تجربة الفنان التشكيلي حسين مصدق: حلمك ليس له تاريخ انتهاء، خذ نفسا عميقا وحاول مرة أخرى

فنان متمرد وثائر عن الموجود والسائد، عرف بمواقفه الصارمة في دفاعه عن الفن والفنانين، ينتمى إلى مدرسة الحرية والدفاع عن الفنّ بكل تلويناته،

عاشق للرسم والكاليغرافي ويؤمن بأن اللوحة رسالة والفنان التشكيلي صاحب هدف رسالته الدفاع عن الإنسان بالرسم، حسين مصدق نقيب الفنانين التشكيليين عاشق الغموض في الرسم والطفولي جدا أثناء تعامله مع الورقة البيضاء أمامه، فنان صنع لنفسه مسيرة فنية تميزه وتجربة تشكيلية ثرية جمعت الرسم بالنقد.
الجنوبي الهوى ابن غمراسن حسين مصدق الطفل أثناء اللعب بالريشة واللون يكتسح البياض ويخوض مغامرة اكتشاف تجارب تشكيلية أخرى تلتحم مع أفكاره ورؤيته للمرأة وللمكان وللقضايا العالمية فتبدع أنامله لوحات ميزتها الألوان الحارة كأنها صرخات الحرية الأبدية.
المكان عنوان للطفولة
تتحرك الريشة بكل هدوء، وهو يصنع لنفسه عالما مختلفا في الرسم، إذ يرسم في كل مكان، في الحافلة ذات مرة جلس لسويعات في آخر كرسيّ، أمسك بالورق الأبيض وكانت حذوه الألوان وانهمك في خطّ شيء ما، ربما هو يكتب وبعد ساعات وقبل نهاية الرحلة اتضح انه كان يرسم، يحرك الريشة بكل هدوء يصنع تفاصيل لوحته قبل المرور إلى لوحة الألوان رفيقته المرافقة له أينما حلّ وفي كل ترحاله.
للمكان أهميته في أعمال حسين مصدق، المكان هو الذاكرة هو الطفولة هو متنفسه كلما شعر باختناق القضايا وكثرة أوجاع الوطن،ويتفرد في الرسم بأسلوب مختلف عن المعتاد، فهو يلاعب الطفل داخله أثناء الرسم، يختار مفردات مختلفة وواضحة، لوحاته تبدأ بخطوط متنافرة ومتناثرة كتلك التي يرسمها الطفل أثناء اللعب، يرسم بعفوية حتى ينقل ما حوله بكل تجريد، ميزته قوة الذاكرة البصرية والذهنية التي جعلت تفاصيل أمكنة الطفولة راسخة في مفكرته، يلاعبها ويشاكسها كطفل يأبى ان يكبر كلما ضاقت جدران المدن العالية.
عن حضور المكان في لوحات حسين مصدق كتب الهادي مجدوب ان التعبيرية الرمزية الحديثة التي يعمل على بنائها من خلال أناشيده البصرية المتوهجة بعبق الذاكرة النقية للبيوت وساكنيها والتي تغوص إلى أعماق الزمان المخبّإ في حضرة المكان المسربل بأقصى أطياف الشعور الوجودي الموثق في قسمات الوجوه الصامدة في طقس الانتظار العبثي الطويل الباحث عن أمل لا يتوقف ونوافذ مشرعة للحنين وأبواب المكان التي تنتظر القادمين لإشعال طقس المحبة .
للمكان تأثير في لوحاته، فاغلبها تحضر فيها بعض الخطوط والتقاطعات التي تحيل المتفرج على القصور الصحراوية، فهو ابن غمراسن وللقصور الصحراوية بأشكالها الدائرية وتدرجاتها وارتفاعاتها حضور في اللوحات التشكيلية التي تصنعها أنامل فنان اختار الرسم منذ النعومة ليكون صوته.
«المكان هو الذاكرة هو بداية اللوحة قبل أن يغير تفاصيلها أثناء الرسم، المكان خطوط متقاطعة ودوائر تجتمع تتكاتف لتصنع عوالم الرسام على الورق الأبيض، عن علاقته بالمكان يقول حسين مصدق «من عاداتي السيئة أنني قد أرتهن وأتعود بسرعة على الأماكن التي ارتادها لتتحول إلى حالات حميمية مطلقة تشتهيني واشتهيها، كذلك هي تلك الأماكن الدافئة والأحضان السخية بالحب تورطنا ونعتادها حتى يكتسحنا الحنين حين تغادرنا أو نغادرها» لهذا السبب قد يكثر من استعمال اللون الأحمر والبني وكلاهما يدلان على الهدوء والحميمية.
المراة سيدة الذاكرة والامل
هي سيدة اللوحة، المتربعة على عرش قلب الرسام ورسوماته، المرأة عنوان لحركة الريشة الهادئة وأفكار وذكريات تخزنها ذاكرته لترسمها في أبهى حلة، ميزة حسين مصدق انه يحطم القواعد الاكاديمية في الرسم حسب تعبيره، المرأة في لوحاته جميلة لكنها لم ترسم بالطريقة التقليدية فهو يمطط الوجه ليصبح طويلا جدّا، أحيانا تكون العينان اكبر من نصف اللوحة، ومرات يبرز الفم ويصغّر بقية تفاصيل الوجه، الوجه زينته خطوط ملوّنة، هكذا يرسم المرأة وبكل الخطوط والألوان تكون الصورة مميزة تعكس روح صاحبها وأفكاره، كانّ اللوحة محاولة لسكب كل الذكريات على البياض، الذكريات الموجعة والمفرحة، الذكريات التي تصبح خزان حركة الرسام وصوت ريشته ولونه:
«تفاصيل الذكريات
المتراكمة،
تتعبك
تشتهي ان تقف،
مقلوبا على راسك
كي تقع الذكريات
وتنسكب على القاع
لتتعب أكثر،
وانت تدقق
بعينيك
في التفاصيل»
لوحاته عن المرأة حصيلة رحلة أعوام من التجربة، سنوات من دراسة الفكرة قبل تطبيقها ،»رحلة مختلفة تجريبا حينا على مستوى الموضوع والتقنيات ، و رسم ما بدواخل النفس والذاكرة حينا آخر و«قد تثير قتامة ألواني ووجوه الشخوص الحزينة التي ستنجد في صمت قاتل شتى الانفعالات والأحاسيس لدى الواقف أمام أعمالي و المتأمل فيها وقد ينزعج الآخرون أكثر من تحطيمي لبعض قواعد فن التصوير الأكاديمي» هكذا يتحدث حسين مصدق عن اختلافه، عن بحثه عن تقديم المختلف الذي يمثله في الحركة الفنية التشكيلية.
المرأة تحضر بقوة في الذاكرة وفي اللوحة، المرأة صور موشاة بألوان زاهية، أحيانا توجد مسحة حزن لكنها في الأغلب تكون عنوانا للأمل فالمرأة بالنسبة للفنان كائن مقدس هي شحنة للحب وبعث كل جديد، إليها يرسم لأنها «مالكة لكل مفاتيح الحياة التي نتألم ونشقى للفوز بها ، أنت الحب والأرض والوطن ،أنت الانسان، اليهن، لأولئك المناضلات الشريفات الشامخات، بهارات الأرض والحب والحياة ارسم وأشاكس اللون والريشة».
الفنان ابن بيئته
حسين مصدق فنان ملتزم بقضايا وطنه والقضايا العالمية، الرسم لديه رسالة وهو صوته وصوت كل الحالمين، لا يرسم لمجرد المتعة بل يرسم لينقل اوجاع الوطن وأثقال المواطنين، إنه ملتزم بالفن وينحاز الى الطبقات المهمشة، ريشته سلاحه ليصرخ صدّ الديكتاتورية وكل النظم الظالمة، فالفن ومنذ بداياته كان وسيلته لكتابة ثورته المختلفة عن السائد لذلك ثار على طريق الرسم التقليدي وجعل لنفسه بصمته الخاصة في طريقة الرسم والتعبير.


..فنان يسكنه وجع الآخرين، يتقمص أحلامهم وأوجاعهم ليعيش حالة التأمل قبل أن يحولها إلى لوحة فنية تضجّ بالألوان الحارة والحركات الصاخبة التي تدفع مشاهدها إلى طرح العديد من الأسئلة « فالوجع الساكن في نوافذي و المطل من لوحاتي ، يشكل تعبيري التشكيلي في كل تنوعاته و تلاوينه على ما يعانيه الإنسان المعاصر في رحلته المستمرة في التراب و الماء باحثا عن سبيل للإنعتاق من إرهاصات العولمة و ما ابتكرته من نماذج غريبة علينا ألقت بنا في دروب الاغتراب و التيه والضياع» كما يقول حسين مصدق.
في أعماله تجد أنك تتجول بين الأفكار المتمردة والآراء الخانعة، في لوحاته تعيش الأفكار الحالمة إلى جانب الأفكار المهزومة، تطعمها نفس الفضاءات وفي نفس الأزمنة، الوجع الجماعي يطعّمه بقليل من وجع ذاتي ومسحة فنية منفردة تتكاثف وتتلاحم لتنجز عملا فنيا تشكيليا يحضر فيه الرسم الزيتي إلى جانب الكولاج والكاليكرافي أحيانا فكل التقنيات مباحة للحديث عن هاجس الإنسان المعاصر ومشاكل الإنسان عموما.
لحسين مصدق طريقته في التعبير، له نظرته المختلفة للوحة لحركة الخط ولتدرجات اللون وطريقة التعبير، يقول مصدق عن الكم الهائل من الوجع المخبّإ داخله تجاه قضايا الإنسان وآلامه «عندما نختصر ونزهد في باليتتة الالوان التي نستعمل. ننشغل، نبني ونراكم داخل فضاء اللوحة تلك الوجوه التي تراقبنا ونراقبها.. نتحسس فرحها، حزنها، يأسها وتطلعها، فراغ أتلمسه لانكمش ككومة قطن بيضاء، كالباحث في هشيم القش على شعرة حقيقية فتتلوث أصابعي وأنا انكمش على كل ذاك البياض، انغمس أكثر وأكثر سابحا في كومة البياض التي ترتد بسرعة كحجم جرم سماوي ينطلق في الفراغ، تساءلت وأنا أشاكس كل بياض هذا السراب ، كيف لطفل يتكور في رحم الحقيقة الشاسعة والمنطلقة أن يكون خارج هذه المسارب في لحظة ما» هكذا يصف نفسه وينقل حيرته امام بياض اللوحة التي سيملؤها خطوطا وحكايات وقصصا عن الانسان وعن الوطن، عن الثورة والأحلام والامال، عن الفنان التشكيلي ومعاناته ووجعه، وجع اللوحة يصبح معها اللون صدى لخفقات قلب فنان عشق الفن التشكيلي واختاره مسارا للحياة ليدافع به عن الفنان التشكيلي امام تجاهل الدولة لمبدعيها.

الفنان في اسطر
حسين مصدق فنان تشكيلي تونسي. ولد في (ماي) عام 1968 في مدينة غمراسن بالجنوب التونسي، درس الفنون الجميلة في سوريا وينشط في المشهد التشكيلي العربي حيث يقدم تجارب حديثة في اختصاصه، ويرتبط بشكل كبير بمناخاته الشرقية التي تبرز جلية في ما يقدمه من أعمال في معارضة المتعددة. كما يكتب مقالات نقدية متخصصة في الفنون البصرية. يتميز بتعدد المواهب إذ أنه إلى جانب الرسم له تجارب في التصوير الفوتوغرافي والإخراج والتصميم الغرافيكي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا