مسلسل قلب الذيب ضمن الدراما الرمضانية: تجربة متسرعة في الأعمال الدرامية التاريخية

«قلب الذيب» المسلسل الذي أثار ضجة، وبيع مرتين وشهد خلافا وصل الى المحكمة، المسلسل الذي أسال الحبر والاسئلة، المسلسل الذي قال مخرجه

انه فانتازيا تاريخية تتحدث عن المقاومة التونسية اثناء الاستعمار الفرنسي، ثمّ كتب في الجينيريك ان «أحداث هذا المسلسل من وحي الخيال ولا يمت للواقع» وفي الوقت ذاته يقع الحديث عن المنصف باي والفلاقة وضرورة استقلال تونس.
«قلب الذيب» الذي اقتنته التلفزة التونسية ليبث في النصف الاول من شهر رمضان، مسلسل لقي الكثير من النقد منذ حلقاته الاولى خاصة فيما يتعلق بالأحداث التاريخية وصورة الفلاقة في الجبل، وما يحسب للعمل نجاح الممثلين في تقمص الشخصيات والإقناع مع الموسيقى التصويرية والأغاني التي ترافق الاحداث.

صورة انهزامية للفلاقة
«الفلاقة» تلك الكلمة التي يرى فيها الكثير من التونسيين الجرأة والشجاعة، ويرى اخرون انها لا تعطي حقّ من صعدوا الجبال لمقاومة المستعمر الفرنسي حقه، عن «الفلاقة» و المقاومة في الجبال اختار بسام الحمراوي إنجاز عمله الدرامي الاوّل، المسلسل يحمل اسم «قلب الذيب» وهي عبارة من الدارجة التونسية وتحيل الى الشجاعة والجرأة والقوة، العنوان من المفروض ان يحيل الى شجاعة من اتخذوا الجبال مستقرا ليدافعوا عن الارض والوطن.

من الحلقة الاولى الى الثالثة عشرة، الخط الدرامي تصاعد بنسق بطيء، واغلب متابعي المسلسل علّقوا على اساءته للحركة الوطنية وللفلاقة، فبطل المسلسل «الحبيب» (بسام الحمراوي) لم يصعد إلى الجبل اختيارا وقناعة بضرورة الدفاع عن تونس بحمل السلاح وانّما اضطرّ الى ذلك هربا من العسكر الفرنسي بعد ان هاجم الجنود اثناء اعدام والده، صعد للجبل هروبا ليصبح صاحب القرار في المجموعة الرابضة في الجبل.

الجبل لم يختره «المنوبي» (مراد بن نافلة) ولا «الهادي» (عزيز الجبالي) بل أنهما اضطرا الى ذلك فالأول «ورقة تحرقت لدى الحزب» والثاني قتل «سي الشاذلي» وخوفا من السلطات الفرنسية هرّب الى الجبل «لست منهم، لا أعرفهم لم استطع التأقلم» كما جاء في حوار بين الهادي وجنينة، وكأنّ المقاومة ورفع السلاح لم تكن عن قناعة بل باتت اضطرارا للمحافظة على الحياة الذاتية لا الدفاع عن الارض.

في الجبل بدا «الفلاقة» في وضع المهزومين، فاغلب حواراتهم تدور في فلك الخوف واليأس وعوض ان يقدم قائدهم رسائل القوة الى المجموعة ويشجعهم على التمسك بالحق في تونس نجده يعبر عن خوفه علنا «وخي الكلنا خايفين»،رسائل انهزامية في الخطاب والفعل فاغلبهم لقوا حتفهم بالرصاص الفرنسي وسقطوا مع اول رصاصة أطلقت وكأننا بكاتب السيناريو يريد ان يسوّق لصورة انهزامية للفلاقة ويؤكد على ضعفهم وخوفهم من المستعمر الفرنسي وهو ما اعتبره المتابعون للمسلسل «تشويها لصورة الفلاقة وتضحياتهم».

في مسلسل «قلب الذيب» ظهر رجال المقاومة بقلوب «دجاج» سرعان ما تخيفهم اصوات الرصاص ليتساقطوا كأوراق الخريف، ولم يستطيعوا الصمود واستطاع الجنود حصد ارواحهم بسرعة بينما نجد في مسلسل «الزعيمان اللييبي» للمخرج اسامة رزق كتيبة صغيرة من المجاهدين المرابضين في الجبل سببت شروخا وهزائم كبيرة في الجيش الايطالي بعتاده وقوته، وسبب انتصارهم «الدفاع عن ليبيا الدفاع عن الام والارض « و الاقتناع بالآية القرآنية «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ» (البقرةاية146)، وفي مسلسل «الاختيار» المصري للمخرج بيتر ميمي نجد كتيبة متكونة من عدد قليل من الجنود تنتصر على عدد كبير من الارهابيين فقط لإيمانهم بالوطن وحقّهم في ارضهم بينما «فلاقة» تونس انهزاميون وهي صورة مشوّهة تقزّم نضالات من اختاروا السلاح على الحوار.

هنّ ملح الارض
سيدات الارض والفكرة، الحالمات الكادحات، هنّ ملح الارض زادها ونورها وبريقها، نساء تونس وعبر الازمان كنّ عنوان للقوة والجرأة، في «قلب الذيب» النساء كن دليلا للقوة في العمل، فالمرأة في المسلسل كانت قوية ومشاكسة، كنّ فاعلات رغم الازمة والاستعمار، في المسلسل المرأة هي الارض هي الام «العكري» (دليلة مفتاحي) التي شجعت ابنها ليصعد الجبل وكانت سنده وداعمه الاول ووفرت للمقاومين المئونة وتحدت خطر عيون الفرنسيين وجنودهم لتوصل الزاد الى المقاومين في الجبل.

المرأة هي الصادقة والمحبة التي عاهدت نفسها على الوفاء وقتلت جاسوس العسكر الفرنسي لتحمي والدها وتحمي حبيبها في الجبل من خطر الاعتقال، هي «حبيبة» (سماح السنكري) عنوان للمرأة الوفية للحب والعهد، شخصية حبيبة التي اتقنتها الممثلة سماح السنكري، حبيبة العاشقة والخائفة، المرأة التي غلبتها مشاعر الوفاء والقلب على العقل والحكمة واختارت الخطر والالتزام بالعهد ( للحبيب)على العيش في كنف زوج محب يعمل لصالح فرنسا.

المرأة هي ابنة الحزب المؤمنة بتونس والمدافعة عن فكرة استقلالها، المغنية التي حولت بيتها الى فضاء لاجتماع ابناء الحزب ووضعت نفسها وبيتها ومكان عملها في خدمة تونس، شخصية «وسيلة» المغنية والراقصة التي كانت زاد للمقاومة وسندها.
المرأة هي المتعلمة التي اختارت العلم منهاجا واستطاعت النجاح وفرض ذاتها ومهاراتها رغم تضييق السلطات الفرنسية، هي شخصية «جنينية» التي تعلمت في مدارس فرنسية لكنها لازالت تؤمن ان الارض للتونسيين والوطن لابنائه، شخصية جنينية ترمز الى المرأة التونسية التي خاضت طريق العلم ربما اختيار الممثلة لم يكن ناجحا فمنتجة المسلسل جسدت الشخصية، لكن الشخصية رمزت الى المرأة التونسية المتعلمة والقادرة على النجاح في مسار مهني شاق.

عودة عيسى حراث تبهج متابعي الدراما
عنوان للهيبة والوقار والشموخ والرجولة، رؤيته تعطي البهجة للمتفرج، له كاريزما عجيبة، تحبه الكاميرا وتشده إليه المشاهدين، الكبير عيسى حراث يعود الى دراما رمضان في مسلسل «قلب الذيب» وشخصية «المؤدب» الذي يعلم الاطفال القراءة وينزع عنهم الجهل، عيسى حراث مقنع دائما، وتمكن من تفاصيل الشخصية وانفعالاتها، لنظرته قوة تزعزع المتفرج وتشده إليها عيسى حراث نقطة مضيئة في المسلسل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا