منحوتات زيد عسل: النحت ولادة والطبيعة ولّادة

عشق النحت منذ النعومة وأحب الطبيعة وتماهى مع تفاصيلها، عايش خضرة ربيعها وقسوة شتائها، تعلم من الصحراء القوة

ومن الجبال الشموخ فصنع مسيرة فنية أبدع فيها، مسيرة عاند فيها جمال الطبيعة وقدم منحوتات انطلقت من مواد طبيعية مرمية حمّلها رسائل فنية ونقدية وإنسانية هي هواجس الروح نحتها زيد عسل على الخشب.

هو الفنان الذي انطلقت تجربته الفنية من كلية الحقوق قبل التوجه الى الفنون الجميلة ثمّ النحت على الحجارة والرخام قبل ان تسرق لبّه الطبيعة والزيتون فغير المادة المستعملة ومعها غير مساره النحتي وأبدع على الخشب ليقدم الياذات فنية كانت جزءا من روحه وخلاصة فكره وحبّه للارض والطبيعة

من الطبيعة ولد الحلم وإليها تعود الفكرة
الطبيعة بسحرها وغموضها بزيتونها ونخيلها بجبالها ورمالها منها تعلم النحات زيد عسل الصدق، صادق الطبيعة وصادق تلويناتها فكانت النتيجة منحوتات من شجر الزيتون وجذع النخيل شامخة شموخ مدينته التي ولد فيها وتعلم منها ابجديات الفن الاولى.

هناك بعيد جدا عن العاصمة ولد ذلك الطفل الفنان، من والده النجار صانع الكراسي عشق الخشب واستنشق رائحته الاولى فنما ذلك الحب في نفس الطفل وتعلمت انامله ملامسة الخشب ومعاكسته ومعاندته قبل صناعة تحفه الفنية والإبداعية التي اصبحت اليوم رمزا من رموز النحت على الخشب في تونس وباتت منحوتاته تمثل بصمة خاصة بفنان عشق التجريب والتجديد.

من حبّ الطبيعة ولدت المنحوتات، لأعوام وزيد عسل يعاكس الطبيعة يبحث في أسرارها ويكتشف جزيئاتها، يجمع مرمياتها ليعيد تشكيلها وتجميعها قبل انجاز عمل فنيّ جميل يولد من الطبيعة وخاصة خشب الزيتون وجذع النخيل.

أعمال الفنان تكشف عن ذلك الارتباط الوثيق بين النحات والطبيعة، اعمال تعكس الروح الطفولية للنحات فهو يلاعب الجذوع كما يلعب طفل صغير بالأغصان التي يصنع منها بيتا او لعبة يخبئها عن الاخرين لأنها كنزه الصادق.

أعمال تؤكد انه كلما حاول الابتعاد شدته الارض اليها وجذبته اشجار الزيتون وأغصانها الى حكاياتها كما تشد الام وليدها إليها فمن حبّ الطبيعة ولدت منحوتات فنية هي عصارة روح الفنان وهوسه بالنحت هناك في مدينة تطاوين التي علمته الشموخ والتمسك بأحلامه.

الطبيعة ملجؤه الاول للإبداع بحث داخلها عن نفسه، عشقها عشقه لامه فأعطته الكثير من الافكار ليكون زيد عسل من أشهر نحاتي مدينة تطاوين وأكثر النحاتين إبداعا على الخشب فهو فنان يحنّط الخشب ينفث فيه من روحه، يلاعبه ويشكله تحفا فنية تعود بالمتفرج إلى أصله الى الطبيعة أصل الكون والجمال والفكرة فمن الطبيعة يبدأ زيد عسل واليها ينتهي صادقا حالما ومختلفا.

النحت فكرة وموقف
تبهرك الأشكال وتختلف الاحجام اختلاف الأفكار تتشابك حينا وتتنافر احيانا أخرى تتصل وتنفصل، تفهمها منذ اسم العمل او يطلب قراءة المنحوتة وقت طويل كلها ثنائيات تعايشها وأنت تتأمل اعمال زيد عسل وتكتشف منحوتاته التي انطلقت من الطبيعة وخاضت في شجون الوطن وقصصه وقضاياه فالفنان حسب زيد عسل ليس بسياسي لكن له مواقفه وأفكاره التي يتبناها ويعبر عنها من خلال اعماله الفنية لانّ العمل الفني أكثر صدقا وقوة وتأثيرا من الخطاب السياسي.

النحت فن الولادة، فن خلق تحفة جمالية من اللاّشيء، فنّ بعث الجمال في قطعة خشب منسية أو جذع زيتون مرمي، يشارك النحات الخالق في عملية الخلق الجميلة، يشاركه في الإبداع من خلال التركيز على التفاصيل، النحات مثل الارض تهب النبتة الكثير من الجمال بعد صبر طويل كذلك زيد عسل ينجز منحوتاته بعد صبر وعمل ومجهود لتكون النتيجة ذلك الجمال وتلك الصيغة من الاسئلة والحيرة ومعالجة الواقع وقراءته فنيا.

زيد عسل فنان يبحث دائما عن مكامن الجمال المخفية، يعيد صياغتها ينفض عنها غبار النسيان، يبحث داخله يغوص في تفاصيله النفسية والفكرية يعامل قطعة الخشب معاملته لطفل وليد وكلما غاص عسل في تفاصيله كانت الطبيعة وجهته فهو فنان يشعر بأمومة مجازية تجاه منحوتاته أمومة تعلمها من الطبيعة.

فنّ النحت هو فن الخلق، فن النقد والمشاكسة، من الخشب تبدأ قصة فنان ناقد فنان له مواقفه الفكرية والسياسية.

مواقف يحاول كتابتها على الخشب الذي اختاره وسيلة للتعبير منذ أعوام، للفنان رؤى فكرية ومواقف من سياسة البلد وسياسييه ووضعه الاقتصادي مواقفه حمّلها للخشب فكان صارخا، مشاكسا حالما وممانعا، من الوضع العام للبلاد ولدت اعمال متنافرة ومتقابلة، منحوتات تبدو هادئة وفي جوفها بركان غضب، ولدت «الحرية» و«الثورة» و«الديمقراطية» و«الوجع» و«الحلم» وكلها تسميات لأعمال النحات زيد عسل المدافع عن الخشب والنحت بالطريقة التقليدية لا يستعمل أي منتوج صناعي في تزويق منحوتاته فقط يكتفي بالزيوت الطبيعية فتبدو الاعمال برّاقة كروح صاحبها.

زيد عسل الفنان الحالم العاشق للخشب، بعض الاعمال تتطلب الوقت الكثير فتجده يقبل على جذع الزيتون يلامسه بلطف إلى أن يكتشف أسراره قبل أن تبدأ عملية الحفر والصقل والنحت، ولعل أشهر أعماله تلك الزيتونة التي بلغت من الطول ثلاثة أمتار وهي منحوتة عملاقة تطلبت عام ونصف العام من العمل، منحوتة تشابكت فيها الافكار وتنافرت، منحوتة كانت ملخصا لما عاشته تونس طيلة الاعوام الثلاثة الاخيرة من مخاض وإجهاد نقله النحات بتلك الحرفية، منحوتة هي اليوم من مقتنيات وزارة الشؤون الثقافية لتكون في المتحف، زيتونة شامخة صمدت لأعوام وحين سقطت خلدها زيد عسل في تحفة نحتية متحفية ستزين المتحف وتخبر الزوار دوما على أن على هذه الارض كل الابداع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا