مسرح الجهات: مسرحية الرحلة اخراج حاتم مرعوب المسرح يسائل الثورات العربية عن حقوق الطفل

مسرح الطفل التزام بقضايا الوطن والانسان، مسرح الطفل مجموعة من الرسائل التربوية والتثقيفية والتوعوية التي يمررها المسرحي

الى الطفل لينبهه ويوجهه ويكشف له طريق النجاح، مسرح الطفل طريق صعب يخوضه حاتم مرعوب منذ اعوام ايمانا منه بأن الطفل المتفرج ذكي وهو ذو قدرة على الفهم والتحليل لذلك تتميز الاعمال ببعد جمالي ونقدي فالمسرحيات التي يقدمها للطفل اغلبها تنقد العديد من الظواهر الاجتماعية وهي كذلك ذات بعد سياسي تعلم الطفل حقوقه وتكشف له عن مكانته في المنظومة العالمية.
في هذا الاطار تكون «الرحلة» المسرحية الجديدة لحاتم مرعوب التي عرضت في آخر الاسبوع في مسرح الجهات بمدينة الثقافة ضمن تظاهرة مسرحية نظمها قطب المسرح بالمدينة و»الرحلة» من تمثيل ريم هميسي وجهاد اليحياوي واسامة الحنايني وايمان الحجري واماني همات، وكلمات الاغاني لصلاح بن عياد وموسيقى لعادل بو علاق والإضاءة لرياض توتي والأقنعة لاصايل صولي والبث الرقمي لعمر نجلاوي وتوظيب عثمان حداد وهي تداخل بين الواقعي والافتراضي بحثا عن الطفولة الضائعة فوق الارصفة وبين الشوارع ومساءلة ضمنية للثورات العربية.
الرحلة: السينوغرافيا والترميز للغوص في المضمون
الطفولة وحقوقها المسلوبة، الطفل وما يعانيه بسبب الحرب والدمار هي هاجس الفنان في مسرحية الرحلة، الرحلة مسرحية تجمع الموسيقى الجميلة مع حركات الممثلين جد المتقنة المتماهية مع الموسيقى ولغة الضوء لكنها ناقدة موجعة، مسرحية تضع الطفل المتفرج امام سواد الواقع وتدعوه ليكون نصير اصدقائه الاطفال في كل العالم.
اسم المسرحية «الرحلة» وفي رمزية الاسم التنقل من مكان الى اخر ومن حدث الى اخر ومن شخصية الى أخرى هكذا هي الرحلات، كذلك المسرحية هي رحلة طفلة سورية من بلدها سوريا الى مصر فتونس، حسب المكان تتغير المشاهد الخلفية المعروضة على الشاشة.
فالبداية تكون بأصوات الامواج وصور لرمال الشاطي، وشبه قارب يتوسط الرّكح تجلس حذوه الطفلة منتظرة الربان ليصحبها للبحث عن اخيها قبل وصول الربان تجلس الطفل القرفصاء وتنادي «اين جنتكم الموعودة، هل هي بين الامواج،ام على الارصفة وبين القمامة، اخي يا مسافرا خلف الأحلام يا من سرقتك الاحلام ها اني ابحث عنك، في الطريق الطويلة، في الاضواء والظلام، في السماء بين النجوم انت نجم سطع في ذاكرتي، تفصلني عنك بحار وبحار، لكني هنا انتظرك يا رفيق دربي»، قبل انطلاق الرحلة يعتمد الممثلون على الترميز لجعل الطفل جزء من الرحلة، فيخبرها انّ الوجهة الاولى فيها بنايات شاهقة وثلاث درر مثلثة الشكل تتوسط الصحراء ونهر عظيم يشقّها، ويعطون فرصة للأطفال ليقولو «مصر»، والوجهة الثانية «الى بلاد مساحتها جلد ثور، اسستها اميرة تدعى ديدون» لتجيب الطفلة « انها قرطاج العظيمة»، فمن رمزية الاسم يحمل العمل دلالته، هي تماه مطلق بين الدال والمدلول.
الرحلة في المسرحية تخوضها طفلة عنيدة ومشاكسة اسمها أمل للاسم رمزيته ايضا فهو يحيل الى الأمل الى الطموح والإيمان بالذات والحلم، الطفلة تبحث عن اخيها «ربيع» الربيع المسروق من اطفال سوريا، تبحث عنه متمسكة بحقها في العثور عليه وإعادته الى حضنها، لتبدأ رحلتها ومغامراتها.
في الرحلة يستعمل المخرج العديد من التقنيات السينوغرافية لتقريب الوقائع من الطفل المتفرج، بالإضافة الى الموسيقى والأغاني التي تلائم المشاهد وقد ظف تقنية المابينغ والفيديو في التنقل من مكان الى اخر ومن حدث الى آخر كما وظف الاقنعة لإخفاء ملامح الممثل حتى يحدث المزيد من التشويق ويدفع الطفل للسؤال، التقنيات السينوغرافية كانت رافدا لتكون المسرحية متكاملة وترتقي لذكاء الطفل.
رحلة البحث عن الطفولة
أمل هو اسم الشخصية الرئيسية، أمل طفلة العشرة أعوام تبحث عن اخيها ربيع الذي ركب امواج البحر خلف الأحلام كما آلاف الاطفال الهاربين من الحرب، امل انموذج عن آلاف الاطفال السوريين الذين شرّدتهم الحرب والخوف «ننام على صوت القذائف ونستيقظ على صوت العويل والبكاء».
هرب ربيع الطفل الباحث عن أحلامه وهاهي أمل تتبعه بحثا عنه وعن طفولة ضائعة، الرحلة تواجه فيها الطفلة العديد من المخاطر، اولى المحطات في «مصر» مع «البودرنة» ملكة الظلام والخفافيش، شخصية جسدتها «ريم الهميسي» فبدت واثقة من نفسها وماسكة بتفاصيل الشخصية النفسية والحركية، في عالم «البودرنة» تجد اطفال مخطوفين تدججهم «البودرنة» بالحقائب المسلحة، تعلمهم القسوة ليكونوا جنودها المخلصين، تحرمهم من اللعب والشعور بطفولتهم خدمة لمصالح معينة، قد تكون «البودرنة» احالة على «داعش» والتنظيمات الارهابية التي تستقطب الاطفال ليكونوا جندها وعتادها ودروعها البشرية.
الصراع بين الطفلة والملكة، صراع رمزي بين قوتين غير متكافئتين ولكن أمل تنتصر وتستطيع فتح الابواب ليهرب الأطفال ويؤكد المخرج هنا أن الأمل في الحياة ينتصر دوما على افكار الموت، وأبواب الامل دائما سيجد من يفتحها لتشرق شمس البهاء في الاماكن المعتمة.
تتواصل رحلة البحث عن الربيع لتكون الوجهة تونس، في تونس تلتقي العم «منشار» الذي يشغّل الاطفال في مهن متعبة، وقبل الوصول الى تونس يجد الطفل حوارا بين منشار وطفلة مريضة منهكة تخبره بأنها لا تستطيع الذهاب للعمل في المنازل فيهددها بإعادتها الى التسوّل، في الحوار نقد مباشر لعمالة الأطفال ودعوة لإيقاف استقطاب الاطفال لتشغيلهم مقابل ملاليم قليلة.
تحل أمل حذو منشار، تطلب منه البحث عن اخيها ثمّ تخبره بمساوئه وتؤكد الطفلة ان عمالة الاطفال غير قانونية، في المشهد صراع بين الدنانير « في كل شارع طفل بارع في جمع الدنانير، على كل رصيف طفل خفيف لجمع الدنانير»، وحقوق الاطفال في حياة طبيعية «من حقنا اللعب، لا يمكن تشغيل الأطفال وفي الصراع بين الشخصيات سؤال عن حقوق الطفل، عمن يشغل اولئك الذين نراهم في الشوارع يتسولون او يبيعون الورد أجسادهم منهكة وملامحهم شبه مطموسة وطفولتهم مسروقة.
في الرحلة بحث عن طفولة ضائعة هي صرخة الى المسؤولين لينتبهوا الى حقوق الطفل وينتبهوا إلى أولئك الاطفال المهملين في الشوارع فمسرح الطفل مسؤولية وهو انتصار للطفل ولحقوقه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا