نابل في مدينة الثقافة: روائح الوطن القبلي تفوح بعطور الفن في قلب المدينة

«نيابوليس» او المدينة الجديدة او «الجنة الصغيرة» كما وصفها الرحالة الاوروبيون، نيابوليس المدينة الساحرة والحضارة الضاربة في القدم

كانت ضيفة مدينة الثقافة، جاءت محملة بخيرات المدينة وروائح «النارنج» و«ماء الورد» و«الزهر» الذي فاح في كل اركان المدينة وخيرات اريافها ففاحت رائحة البرتقال بكل ألوانه وتسمياته وانتشر شذاه ينعش الروح قبل الفكر.

نابل عاصمة الوطن القبلي، هي مدينة الخزف والحصير وتقطير زيوت الزهور فيها. موانىء الصيد بقليبية وبني خيار ومعها الفيفاك في قليبية، نابل المياه المعدنية بقربص وسحر جبال تاكلسة وتربية الصقور بالهوارية و إطلالتها البحرية المميزة، نابل بساتين العنب الشاسعة والمميزة في بوعرقوب وقرمبالية ، نابل حمّام الاغزاز والبحر والسينما ، نابل منزل بوزلفة الهادئة ومنزل تميم المعروفة بنضالات أبنائها الوطنية، نابل قربة ومهرجان مسرح الهواة وتاريخ ثري في الحركة المسرحية للهواية، نابل الميدة وسليمان، الريف والمدينة يتعانقان بشكل مذهل، يبهران الزائر الباحث عن القليل من الهدوء هكذا هي بعض الملامح والمعالم السياحية لهذه المنطقة الضاربة في التاريخ والجمال.

انطلقت الاحتفالية من أمام المدخل الرئيسي لمدينة الثقافة المطل على شارع محمد الخامس في يوم شتوي صنع رذاذ مطره موسيقى خاصة وبدا الاحتفال مع الفرق الاستعراضية الخاصة بالولاية كنحاسية نيابوليس وعيساوية سيدي بن عيسى من المعمورة وعيساوية بني خيار وفرقة الصف ماشطات نابل الخاصة بالافراح التقليدية للولاية وطبال المعمورة وسلامية الشيخ السويح من دار شعبان الفهري والتي قدمت للجمهور الحاضر مجموعة من اهم مراجع الموروث الغنائي لولاية نابل.

وفي البهو الرئيسي لمدينة الثقافة، تعرّف جمهور المدينة على جوانب من الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية لولاية نابل عاصمة الوطن القبلي من خلال معرض للصناعات التقليدية من الطرق على النحاس والفخار الذي تعود أصوله في الوطن القبلي الى العصور القديمة فنابل أو «الجنة الصغيرة» مدينة رومانية قديمة كانت منذ الفترة الرومانية تنتج الخزف وتبدع في نحت تفاصيله المميزة وطيلة قرون حافظت على هذا التقليد الذي أصبح فنا يميز الجهة، حيث ظهر في نابل من خلال أشكال مختلفة مثل الأواني ذات الأبعاد المجردة والدقيقة ومنها جرار خزن الزيت وقلال استجلاب الماء من الآبار والعيون ذات العنق الضيق والأنيق.

يذكر أن ورشات صناعة الفخـّار كانت متعددة في منطقة نابل وكانت تصدّر منتوجها بواسطة المراكب إلى كل المدن المجاورة لضفاف المتوسط وقد عثر المؤرخون أثناء حفرياتهم بنابل و دار شعبان و الحمامات على بقايا قلال وجرار وأوان من الفخار..

ولللباس التقليدي نصيب في يوم ولاية نابل بمدينة الثقافة حيث قدم حرفيوها عرضا لللباس الخاص بالأفراح ،من الكسوة إلى القميص والجبّة والجبّة العكري والفرملة وغيرها من الملابس التقليدية.

وللفن التشكيلي حضوره في يوم نابل بالمدينة اذ تبوح ريشة الرسام بسحر المكان وجماله وتنقل اختلاف التشكلات الجغرافية للجهة تشاكسها وترافق تلابيب الجمال فيها فكانت اغلب اللوحات تحاكي حياة البحارة وأخرى تقرب الموانئ القديمة والحياة الريفية وللفلاحة حضورها في اللوحات المعروضة لتقديم بسطة عن الفلاح وماتنتجه تلك الأراضي من خيرات جميعها رسمتها ريشات فنانين احبوا جهتهم.

بالإضافة إلى معرض لصور اهم مواقع ومعالم الوطن القبلي، اصدارات الجهة وجناح السياحة والمؤسسات الثقافية والورشات الحية للرسم الخاصة بالأطفال وجناح الثراث الغذائي الذي كان حافلا بالأكلات النابلية المعروفة خاصة الهريسة ومعرض لأهم المنتوجات الفلاحية خاصة القوارص والبرتقال وتقطير الزهر..

وتتواصل الاحتفالات واللقاءت وتتواصل متعة اكتشاف نابل ومخزونها التراثي والابداعي وفي البهو السفلي للمدينة كان الجمهور على موعد مع مركز الفنون الدرامية بنابل الذي قدم عرضا قياسيا «صوت وجسد» اخراج امينة دشرواي وعرض «نسمات « للمعهد الجهوي للموسيقى بينما احتفل مسرح المبدعين الشبان بعرض مسرحي لجمعية الصم والبكم الذي جسّد حادثة عمدون بشكل مسرحي أثر في الحاضرين في القاعة قبل أن يستمتعوا بعرض « كسر الجدران» وهو مونودرام يتحدث عن حرية المرأة وصراعها اليومي للمحافظة على مكاسبها وما تتعرض اليه من مشاكل وهو من انتاج دار الثقافة نابل.

واختتم هذا اليوم الذي احتفل بولاية نابل التي ولدت أعلاما وفنانين خلّدهم التاريخ في مسرح الجهات بعرض «عطور نابل» بمشاركة أكثر من عشرين فنانا غنوا لفناني الجهة العديد من الأغاني الخالدة مثل توسمت فيك الخير للفنانة نعمة وبين الخمايل ليوسف التميمي ومحلاك حبي والليل اه يا ليل وأناجيك وغيرها في أمسية طربية عادت بالجمهور لاغاني الزمن الجميل وللفترة الذهبية للاغنية التونسية.

نيبالويس الساحرة نيابوليس التراث والتاريخ والجمال الطبيعي المميز امتعت جمهور المدينة بما قدمته من القليل من موروث إبداعي مختلف، القليل الذي قدّم في المدينة يشجع الزائر للذهاب الى نابل واكتشاف تفاصيل الجمال فيها فالرحلة لا تتجاوز الساعة او الساعتين ليستمتع الحالم بالقليل من بهاء مدينة سبق وأن سمّيت الجنة الصغيرة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا