العرض الأول لمسرحية «لحية جدي» لشكيب الغانمي في فضاء كارمن: مسرح الطفل مسؤولية ثقيلة تجمع التربة بالخيال

المتفرج الطفل اشد ذكاء من المتفرج الكبير فالطفل لا يجامل عكس الكبير والطفل لا يجد المبرارت أمام عمل لم يقنعه أو لم يعجبه، والسؤال الأصعب

هو كيف يمكن شد انتباه الطفل الآن إلى المسرح والفرجة وهو الذي تتوفر أمامه تقنيات التكنولوجيا الحديثة وعوالم الانبهار فكيف يمكن جلب انتباهه إلى المسرح وتقديم مادة تلبي رغبته في الاكتشاف وتحفز خياله وفي الوقت ذاته تقدم له الكثير من الدروس والعبر التي يحتاجها في دراسته؟ هكذا تتساءل المسرحية التي تماهت داخلها عناصر الفرجة المسرحية مع أداء الممثل لتشد انتباه المتفرج الصغير وتحمله إلى عوالم الخيال في مسرحية «لحية جدي».

«لحية جدي» مسرحية من اخراج و تأليف شكيب الغانمي وأداء ثلة من الممثليين المحترفين وهم نزار الكشو و أسامة غلام و اميمة  مجادي و مالك اللباوي ولعب دور البطولة لأول مرة، الطفل احمد ياسين الصغير صاحب التسعة اعوام وتقني اضاءة شوقي مشاقي وتقني صوت انيس الهمامي، مسرحية تحمل الطفل إلى عوالم الخيال وتشجعه على حب العلم والدراسة.
  بتقنيات سينمائية تكتب الحبكة الدرامية.

الموسيقى سيدة المكان، ترتفع تدريجيا لتحمل المشاهد إلى عوالم الخيال، يشتعل الضوء تدريجيا فتجدك أمام مكتبة ملأ بالكتب وفي الركن مدفأة ومكتب صغير هو مكتب الجد الذي سيحمل الطفل في رحلة إلى عوالم الخيال.

«لحية جدي» مسرحية داخل المسرحية، حكاية داخل الحكاية، الأولى تحدث على الركح هي تعبيرة عن الواقع تتضمن داخلها حكايات ومشاهد وقصص متخيلة صنعها خيال الطفل الصغير الموجود على الركح ينصت لقصص جده ويرحل بخياله ليستحضر تفاصيل القصة أمامه.

المكان في المسرحية أمكنة والزمان كذلك بعضها واقعي وبعضها متخيّل، الواقعي مكتب الجدّ، الكتب تزين المكتبة وتملاها، ينهمك الجد في كتابة حكاية جديدة إلى حدّ أن يسمع نداءات حفيده الذي يقبل على القراءة ويلتهم القصص ويطلب منه ان يخبره بحكاية مشوّقة، يحاول الجد الحديث عن «فلة والأقزام السبعة» ثم «السندريلا» لكن الطفل الذكي يعرف تفاصيلها حينها يحدثه عن قصة خيالية جديدة، وكلما تحدث الجد عن القصة انطفأت أضواء الجزء الأيسر للركح لتشتعل الأضواء على الجانب الآخر وكأننا بالمشاهد يسافر إلى عالم آخر او هي تقنية «فلاش باك» التي تعتمد في الدراما والسينما لتلعب الشخصيات أدوارها.

في «لحية جدي» يعتمد العمل على تقنيات سينمائية لإيصال حبكة درامية مسرحية تشد انتباه الطفل، تقنيات بعضها يقترب إلى الحقيقة فالمدفأة في أقصى الركح واشتعالها يكاد يكون حقيقيا، المكتبة وصور الكتب المنعكسة فوقها تبدو كأنها حقيقية وطريقة استعمال الضوء والتقنيات الموسيقية والضوئية أثناء تغير الشخصيات والأحداث هي الأخرى سينمائية تماهت مع المسرحي فقدمت فرجة تماهت داخلها السينما والمسرح لتحدث المتعة البصرية والفكرية.

مسرح الطفل: توعية ترفيه وتربية
مسرح الطفل وعاء حامل للعديد من الرسائل التربوية والقيم التثقيفية مغلفة في اللعب الدرامي الذي يقدمه الممثلون على الركح، «لحية جدي» عنوان المسرحية وهي نوعية من الحلوى التي يحبها الأطفال ويقبلون عليها، فاسم العمل كانه طعم لاصطياد الطفل وشده ليشاهد العمل منذ الاسم وقد عمل كاتب النص على الإشارات والترميز للغوص في تفاصيل الطفل.

في المسرحية الواقعي والخيالي وبينهما تحدث الفرجة والخيال الواقعي عجوز يحكي لحفيده حكايات قبل النوم، والطفل يحفز خياله ليرسم تفاصيل الحكاية وشخوصها وفي القصة ثلاثة مشاهد وثلاث حكايات مختلفة، لكل حكاية تفاصيلها ولباسها وجزئياتها، القصة التي يحكيها الجد بطلتها فتاة ذات مطالب مادية ووالدها الفقير يرفض كسر خاطر ابنته فتبدأ الرحلة والمتعة.

القصة الأولى تطلب الفتاة السفر إلى البحر لاكتشاف تفاصيله، يدعو الأب ابنته لتغمض عينيها ثمّ تقول الكلمات السحرية، حينها يرتفع صوت تلاطم الأمواج ومع تعبيرات الاندهاش على وجوه الممثلين يشعر الطفل انه في البحر فعلا، قبل أن يظهر القرصان ويحدث الصراع وتلك عقدة الحكاية تتصاعد الأحداث ويتحول الأب إلى قرصان «غبي» بتاثير سحري لكن الفتاة تريد انقاذ والدها وتسال القرصان سؤال علمي عن «اكبر المحيطات» يعجز عن الإجابة وتجيب هي انّ اكبر المحيطات هو المحيط الهادي وتقدم تفاصيل عن طوله وامتداده وتكسب الرهان وتسترجع والدها وقبل المغادرة يطلب منها القرصان أن توصي البشر بعدم رمي الفضلات في البحر.

فالقصة إذن توفر للطفل الفرجة من خلال تخيل أمواج البحر والصراع بين الاب والقرصان وتوفر له معلومات تربوية عن المحيط الهادي كأكبر محيطات العالم وتقدم له نصيحة بعدم رمي الفضلات في البحر، ثلاثة قيم غنمها الطفل المشاهد من القصة الأولى، قبل ان ينطفئ الضوء عن الحكاية المتخيلة ليعود إلى الواقع وهو نقاش الحفيد وجده.

في الحكاية الثانية يتغير المكان إلى الصحراء، يتغير معه الديكور المتخيل أي لون الضوء الذي أصبح يميل أكثر إلى الصفرة، والموسيقى التي أصبحت تحاكي صوت الرياح وقت الهاجرة مع ذبذبات لونية كالسراب في الظهيرة، ثمّ تظهر شخصيتان على الركح هما أمير الصحراء ومساعده (واللذين كانا في الحكاية الاولى القرصان وخادمه)، يسالان الأب كيف دخل إلى عوالم الصحراء دون «الدق على الكثبان» ويخبرانهما أنه يمكن لهما أن يجدا لهما طريق العودة ان أجابا عن السؤال المطروح وهو « هناك ظاهرة كلما توغلنا في الصحراء شاهدنا مياه وواحات وظلالا وكلما اقتربنا وجدنا اللاشيء» وكالعادة تتولى الفتاة الإجابة لتحدثهم عن «السراب» في الصحراء وتقدم معلومات عن هذه الظاهرة وقبل المغادرة يطلب منهما امير الصحراء دعوة الناس لرفض دخول الأجانب الى الصحراء واصطياد غزلانها وكالعادة توفر القصة معلومات تربوية وتثقيفية للمتفرج الصغير تقدم بطريقة مسرحية وفرجوية تحفزه على البحث وتدعوه للتفوق في الدراسة فالعلم وحده أنقذ الفتاة من المشاكل.

في المسرحية وفي الحكايات المتخيلة لا وجود لديكور فقط الضوء والموسيقى يصنعان فضاء الحدث مع ترك الحرية لخيال الطفل ليصنع الديكور كما يراه، واحتراما للمادة المقدمة يتغير «الكوستيم» حسب المشهد وتتغير نبرة الصوت والحركة وطريقة الأداء وتلك هي مميزات النجاح في مسرح الطفل تماما كقولة «الفن ليس الحياة الواقعية بل ليس صورتها المنعكسة، أن الفن في ذاته قوة مبدعة وخلاقة، انه الجميل في صورته المجردة وهو فوق الزمان والمكان».

أداء الممثل طريقة أخرى للإقناع
يعتبر الممثل عصب المسرح وعامله السيميائي الرئيسي، إذ يصعب الحديث عن المسرح في غياب الممثل، الذي يحول النص المسرحي إلى عرض بصري درامي وسينوغرافي عن طريق التشخيص» هكذا يعرف جميل الحمداوي الممثل وأهميته في اللعبة المسرحية.

وفي «لحية جدي» يحترم الممثلون مسرح الطفل فعلى الركح وطيلة ساعة من الزمن كان أداء الممثلين احترافيا جدا لم يستهزئوا بالمتفرج الصغير واحترموا عقله، على الركح غابت بعض الحركات المضحكة التي عادة ما يلتجئ إليها ممارسو مسرح الطفل وحضر أداء متقن وتقمص للدور والشخصية بكل احترافية فلكل ممثل شخصية مختلفة بتفاصيل متباينة درست جيدا وأتقنها أمام الجمهور.

التميز كان للطفل احمد ياسين الصغير، هو نجم المسرحية وسيد الحكاية طفل لا زال ينطق «السين» «ثاء» برع في أداء الشخصية ولبس تفاصيلها في طريقة الحركة على الركح والحوار بدا كأنه ممثل محترف وليس طفلا لم يبلغ التاسعة بعد، جسد شخصية الحفيد وقدم طريقة مختلفة في اللعب الدرامي وامتع الجمهور الذي تماهى مع أدائه وشخصيته ومواقفه وطريقته في الحركة والتعبير، طفل يمارس المسرح منذ سنّ الثالثة شديد الذكاء كان أداؤه ممتعا ومبهرا في أول تجربة مسرحية له.

الشخصية الثانية شخصية الجدّ التي قدمها الممثل نزار الكشو شيخ أكلت السنون من عمره وتركت بصمتها على الوجه وانحناءة الظهر وارتعاشة اليد تفاصيل أتقنها الكشو فبدا الأداء صادقا وممسكا بتفاصيل الحكاية واندمج في الدور إلى درجة تقمصه ذهنيا ووجدانيا وحركيا بغية إقناع المتفرج بالدوّر والأداء.

أما الحكايات المتخيلة التي حدثت داخل الحكاية الواقعية فكانت فيها الشخصيات متقنة والأداء مختلفا لانّ الأدوار اختلفت حسب الحكاية، شخصيات القرصان وأمير الصحراء ثم امبراطور الصين ثلاث شخصيات اختلفت من حيث اللباس والماكياج كذلك من حيث نبرة الصوت وطريقة الحركة والنطق، شخصيات حاول الممثل شكيب الغانمي الدخول الى تفاصيلها، تفكيكها واعادة تركيبها وكاننا بالممثل يعيد اكتشاف مادة داخل نفسه فيكون في إمكانه تكييفها بشكل يتناسب مع الدور كما يقول «ويلسون» في «سيكولوجية فنون الاداء».

شخصية اخرى تميزت في الأداء، ممثل اتقن الدور وحاول تغيير الصوت وطريقة التعبير وملامح الوجه والنظرات حسب المشاهد، شخصية الاب التي تقمصها أسامة غلام صنعت الاختلاف في المسرحية، الاب الذي تتغير ردّة فعله حسب المكان والموقف، وعبر تقنيات الممثل أكد أسامة غلام انه ممثل متجدد قادر على التجديد في الدور والشخصية وتميز في تطبيق تقنية pause plastique التي تطلبها المشهد الثالث ولدقائق كانت الشخصية جامدة كانها محنطة فعلا كما يقول الدور، شخصية انتمت الى مدرسة ستانسلافسكي في قوله «ان فننا هو ان تعيش في دورك في كل لحظة من لحظات أدائه، وفي كل مرة يعاد خلق هذا الدور يجب ان يعاش من جديد، ويجسد كأنك تؤديه لاوّل مرة».

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا