها لنجدها تنهض بسرعة لتشجع زملائه على مزيد العمل والولاء بالوطن، في المسلسل تبقى امّ الشهيد وحيدة تحتار في رزق عائلتها، مشهد ربما يدفع للسؤال عن حقوق شهداء الوطن؟ هل تهتمّ الدولة لعائلاتهم؟ وتراعيهم؟.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا