منـــبر: قطاع التراث في تونس قطاع مستباح مؤسساته مترهلة وقوانينه المنظمة متخلفة

بقلم: توفيق عمري (محافظ التراث)
يعتبر قطاع التراث في تونس من أكثر القطاعات المهمّشة منذ عقود وقد ظلّ حبيس مواقف وارتجال الوزراء المتعاقبين على الثقافة منذ الاستقلال

وقد استفحل هذا الأمر بعد الثورة حيث تم تغييب قطاع التراث (مؤسسات وأعوان) من برامج الحكومات بالرغم من الطاقة التشغيلية الكبيرة (حوالي 2200 عون في معهد التراث 450 عون في وكالة إحياء التراث وحوالي 20 في الإدارة العامة للتراث).
وقد تسبّب ذلك في:
1 - تفاقم ظاهرة الاعتداء على المواقع الأثرية من قبل بعض المواطنين ومن قبل العصابات المتاجرة بالآثار.
2 - تدمير ممنهج للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية من قبل بعض مؤسسات الدولة (خاصة البلديات والإدارات الجهويّة للفلاحة والتجهيز والشركة الوطنية لاستغلال وتوزيع المياه وشركة télécom وغيرها من مؤسسات الدولة وذلك بإعطاء أذون بالأشغال لبعض المقاولين دون الرجوع إلى المعهد الوطني للتراث، أو بعدم الالتزام بالإجراءات القانونية المنظمة لهذه الأشغال.
3 - تخريب بعض المعالم التاريخية من قبل بعض التجار والشركات خاصة في المدن التاريخية حيث توجد نشاطات مدنية وتجارية.
4 - الاعتداءات المتتالية على أعوان المعهد الوطني للتراث خاصة على عمال وحراس ومحافظي التراث وغيرهم.
وتعتبر هذه الاعتداءات على مخزوننا الأثري والتاريخي عملية ممنهجة من قبل المعتدين وكذلك من سلط الإشراف وذلك للأسباب التالية:
• رغبة أصحاب المشاريع في تنفيذ مشاريعهم في أدنى مدة زمنية دون تعطيلات.
• جهل أغلبية المتدخلين في الشأن التراثي بالقوانين المنظمة للقطاع.
• عدم رغبة سلطة الإشراف في فتح ملف قطاع التراث بالرغم من أهميته في تحريك عجلة التنمية والسياحة بسبب قلة الاعتمادات المرصودة من قبل الدولة لقطاع التراث.
حين تجتمع كل هذه الأسباب والإشكاليات يضيع قطاع التراث وأعوانه بين الثنايا.
كما نعلم الرأي العام الوطني بان قطاع التراث بتونس يعيش مشاكل أخرى هيكلية وتشريعية نذكر أهمها:
1 - ضعف هيكلة المؤسسات المشرفة على التراث وتعددها.
2 - تداخل المهام بين هذه المؤسسات.
3 - تخلّف القوانين والتشريعات ذات الصلة من أهمها مجلة حماية التراث الصادرة في أوائل تسعينات القرن الماضي.
4 - عدم صدور النصوص الترتيبية لمجلة حماية التراث منذ صدورها بالرائد الرسمي سنة 1993.
5 - عدم ملاءمة الأنظمة الأساسية لمختلف أعوان المعهد للواقع المعيش.
6 - الصبغة القانونية للمعهد الوطني للتراث كمؤسسة عمومية ذات صبغة إدارية عطل عديد التدخلات الضرورية.
7 - تعدّد المؤسسات المشرفة على التراث وهي أربع مؤسسات:
• المعهد الوطني للتراث
• وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية
• الإدارة العامة للتراث بالوزارة
• قصر الفنون والآداب القصر السّعيد وهو مؤسسة جديدة تم إحداثها يوم 4 نوفمبر 2019.
• هذا بالاضافة إلى وجود مصلحة للتراث بكل مندوبية جهويّة للشؤون الثقافية بكامل تراب الجمهورية
1 - مركزية مشطّة لمؤسسات التراث بتونس وخاصة المعهد الوطني للتراث.
2 - ضعف هيكلة المعهد الوطني للتراث وعدم ملاءمتها للواقع (بالرغم من قيام المعهد بدراسة لإعادة هيكلته تكلفت قرابة 200 ألف د) وبقيت حبيسة مكاتب وزير الشؤون الثقافية.
3 - ضعف عدد التقنيين والفنيين في مختلف مصالح المعهد.
4 - تقلص عدد الباحثين بالمعهد ( بعد وفاة بعضهم وإحالة عدد كبير منهم على شرف المهنة) وعدم فتح مناظرات خارجية لانتداب باحثين جدد بالرغم من ارتفاع نسبة البطالة في صفوف حاملي شهادة الدكتوراه في اختصاص التاريخ والآثار من بينهم محافظي التراث المباشرين الحاملين لشهادة الدكتوراه والذين يزيد عددهم عن 20 دكتور في التراث والآثار.
5 - توزيع جغرافي غير مدروس وغير منطقي لعدة إطارات بالمعهد على مختلف الجهات وغياب العدد الكافي للباحثين في عدة ولايات وعدة اختصاصات، عدم وجود مهندسين معماريين مقيمين في عدد كبير من الولايات (أكثر من عشر ولايات داخلية) من الوسط الغربي وكامل الجنوب لا يوجد فيها مهندس أو مهندس معماري واحد من الرغم من أهمية المواقع الأثرية والمعالم التاريخية فيها.
6 - مهمّات إدارية وعلمية وفنية بمختلف ولايات الجمهورية تتطلب تدخلا من إطارات المعهد العاملين بالإدارة المركزية بتونس وهذا مكلف وغير ناجع بالنسبة للدولة.
7 - غياب مقرات إدارية لمختلف مصالح المعهد المركزية والجهوية، حيث يتم توظيف معالم تاريخية كمبان إدارية وهذا من شانه أن يضر بهذه المعالم كذلك غياب كلي لمقرات عمل بأغلب الولايات.
8 - ضعف الميزانية والاعتمادات المخصصة لقطاع التراث مما ينجر عنه عدم تمكن أعوان المعهد من الحصول على معدات وتجهيزات إدارية للعمل.
9 - صعوبات جمة تعترض أعوان المعهد خاصة منهم الحراس ومحافظي التراث والباحثين في المواقع الأثرية والمعالم التاريخية نظرا لعدم امتلاكها من قبل الدولة ( أغلبيتها ملك خاص يصعب إقناع أصحابها بضرورة التدخل واستعجاليته) وتصل إلى حد الاعتداء بالعنف المادي واللفظي على أعوان المعهد وتهديدهم بالعصي والسلاح ( بنادق الصيد).
جميع هذه الصعوبات والإشكاليات العويصة يعيشها أبناء قطاع التراث وتنعكس على سلامة المخزون الأثري والتاريخي في البلاد التونسية وتتمعش منها بقية الأطراف التي لها مصلحة في ذلك دون أي تدخل عاجل من سلطة الإشراف قصد حلحلة هذا الواقع المتردي .
وفي ظل التغيرات السياسية التي تعيشها بلادنا خاصة ونحن على أبواب تشكيل حكومة جديدة نوجه رسالتنا إلى السيد رئيس الحكومة المكلف والوزير القادم المشرف على التراث ونطلب منه:
1 - إيلاء قطاع التراث بتونس أولوية قصوى.
2 - إفراد قطاع التراث بوزارة خاصة او ديوان للتراث او كتابة دولة للتراث
3 - التسريع بإعادة هيكلة المعهد الوطني للتراث وإصدار الأوامر الحكومية اللازمة.
4 - إلغاء الأمر الحكومي الخاص بإحداث مؤسسة قصر الفنون والآداب « القصر السعيد»
5 - تنقيح مجلة حماية التراث وإصدار النصوص الترتيبية الخاصة بها.
6 - عقد مؤتمر وطني للتراث ومشاكله والصعوبات التي تعترضه.
7 - تنقيح القوانين الأساسية الخاصة بأعوان المعهد (سلك محافظي التراث وعمال وتقنيين وغيرها).
8 - الجلوس إلى طاولة الحوار مع النقابات العمالية قصد إيجاد حلول عملية لكل هذه الإشكاليات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا