مسرحية «انتراكت» لنصر الدين الحجاج في قاعة المبدعين الشبان ضمن ملتقى مسرح الهواية: إصلاح المنظومة يبدأ من إصلاح الذات

الفساد والسلطة والزيف والخداع والصراعات بين العامل ورئيسه، صراع المصالح ونظام «التيلرة» التي تجعل من العامل آلة لا تفكر

ولا تميز بين الحركات، دفن الفكرة ودفن الرضع ودفن الحقائق جميعها افكار ومواقف عايشها جمهور مسرحية «انتراكت» وهو من اخراج نصر الدين الحجاج

«انتراكت» مسرحية جريئة ومشاكسة، مسرحية تنقد التونسي وانانيته وتفكيره في المصلحة الذاتية على حساب المصلحة الجماعية، مسرحية من تمثيل منال الرياحي وفاتن محفوظي وزهير الهمامي ونادر شامخ ومروان بوغانمي وتصميم الاضاءة لرجاء رحيم وموسيقى وجدي اللفات.

المسرح صرخة ضدّ الزيف
المسرح تعبيرة متمردة وصاخبة هي صرخة ضدّ كل اشكال الزيف والظلم والجبروت، المسرح انتصار للمهمشين للصادقين والحالمين، على الركح تكتب اجساد الممثلين وحركاتهم وأصواتهم فعلا ينحاز «الي عايشين لينا لا ريف ولا مدينة لولا عرق ايديهم الناس الي تعاني ونساتهم الاغاني» بهذه الكلمات تنطلق المسرحية المنحازة للطبقة الكادحة، على الركح مجموعة من الحكايات جميعها تعيشها الشخصيات، جميع القصص واقعية تنطلق مما يعيشه المواطن التونسي ليكون العمل صرخة ضدّ التسلط والديكتاتورية والاغتصاب والحرقة ورائحة الموت التي انتشرت في ربوع هذا الوطن، نقد مشاكس وموجع لظواهر يعرفها التونسي حاول الممثلون نقلها بكل حرفية في عرض مسرحي.
أحداث المسرحية تدور في «معمل» وأبطال الحكاية شخصيات تتصارع من أجل التقرّب «للعرف» ومحاولة التودد إليه لضمان فرصة العمل والبقاء، هنا تنقد المسرحية ظاهرة التزلف و»الصبّة» التي يمارسها الكثيرون لينالوا وظيفة او ينالوا ترقية في العمل او مجرد ابتسامة رضا من صاحب العمل تغنيهم عن التعب والجهد.
في «انتراكت» تختلف الشخصيات، التي جاءت كاريكاتورية مركبة مضحكة كما انها تدفع المتفرج للسؤال وللبحث عن نفسه داخل تلك الشخصيات المتناقضة والمختلفة، اولى الشخصيات «صلوحة» وهي عجوز دفعت 25عام من عمرها في المعمل، صلوحة شخصية غريبة الاطوار تظهر الرفق وتخفي الكثير من الجبروت، هوايتها كتابة التقارير في العملة لتتقرب الى «العرف» وتضمن بقاءها، و«صلوحة» عينة من المجتمع لها نظراؤها في كل مؤسسة تقريبا ففي اغلب المؤسسات توجد «ّصلوحة».

الشخصية الثانية «زهير» «شاف المعمل» انتهازي يستغل مكانته ليقبل من يشاء ويطرد من يريد، يعمل على بث الفتنة بين العملة ليضمن بقاءه في موقف قوة، شخصية مركبة، متناقضة تبدو لينة وقوية، يخفي الكثير من الحكايات في صندوق الذاكرة المغلق ومع تصاعد الاحداث تفتح ادراج التحرش والاغتصاب ثمّ القتل وجميعها يعيش معها ويتعايش مع تفاصيلها ليثبت ذاته ويفرض وجوده، في المجتمع التونسي امثال «زهير كثر» فكم من مسؤول يدعي النزاهة ونظافة اليد وهو غارق في الفساد.

الشخصية الثالثة «فاتن» امرأة قوية ومشاكسة ترفض حالات الظلم وتنتصر للقانون، تحاول حثّ العملة على التمرد وتنهى عن السرقة لان سرقة «المعمل» ترادف سرقة البلاد، ومن خلال النقاشات بين فاتن وصلوحة وزهير يتضح مسار المسرحية فلكل منهم حكاية خاصة.

تتماهى القصص وتكون النتيجة البوح بالظلم والمعاناة والوجع الذي يعانيه «الحالم» والارهاق الجسدي والنفسي الذي يعيشه صاحب الحق والمجتهد، لتكون المسرحية صرخة ضدّ سياسات التمييز التي يعانيها العامل، فالمعمل هو الوطن المصغر والتناقضات داخله هي التناقضات والصراعات في الوطن الأكبر هي انتهاك حقوق العامل والفلاح من قبل رؤسائهما في العمل، هي سرقة احلام الشباب ودفعهم للرضوخ إلى الواقع دون محاولة الاجتهاد او التفكير في صناعة مستقبل أفضل.
في «انتراكت» يٌنقل الصراع بين الفساد والنزاهة وبين الكسول والمجتهد، الصراع والفتنة التي يصنعها الخامل للايقاع بمن يتقن عمله، صراعات في مجموعة بشرية ضيقة كان الهدف منها نقد العديد من الصراعات التي يعيشها المواطن داخل وطنه فالمسرح دوما كان صوت النقد وصرخة ضدّ كل اشكال الظلم.

«الفاسد يصنعه المتزلفون»
الموسيقى تصنع الاحداث وتتابع تصاعدها، في «انتراكت» تكون الموسيقى وسيلة للنقد والسخرية كذلك أجساد الممثلين تصنع موسيقى مختلفة، من على الركح تبدأ موسيقى العرض التي تصنعها اما ضربات الاقدام أو لطخة الجسم أو نقرات اليدين على القاع فللمسرحية موسيقاها المختلفة، موسيقى تتغير حسب الحكاية والمشهد ومكان العرض لانها حية تولد من انفعالات الممثل وتفاعله مع العرض وفضائه، الموسيقى في المسرحية كانت عنوان المرور من مشهد الى آخر هي الخيط الرابط بين الحكايات كما انها كانت بمثابة «فلاش باك» في بعض المواقف من خلال استرجاع احداث قديمة مخبأة في الذاكرة الانفعالية لشخصية ما.
«انتراكت» مسرحية ناقدة تسلط الضوء على العلاقات بين العملة والعلاقة بين العامل ورئيسه في العمل، المنظومة العملية وما تعيشه من مشاكل ومتناقضات جميعها تطرحها المسرحية بجرأة وسخرية على الركح، عمل يؤكد انّ المتزلفين والانبطاحيين هم من يصنعون الفاسد فبنفاقهم وعدم قول الحقيقة وإتباع سياسة «اخطى راسي» يصنعون رئيسا متجبرا يهاب الحقيقة ويغلف نفسه بالزيف والخداع ويزرع بين موظفيه طاقة من الخوف والفشل.

«انتراكت» بتقنيات الممثل والسينوغرافيا وأداء ممتع للممثلين الذين ينقدون العديد من الظواهر التي يعيشها التونسي، نقدوا علاقة التزلف والتملق التي تجمع العامل ورئيسه، نقدوا تحليل السرقة بتعلة ضعف الراتب، سخروا من العلاقات المتشابكة بين الشخصيات داخل المجتمع الواحد، سلطوا الضوء على الغباء الجماعي الذي يصنع الديكتاتور، مسرحية مشاكسة انطلقت من الواقع ونقلت الكثير من الوجع والشجن على الركح لتكون تعبيرة صادقة وناقدة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا