الفضاء الثقافي «اريسطوفانيس» لخبيب العياري في وادي الزرقاء: هذه الأرض تزهر فنا وجمالا وتصنع الربيع ...

طوبى لمن يحلمون، طوبى لمن يحملون الحلم على اكفهم كما تحمل الأم وليدها، طوبى لمن أمنوا بالفنون وقدرتها على التغيير فاعتنقوها دينا للحياة وديدنا للحب،

طوبى لمن يعملون في صمت ويحفرون في صخور التهميش ليصلوا الى عين الفن التي تروي عطش الاطفال الى الامل وتروي ظمأ الكبار للتجديد، طوبى لمن يؤمنون بقدرة المسرح والموسيقى والفنون بكل تلويناتها على زراعة ثقافة الحياة في قرية بعيدة عن المركز، طوبى لكم ايها الحالمون والمشاكسون كما ارسطوفانيس ملهمكم الاول.

و»اريسطوفانيس» هو اول فضاء ثقافي خاص في وادي الزرقاء وتستور من ولاية باجة، فضاء ولد من العدم ولد من رغبة مجموعة من الفنانين ابناء القرية بنشر عدوى الفن والزهور علها تونع جمالا فهذه الارض تزهر فنا وجمالا وتصنع الربيع كما يقول خبيب العياري.

الفضاء مفتوح للأطفال لنعلمهم الحلم
ممتعة تفاصيل الشتاء في ربوع الشمال التونسي، الطريق السيارة يحيط بها الاخضرار وتدرج الوان الطبيعة المبهرة، من العاصمة الى وادي الزرقاء من بلدية تستور ولاية باجة فقط ساعة وبضع دقائق تطويها سيارة الاجرة كأنها تعاند الجمال المحيط بالطريق وصوت ابن باجة منصف العجرودي يقول واصفا جمال مدينته:
هذه الأرض تزهر فنا و جمالا وتصنع الربيع،
حسناء لاتوفي أشعاري مقاصدك
قد حيك ملبسك من فاخر الحلـــــــل
يهواك من شم من تربك العطــــر
أشذاء ريحانة في تلة الجبــــــــــــل»

الخضرة الى اليمين والجبال تعاند السماء وتشاكس اشعة الشمس الى اليسار لوحة تشكيلية تميز طريق تونس باجة تلك الطريق التي تتمايل فيها السنابل الخضراء بفعل القليل من الرياح كأنها صور لأطفال يراقصون احلامهم.
غير بعيد عن المحطّة، في الشارع الرئيسي بقايا السوق الاسبوعية لاتزال اثارها موجودة، بعد دار الثقافة والمكتبة العمومية وتحديدا قبالة مكتب البريد يوجد الفضاء، بابه الخارجي بنيّ اللون كما تربة الأرض الباب شبه موصد رسم فوقه صور لـ«فان غوغ» و «شارلي شابلن» وكأن بأصحابه يخبرون الزائر منذ زينة الباب ان في الداخل الكثير من الاسئلة و القصص فأكمل جولتك.

اصوات الاطفال تصدح في الداخل وصداها يصل الى الخارج،صبيحة الاحد من يوم شتوي تجمّعوا للغناء صوت ما يقول يا عشاق الحياة اجتمعوا، يا ايها الاطفال ها هنا نفتح ابوابنا لتبدعوا لتعانقوا تفاصيل الحلم وتستمتعوا بكل تلوينات الفنون، غنّوا ارفعوا اصواتكم عاليا للحرية والتمرد، ثوروا على الموجود وارسموا عالمكم المنشودة، لا تخشوا قسوة الفضاء الخارجي وجور الامكنة فقط دعوا نوتات الة عود استاذكم تكتب رحلتكم الى عوالم اخرى تكون أجمل هكذا يمكن وصف مشهد التماهي المطلق بين الاطفال وأستاذهم وهو ينقر على الة العود وهم يغنون للشيخ امام ويتفاعلون مع كل كلمة ونوتة وكأنهم يرسمون عوالمهم ويرحلون بعيدا جدا الى الهناك حيث الفراشات والربيع.

اطفال نادي الكورال الذين يشرف على ابداعاتهم فوزي الرياحي تجمعوا في الفضاء للغناء قبل ان يكون لهم حفل اخر الموسم الثقافي، منضبطين لتعاليم أستاذهم يحفظون اللحن ويعرفون التمييز بين كلمات اغنية وأخرى، يغنون المالوف رغم صعوبته، وترتفع حناجرهم الصغيرة وتزداد الحماسة كلما غنوا «صامدون» وأغاني الشيخ إمام وكأنهم منذ النعومة يعرفون انهم امل الوطن ورمز عنفوانه وأنهم شعلة الحياة والقوة فيه.

الفضاء ولد من «الخردة» لنحار المركزية
ولد الفضاء من الرغبة في تقديم فعل ثقافي يتجاوز الوقت الإداري ولد لنكون اقرب الى الطفل المبدع والكهل الحالم، ولد الفضاء وسيلة اخرى لنضالنا لأجل حق الاطفال في الثقافة ولد ليكون علامة مضيئة للفن للنقد للإبداع وللأمل، ولد «ارسطوفانيس» ليكون صوتنا وصوت كل الصادقين في وادى الزرقاء هكذا يتحدث المسرحي خبيب العياري عن الفضاء الثقافي الوحيد الموجود في تلك الربوع.

«ارسطوفانيس» فضاء ثقافي شامل، مساحته 120مترا مصاغ على وجه الكراء، في الداخل اللون الاسود هو الطاغي، الجدران جميعها دهنت بالأسود لتسهل عملية توزيع الضوء، لكن الديكور موشى بأبهى الألوان الى يمينك رسمت لوحة لراقصين باللون الاحمر رقصة التانغو الساحرة خلفها الستار الاحمر اللون القاني كدماء الصادقين.
الى يسارك لوحة لمجموعة الراقصين، في الداخل كل الاثاث متحرك ليستطيع منظمي العروض و التظاهرات تحويله حسب الطلب فللعروض المسرحية ديكورها الخاص وللعروض الموسيقية طريقة في توزيع الكراسي والضو.

«كل ماتشاهدونه ولد من الخردة، جولة في اكداس القمامة استخرجنا منها الحديد والكرتون وانطلقت بعدها رحلة الرسكلة لصناعة ديكور يمثلنا ديكور صنعناه بكثير من الحب والصبر» حسب تصريح صاحب الفضاء خبيب العياري.

الى يسارك ايها الزائر مكتبة صغيرة بهية الشكل جذع شجرة احيطت به مجموعة من الرفوف المملوءة بالكتب على غرار اصدارات دوستوفيسكي وابراهيم الكوني وتوفيق الحكيم ولينين وغيرها من الكتب التاريخية والمسرحية والشعرية، اعلاها ما يشبه بيت العنكبوت ليأخذ الفانوس شكل عنكبوت.

تفاصيل مميزة تمثّل رغبة المشرفين في انجاز ديكور من الخردة وبعث الحياة في المرميات وكل ما يوجد من ديكور من انجاز ابناء الفضاء اللذين سبق وان تعلموا ابجديات المسرح مع خبيب العياري واليوم هم في سن السادسة عشرة واختاروا تلوينات فنية مختلفة قدموا القليل منها في الفضاء تاركين بصمة للإبداع.

«ارسطوفانيس» فضاء ثقافي كل ما داخله يعبر عن رغبة ابنائه في صناعة مشهد ثقافي حقيقي وبديل، ثقافة تنبع من المواطن تعبر عنه واليه تعود، هنا وادى الزرقاء في هذه القرية الهادئة ولد فضاء يحمل اسم مسرحي يوناني عرف بنقده وآرائه الصامدة ومواقفه القوية، هو ملهم الاساتذة والفنانين الذين امنوا بالفضاء وقرروا ان يكون لقريتهم فضاءها ولأبنائها الحق في الثقافة وممارسة المسرح والموسيقى وحرية التعبير وممارسة كل الاشكال الفنية وبعث الربيع من ازهار احلام الاطفال الحالمة، فعلى هذه الارض كل الحياة وهنا ينبت الحب بين مفاصل صخور التهميش، هنا ارسطوفانيس فانوس يضيء ظلمات المركزية ويطرح مشروع ثقافي بديل يؤمن بالإنسان.

الفضاء في شراكة مع دار الثقافة
ارسطوفانيس فضاء ثقافي لكنه ليس في قطيعة مع دار الثقافة كمؤسسة رسمية بل هناك اتفاقية شراكة حقيقية فمثلا عروض مهرجان وادي الزرقاء للمسرح تتم في ركح دار الثقافة لكن النقاشات الليلية يحتويها الفضاء، نادي الكورال انطلق في دار الثقافة واليوم ينشطون في الفضاء، هناك شراكة حقيقية بين الدار والفضاء لتوفير فرصة اكبر لأبناء الجهة في الابداع.

ورشة العرائس متعة الأطفال
زين كامل الفضاء بمجموعة من الاقنعة بعضها مصنوع من الكرتون وأخرى من القماش، ماريونات بأشكال مختلفة الصغيرة والكبيرة، جميعها من ابداعات انامل الاطفال ضمن رسكلة الكرتون في ونادي «العرائس» الذي يشرف عليه العرائسي المبدع عامر المثلوثي.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا