في تجربة طريفة كرّما بها تلاميذ ابتدائية التألّق بصفاقس: الزّبير التّركي ونجيب بلخوجة في ميزان إبداعيّة الأطفال

بقلم: رحمة شاكر
(باحثة في الفنون والجماليّات)
أن تكرّم المؤسّسات الثّقافيّة والمراكز الفنيّة أو الأكاديميّات فنّانا تشكيليّا راحلا في قيمة الفنّان زبير التّركي أو الفنّان نجيب بلخوجة، فإنّ ذلك عمل يمكن أن يتمّ اعتباره

عملا عاديّا أو مناسباتيّا ينخرط في خصوصيّة هذه المؤسّسات. لكن عندما يكون التّكريم بأنامل الأطفال، يكون له طعم آخر وصيغة أخرى يتحرّك فيها الإبداعي والوجداني والكياني إذا ما أردنا القول، خاصّة بعد ان خضنا التّجربة مع مجموعة من الأطفال في المدرسة الابتدائيّة. فعلا، لقد تعودنا أن يُكرّم الفنان من قبل الفنانين أو من أهل الاختصاص، ونادرا ما كان موضوع هذه التكريمات يطرح للإنجاز من طرف الأطفال. في هذا الإطار، قمنا بدعوة مجموعة من التّلاميذ المنخرطين في نادي الفنون التّشكيلية التّابع لإحدى المدارس الإبتدائيّة بصفاقس للعمل على انجاز لوحات ورسومات مستوحاة من أعمال الفنانين التشكيليين التونسيين « زبير التركي» و»نجيب بلخوجة»، تعريفا بهما وبمسارهما الزاخر بالانجازات الفنّية المبهرة وتكريما لهما لما أضافاه إلى رصيد الثروة الفكرية والفنية في الموروث الثقافي التّونسي.

«من هما زبير التركي ونجيب بلخوجة؟» كان هذا أول سؤال يتبادر إلى ذهن الأطفال بمجرد طرح المشروع عليهم. فكان من الواجب التعريف بهما باختصار وسلاسة بطريقة يستوعبها الطفل بسهولة. وقد لقيت هذه الفكرة إقبالا وترحيبا من المبدعين الصغار فشغلت فكرهم للتّعرف أكثر على هذين الفنانين، حيث قام بعض التّلاميذ بإجراء بعض البحوث لمزيد الغوص في تاريخيهما وحياتيهما والتعرف على أعالهما.

رسم الزّبير التّركي ما هو وليد واقع حياته الذاتية، رسم شخوصا عايشها وشخوص خلدت في ذاكرته أي شخصيّات مستلهمة من واقع الناس الذين عرفهم كما رسم مشاهد من التّقاليد الشعبية ببلادنا. وقد لقيت هذه الشخوص المرسومة في أعمال الفنان إعجاب الأطفال و حاولوا تجسيدها بكل شغف ومن أكثر الرسومات التي جلبت انتباههم رسم «لاعب الورق» أو « JOEUR DE CARTES» وسبب هذا الإعجاب بهذا الرسم قد يعود إلى وضعية الجلوس أو جلسة الرجل أو ربما طريقة مسكه للأوراق أو انحناءة رأسه ... وقد اهتم بعض الأطفال بأدق التفاصيل ومنها إمضاء الفنان حيث قام بعضهم بإمضاء أعمالهم بنفس دقة خطوط الفنان وسلاستها والبعض الأخر علق على خلفية اللوحة وقاموا بإضافة بعض العناصر في الرّسم كالزخرفات والخزف الحائطي وإبريق الشاي...

والمتأمل لرسوم التركي، يبهره جمالها، بل ما ينطوي عليه ذلك الجمال من صفات كالنقاء والعذوبة والسلاسة. فقد كانت خطوط هذا الفنان نقية لدرجة أننا لا نحتاج معها إلى اللون، هذا النقاء وهذه السلاسة في الخطوط كانت مصدر إلهام للأطفال، حيث أصبحت رسوماتهم وخطوطهم رقيقة وناعمة ومسترسلة .

رسم زبير التركي مشاهد من الحياة اليومية في المدينة بشخوص حقيقية مستوحاة من صميم ذاكرته وما عايشه من وقائع تعبر عن عادات واقع موروث، فتفنن التركي في تمثيلها في لوحاته. وبالنسبة إلى نجيب بلخوجة، فلم تكن أعماله إلّا وليدة ما تخلّد في ذاته من روح المدينة العتيقة وعبقها الساحر. كانت عبقريته كامنة في استجابته لخياله دون إعادة إنتاج الواقع بحذافيره. غابت الواقعية التشخيصية في أعماله، وكانت التّجريدية سبيله لتقديم مدينته المتخيلة. النتيجة كانت فضاء تصويريا مُؤلّفا من مفرداته المعمارية المختزلة كالأقواس والقباب والأبواب... في طابع هندسي مجرد قائم على تكرار مفردات تشكيلية متنوعة و متشابهة رغم اختلافها. هذا التكرار خلق إيقاعا متناغما يفوح بروح المدينة العتيقة وروتينها اليومي.

لم يكن من السهل على الأطفال الانصياع لصرامة الأشكال الهندسية المستوحاة من أعمال بلخوجة، وذلك لفطرتهم المتّسمة بالنّزعة الغنائية (lyrique). و لكن هذا لم يثنهم عن المحاولة. فاستنجد البعض، وهم الأصغر سنّا في المجموعة، بالنّماذج المعدّة مسبقا (le gabarit). واتّجه البقية إلى محاولة إنجاز تركيبات متوازنة قائمة على ما تعلموه من أشكال وقواعد هندسية إضافة إلى مكتسباتهم البصرية. فتلاعبوا بفضاءات لوحاتهم الصغيرة.

خلق الفنانون الصغار مسطحات مزخرفـــة وأخرى ملونة مشبعة بروحهم الزاهية.

وقد كلل هذا المشروع بنجاح باهر، إذ لم يقتصر على المنجزات فقط، بل طال أيضا مهارات الأطفال - التّلاميذ في تطويع الأشكال والألوان لمنح أعمالهم حياة مستوحاة ممّا أبهرهم في أعمال الزّبير التّركي ونجيب بلخوجة من موروث فكري وثقافي تونسي. وكانت هذه التجربة بالنسبة إلي أكثر من رائعة، انبهرت خلالها بالطاقات الإبداعية المكنونة لدى الفنّانين الصّغار. لم يتوقف شغفهم بالعمل على فكرة التكريم، بل طال حماسهم للعمل على مشروع موحد خلق بينهم روح التنافس والتّحدي لبلوغ قمة إبداعهم في الرسم. وقد كان تفاوت الأعمار بينهم (بين خمس واثنتي عشرة سنة) محفزا لهم وفرصة للتّجادل في إبراز المهارات إضافة إلى فسحة للتواصل، التعلم وتبادل المكتسبات التشكيلية في ما بينهم، حيث أنّ الطفل للطفل ألقنُ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا