الفن التشكيلي زمن الحجر: هل أتاك صوت من صنع من الأزمة ابداعا ؟

«الرسم طريقة أخرى لكتابة المذكرات، الرسم طريقة أخرى لنقل تفاصيل الواقع وجزئيات اليومي من خلال الريشة التي تصادق

اللون لتغوص في خبايا نفس الفنان وتخرج ما يسكنه على اللوحة البيضاء، وفي فترة الحجر الصحي أصبح الفن التشكيلي وسيلة للتعبير عن هذه الأزمة فكانت اللوحات معبرة عن «الكوفيد19» وكيف يقاوم الفنان التشكيلي من بيته فكرة الحجر».
«شد دارك» و «اقعد في حوشك» و «ابقى في بيتك» و»الزم بيتك»جميعها الشعارات التي ترافق اغلب اللوحات التشكيلية التي أنتجها فنانين من كل الدول العربية، فنانين على غرار شهلة سومر وسحر الشتيوي وحسين مصدق من تونس ونبيل علي من العراق ومحمد بن لمين من ليبيا وعماد عبد الوهاب ومي عبد الناصر من مصر حوّلوا الحجر إلى لوحات عبّرت عن الأزمة لوحات راوحت بين الألم والأمل.

أزمة «الكورونا» وجع المجموعة ينقله الفنان
الفن التشكيلي هو خلق الحياة من العدم، عملية دمج الفكرة مع اللون وحركة الريشة تعطي الحياة في اللوح الأبيض الصامت، الفنان التشكيلي ابن محيطه وواقعه وليس بمعزل عما يعيشه كل العام، وأزمة «كورونا» أثرت في الفنانين التشكيليين ودفعتهم للرسم ليعبروا عما يخالجهم، وباتت الأعمال تعبيرة عما يعايشونه.
أزمة «الكورونا» خلقت حالة من الخوف والهلع عند جميع متساكني البسيطة تقريبا، أزمة دفعت الكثيرين للصراخ الداخلي كتعبيرة عن الخوف ومن هذه الصرخات تولدت شحنة الرسم لدى الفنانة التشكيلية سحر الشتيوي فقدمت لوحة مليئة بمشاعر الخوف لوحة ميزتها الألوان الحارة مثل الأسود والأحمر والأزرق الداكن، في اللوحة صورة لإنسان فاغر الفاه وتموّجات اللّون تبدوا كأنها صدى صوت الصرخة التي يطلقها، عن لوحتها تقول الفنانة «للمغرب»، «اللوحة ترجمان لأحاسيس الفنان، و ما يعيشه يرتسم بريشته كأنه يخلد اللحظات بالالوان بدل الحبر، فكانت لوحتى ترجمانا لما اشعر به منذ بدئ انتشار فيروس كورونا بتونس ، فان عبرت لوحة الصرخة الأصلية للفنان (ادفارت مونك) عن معاني الخوف و الفزع من الحداثة فان لوحتى بدورها جسدت ذلك و لكن فزع من وجه آخر للحداثة».

الخوف زمن الكورونا ومحاولة دفع الناس إلى الالتزام بالحجر الصحي نجده في لوحة الفنان الليبي محمد بن لمين من ليبيا، الفنان في لوحته نقل صورة ثلاث رجال باللباس التقليدي الليبي، خلفية اللوحة اللون الأسود، الشاشية حمراء اللون مع القليل من الأزرق وصوّر الرئتين منا النيران المشتعلة وربما هي محاولة لنقل تأثير الفيروس على رئتي المصاب، الألوان الحارة تحفّز الذاكرة البصرية للمتأمل وتدعوه حتما للالتزام و «اقعد في حوشك» كما كتب الفنان على لوحته.

اختلفت الألوان، تشابكت حدّ التماهي، بعضها ألوان حارة وأخرى زاهية، تشابكت الخطوط أيضا في لوحة الفنانة التونسية شهلة سومر، لوحة بعنوان «انطواء»وهي حالة فنية يعيشها الفنان التشكيلي قبل عملية خلقه للوحة جديدة، في انطواء شهلة سومر تتساءل الفنانة «من يواجه من؟ من على هذه الأرض يسوق من؟من العبد و من الجلاد؟ هل لازال حب البقاء

يفترض الصراعات؟ و هلاّ اتسع الكون للجميع؟ « وتضيف انّ انطواء لوحه تعبر عن حالة نفسيه لإنسان يختبئ تحت جلده في عزلة قاسيه، خسر قبلها معركة غير متكافئة، هو الذي يريد أن يرى ما لا يّرى، اعتكف خوفا و خشية و ليس حبا و روحانية، هي هدنة للإنسان أن يعي ان للأرض أقفال و للسماء مفاتيح.


الكوفيد19 اجبر الجميع على ملازمة البيت، المدن باتت شبه خالية، الحركة قلّت وهدئ الضجيج فقط صوت الخوف الداخلي من أخبار الفيروس ورائحة الموت المتصاعدة تملئ الأمكنة،ولمقاومة الوحدة والأزمة انهمك في الرسم مثل أقرانه من الفنانين الشكيليين، حسين مصدق يقول عن المدينة الغارقة في الصمت التي رسمها في لوحته «المدينة تنهكها الحيرة والترقب، فهذا زمن للخوف الحقيقي والهلع، زمن لتفشي الوباء المتراكم من سنوات ويظهر الآن في شكل فيروس مصنع ينتشر بسرعة الضوء ويستهدف الكل فلا فرق ببن فقير وغني، «كورونا» متهورة تصنع عدالة الخوف والموت بين الجميع» وفي لوحته ينتشر الأصفر بتدرجاته، لون الخوف والأرق يوزّعه الفنان بشكل جليّ في لوحته لتحاكي حالته النفسية وحالة الحجر زمن الكورونا.

الفن أمل والريشة تحمل النور إلى الإنسان
الفن سلاح الفنان لينثر تباشير الجمال، الفن وسيلة للفنان لينقد الواقع ويدعوا المجموعة لمقاومة الأزمة والخوف فالفن ترياق ضدّ الأزمات، من السخرية تولد أجمل الإبداعات، الفنان المصري المقيم بالكويت عماد عبد الوهاب اختار السخرية كتعبيرة فنية عبّر بها عن أزمة الكورونا، لوحة بعنوان «كوفيد19» تجسد وجه امرأة مع الكثير من الألوان الهادئة مثل الأبيض والبنفسجي لوحة هي «حالة استهجان قوية للعالم» كما وصفها الفنان الذي أكد انّ فترة الحجر بمثابة فرصة لكتابة مذكراته اليومية من خلال الرسم.

المرأة عنوان للحياة، من رحمها تولد الإنسانية ولانّ المرأة هي الوطن والأرض اختارتها الفنانة المصرية مي عبد الواحد لتكون حامل الأمل ضدّ فيروس الكورونا، في اللوحة امرأة تتوسط هالة من اللون الأحمر، وسط الحمرة المخيفة تستطيع المرأة أن تحوّل «الفيروس» إلى كرات زرقاء جميلة وكان بالفنانة هنا تقول انّ المرأة مصدر الحياة الأبدي.
من مصر إلى العراق مع لوحة تنشر الكثير من الأمل، في اللوحة يركز الفنان نبيل علي على التفاصيل، اللون الأبيض عنوان السلم والهدوء ينتشر كامل اللوحة التي رسم فيها طفل بجناحي ملاك يضع كمامة زرقاء ويقف فوق سحابة شديدة البياض، مجرد النظر إلى اللوحة يبعث في الذاكرة البصرية للمتأمل الكثير من الهدوء النفسي وتلك رسالة الفنان في عمله فالفن حسب نبيل علي وسيلته للبقاء والفنّ أيضا بقاء وخلود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا