في فضاء سينما الحمراء: مسرحية «شدوني لا» إخراج آسيا الجعايبي

لماذا المسرح؟ أي مسرح يريده المتفرج وآي مسرح يريده الممثل؟ كيف للمثل أن يجد مسرحا يحاكيه ويحاكي وجعه وحلمه؟

لماذا يقبلون على المسرح رغم فقره ووجعه؟ هل وجب حصر المسرح في خانة واحدة وفكر أوحد وتوجه وحيد أم أن المسرح فضاء وفن يقبل الاختلاف وتعدد الوجهات والآراء؟ هكذا تتساءل آسيا الجعايبي في عملها الجديد «شدوني لا».

مسرحية من إنتاج شركة فاميليا تدور أحداثها في قاعة مسرح حيث يتمرن ثلاثة ممثلين على عمل جديد. تمرينات يطرحون فيها أسئلة عن المسرح والمسرحيين، يتساءلون عن التجديد والكلاسيكية، مسرحية من تمثيل طلال ايوب و معين مومني ومنى بلحاج.

جسد الممثل وسيلة للتحرر
ثلاثة أجساد تدخل إلى الركح، أجساد مضطربة تحمل حقائب ظهر، تغير ملابسها بسرعة متفاوتة، الموسيقى قوية كأنها تعلن عن حادث ما، الضوء متقطع أصفر اللون يدفعك إلى إغماض عينيك أحيانا، شيفرات القلق ترسلها المخرجة منذ بداية المسرحية التي ستعالج بطريقة درامية ممتعة القلق المسرحي الذي يعيشه هذا الفن وممارسوه.

جميعهم يلبسون ملابس صيفية، يتكئون على مقاعدهم قبل بداية «البرايف» وفجأة تزداد الموسيقى صخبا ويحدث حادث ما في مكان ما يجعل الممثلين الثلاثة محاصرين في المسرح، في مكان مغلق لا يستطيعون مغادرته تبدأ تجاربهم لإعادة اكتشاف أجسادهم واكتشاف الشخص والشخصية لان الزلزال أدى إلى تحطم الحاجز بين عالم الواقع وعالم الخيال وأحدث فجوة الزمكان.

في «شدوني لا» مسرحية داخل المسرحية، حكاية الشخصية داخل قصص الشخصيات، لعب درامي وتركيز على تقنيات التمثيل، محاولة لتفكيك جسد الممثل والغوص في كل تفاصيله لتقديم عمل مسرحي محيّر ومقلق، عمل يتساءل عن جسد الممثل، عن المسرح الكلاسيكي عن مسرح ما بعد الدراما وأيّ مسرح يريدونه، سؤال عن كيفية الأداء وأيّ التمارين وجب إعادتها لتقديم الشخصية بكل دقّة.

ثلاثتهم محاصرون في المسرح فقط طاولة وثلاثة كراس ترافقهم ومنها سيحاولون خلق عمل مسرحي، لكن كيف يبدأ العرض؟ أي مسار للعمل؟ من أين سيولد؟ هل من الذاكرة الانفعالية للشخص؟ أم من لغة الجسد؟ أم من محاولة الدخول إلى عوالم الخيال ومحاكاتها؟ أسئلة تؤرقهم وتؤرق المتفرج أيضا لانّ جزءا من العمل يكون في علاقة مباشرة مع الجمهور وتوجيه الأسئلة إليه لتوريطه في العملية المسرحية ليعيش المتفرج حالة التلقي الحرّ أو قراءة اللحظة الآنية للمسرحية.

يحاولون خلق شخصيات وأحداث، يدخلون إلى تفاصيل أجسادهم ليكتشفوا ما تخبئه بكل حرفية، لكل ممثل قدرة على مجاراة التفاصيل ومن خلال الأداء والحركة تجدنا أمام عمل يعيش حالة تغير مستمر وحيوية متعددة، ربما يمكن إطلاق صفة «مسرح الحالة» مسرح لا يبحث عن خلق عمل متماسك ونص وبداية ونهاية وإنما يعايش حالات التشظي والوحدة والسؤال التي يعيشها الممثل أثناء تماهيه مع خشبة المسرح.

في «شدوني لا» طرح للعديد من الأسئلة عن المسرح، غاب النص.. فقط مقاطع سردية تحضر أحيانا لتقدم الشخصية أو تحاول وصف ما تفكر فيه مع حضور لغة الجسد الذي ينجز أكثر من تمرين والتمرين الواحد يكرره العديد من المرات مع سينوغرافيا محبوكة خلقت معادلة جديدة في الصورة على المسرح. «شدوني لا» مسرحية متجددة، أداء متقن وأسئلة عديدة تطرح من خلال الشيفرات، هي صرخة صد النمطية ومحاولة للتجديد في المسرح وتحطيم للحواجز الكلاسيكية وطرح لفعل مسرحي متجدد ينحاز للمثل ولقدراته على الركح .

يا آل المسرح اتفقوا كفاكم فرقة
غاب النص بصفة مباشرة لكن حضرت الإشارات والرموز، غاب التكثيف في الكلمة وحضر التكثيف في أداء الممثل، في المسرحية تركيز على الحركة ومعها نقل لوجع الفنان وما يعانيه، فاحد المشاهد تتم إعادته أكثر من ستّ مرات بنفس الحركة التي تتسارع أحيانا وتتباطأ أحيانا أخرى، تكرار المشهد وما يتبعه من تركيز الممثلين على التفاصيل وإتقان الحركة الغاية منه الكشف عن صعوبة ممارسة المسرح وما يعانيه الممثل للوصول إلى الشخصية التي سيقدمها للمتفرج في العروض، فولادة تلك الشخصية بتفاصيلها جدّ مرهقة للمثل المثقل بهواجس الخارج ومشاكله.

الموسيقى في المشهد المكرر تحاكي الوجع، الموسيقى تتصاعد وتتم الإعادة إلى حدّ أن تصبح فيه مزعجة وتصير حالة من التشظي في دماغ المتفرج وتلك رسالة المسرحية جعل المتفرج جزءا من العمل لمزيد الإطلاع أكثر على معاناة ذلك الذي يصعد على الخشبة ليتقمص شخوصا تضحكنا حينا وتطرح أسئلة حينا آخر، شخصيات مقنعة وصادقة فقط لانها انغمست في الوجع الحقيقي الذي يسكنها.

إحدى الشخصيات أثناء الأداء تحاور الجمهور وتسأله عن «الورطة» وتعترف أنها تورطت في المسرح لأنه منفذها إلى الحياة، الشخصية تتساءل عن «اي مسرح نريد» الكلاسيكي أم الحداثي؟ هل أن ممارس المسرح يجب أن يكون اكاديميا أم من الهواة؟ هل وجب الاقتصار على مسرح مدته ساعات بالفصحى أم يمكن الاكتفاء بلغة الجسد؟ أسئلة عديدة نقدت اختلاف المسرحيين وخلافاتهم المتكررة، نصّ ناقد موجع مغلف بالسخرية لكنه ينقد التشظي الذي يعيشه المسرحيون في تونس وسياسة الإقصاء التي تعتمدها المؤسسات والأفراد أيضا سخرية تدعو إلى الوحدة عوض الفُرقة ، فالمسرح اختلاف والأفكار الواحدة والرؤى المتوحدة لن تنتج إلا مسرحا موجها لا يقبل الاختلاف والتجديد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا