على هامش دورة تونس الدولية لسباقات المهاري «الهجن» الباحث في الإبل الجزائري عبد الحميد يحياوي لـ «المغرب»: الجمل رمز من رموز هويتنا و عمقنا الحضاري...

تحمل الإبل الكثير من الرموز والدلالات، وذلك لخصائصها الفريدة، وتاريخها الطويل في التراث العربي والانساني عموما،  مع شراكتها

للإنسان في صناعة حضاراته كما وظفت في صميم الحياة الثقافية الاقتصادية، والاجتماعية، فضلا عن كونها استلهمت في الإبداعات الأدبية والفنية، ومنها: الشعر الشعبي والرسوم والنقوش، والمنحوتات  واللوحات، التي قاربت من خلالها، خاصة التأثيرات والعلاقات المتبادلة بين الإبل، والبيئة الصحراوية من جهة ، وبين الإبل، والإنسان من ناحية أخرى...وقد غاصت الدورة 4 لدورة تونس الدولية لسباقات المهاري «الهجن» وندوتها الفكرية في مختلف هذه المحاور لهذا اختارت « المغرب» إجراء الحوار التالي مع مهووس وباحث في تربية الإبل من عدة زوايا وهو الاستاذ الجزائري عبد الحميد يحياوي :

• لو تقدم نفسك في كلمات:
عملت استاذا سابقا بالمعهد الوطني للزراعة بالجزائر ومدير عاما سابقا بالمعهد الوطني للإرشاد الفلاحي الجزائري واعمل خبيرا في الابل بمختلف القارات وخبيرا أيضا في التنمية المستدامة والسياحة البيئية ومندوب لمجلة الابل الإماراتية بالمغرب العربي.. 

• تابعت تظاهرة دوز لسباقات المهاري بدوز منذ تأسيسها، فهل يمكن أن تقدم ارتساماتك الاولية حول الدورة الرابعة والأخيرة؟
هذه مشاركتي الثالثة في دورة تونس الدولية لسباقات المهاري «الهجن» بدوز  وما استطيع أن أقوله حول الدورة الرابعة منها ومسارها التاريخي انها شكلت تطورا   لافتا سواء من حيث التنظيم الذي كان محكما أو من حيث ارتفاع عدد البلدان المشاركة نذكر من بينها مالي والمغرب مما اضفى تنوعا و حيوية اكبر لتشكل الدورة فرصة للقاء الثقافات والخبرات  المتعددة عربية وأفريقية مما سيعزز مكانة المهرجان  دوليا وبالنسبة للفقرات الرئيسية فبقيت ثابتة الا انني لاحظت هذه السنة قفزة نوعية واعية بالنسبة للندوة الدولية التي تقام سنويا على هامش التظاهرة حيث خصص موضوع اهتمامها للاستثمار في منتجات الإبل واتمنى ان نخرج بتوصيات نحولها إلى مشاريع مصغرة في منطقة دوز والجنوب التونسي والمغاربي عموما حتى ننتج الثورة من خلال الابل والرفع من مستوى معيشة مربي الابل  و نثمن هذه المنتجات ونروج لها على المستوى المحلي والدولي.

• ما نلحظه  أن تربية الإبل اليوم هي بين تراث الماضي ومخاوف الحاضر؟
أولا حين نتعامل مع الجمل كأحد مكونات البيئة الصحراوية والعمود الفقري لحياة البدوي  يجب الا ننظر الي الجمل بكونه مجرد  كائن يعيش في الصحراء وياكل اعشابها ويعطينا ما نحتاجه من بعض متطلبات الحياة فالجمل أكبر من هذا، إذ هو رمز من رموز هويتنا وعمقنا الحضاري وأصالتنا وهذا الجمل له منظومة من المعارف التقليدية والمهارات وأشكال التعبير الثقافي المختلفة التي لا يمكن أن يستمر الجمل في المستقبل بدونها.. كل هذه الثقافة الشعبية بمختلف انواعها ومستوياتها هي صمام أمان لبقاء البداوة العربية من جهة ولقدرة البدوي على أن يعيش في ظروف صحراوية قاسية.. فالجمل الآن هو الحيوان الاقدر على توفير غذائي متوازن للبدوي في ظل المتغيرات المناخية الحادة التي تعرفها الكرة الأرضية وفي ظل موجات الجفاف التي تضرب المناطق الجافة وشبه الجافة في الوطن العربي وفي هذا السياق أورد مثالا ان فرنسا اليوم بدات الاستثمار في الابل في الجنوب الفرنسي استباقا لموجات الجفاف التي ستعرفها أوروبا خلال عقدين من الزمن على أقصى تقدير وقد وصلت عديد الوفود الفرنسية المختصة في المجال إلى الجزائر وموريطانيا وتونس بحثا عن أصناف وسلالات الابل الأكثر مقاومة للجفاف والتي لها القدوة على إعطاء كميات جيدة من الحليب واللحوم. اذن الغرب يٌعد نفسه ونحن مطالبون بإعادة النظر في تصوراتنا والكثير من قناعاتنا لان زوال الجمل او انحصار تواجده في الصحراء العربي يعني مشكلة كبيرة لمتساكنيها وعلى هذا الأساس فإن التعامل مع ابل السباق امر جيد باعتبارها العاب الأباء والاجداد وتحمل فروسيتنا ونخوتنا لكن هذا لا يعني أبدا ان نهمل إبل الإنتاج لأنها الاقدر على تعزيز أمننا الغذائي في المناطق الصحراوية من جهة و قادرة على أن تكون مصدرا  لتصدير الكثير من المنتجات التي ستغير من انواع الإنتاج.. وخلال لقاء جمعني موخرا مع مالك تونسي للابل سألته عن الراكب الآلي للسباقات فاجابني ان الراكب الآلى يشبه الطعام دون ملح...

• في ظل مخاوف الحاضر  الا ترون ضبابية مستقبل الاهتمام  بتربية الإبل؟
لكن مع مخاوف الحاضر، نحن ملزمون بالدخول بالابل إلى المستقبل مع ضرورة الحفاظ على جذورنا راسخة في تربتنا الحضارية حتى لا تجرفنا رياح العولمة والأن اذا ضاع الموروث الثقافي ألمرتبط بالابل والمرتبط بالبداوة واذا ضاعت منظومة  القيم التي تحكم الإنسان في البداوة العربية لا أتحدث عن هذا من منطلق عاطفي وإنما لأن ما تقدمه البداوة من قيم هو نتاج تفاعل الإنسان مع الحيوان مع المكان والزمان هو انتج منظومة القيم وانتج أيضا أساليب الحياة القادرة على تسهيل استمرارية حياة الإنسان في هذا المكان القاحل لهذا أكرر ان مهرجان دوز للمهاري عليه بالتوسع اكثر خاصة في محيطه المغاربي وتشمل بقية الإبل و الأهم خلق برنامج بسيط يتمثل في جمع اكثر ما يمكن من تراث الابل في بلدان المغرب العربي ويتم تبويبه وتقديمه من قبل مختصين خلال الدورة القادمة  وانا شخصيا قمت خلال ثماني سنوات بجمع كل الشعر والامثال الشعبية والحكم والقصص والاساطير المتعلقة بالابل في الجزائر في 650 صفحة من هذا الموروث ولازلت أشتغل.. اذن لنجمع ما عندنا وهو مشترك ليس فيه الكثير من الاختلافات لان أبناءنا في المستقبل ومع رياح العولمة افتقدوا جزءا من توازنهم وحين يلتفتون الى الماضي تجد أنهم سيضيعون ويدخلون في تيه حضاري..

• في عودة لمحور الاستثمار في الابل ماذا تقترحون كحلول عملية لتطويرها؟ 
ياخذ الاستثمار رؤيتين الأولى رؤية الهوية والاصالة وتسليح ذاتنا بزادنا الحضاري لنجابه المستقبل ورؤية الابل كآلية لتنويع اقتصاديات الدول العربية  بالنسبة للاستثمار فنتحدث حوله في المجال النظري وفي الإعلام وفي الندوات العلمية في الجامعة لكننا اليوم في حاجة ماسة إلى التطبيق والتنفيذ فنحن في حاجة أولا الى منظومة صحية قادرة إلى صيانة صحة الإبل والمشاكل حادة في هذا المجال خاصة في المغرب العربي فالاطباء البيطريون لا يدرسون تخصص الابل  مما خلق العديد من المشاكل بين البيطري والمربين  لهذا اقترح ادراج تخصص الجمل في المعاهد البيطرية  في المغرب العربي كذلك ضرورة وضع خارطة جامعة لأمراض الابل ثم أساليب علاجها التقليدية تقدم إلى المخابر العلمية لدراستها والاستفادة منها وهذا يتتطلب توفر ارادة سياسية جادة وباحثين وبياطرة وممولين وبالنسبة للاستثمار هناك الاستثمارات البسيطة والاستثمارات المعقدة جدا نذكر من بينها معامل صغيرة لحليب الابل المعقم و أخرى لجلود الابل والوبر كما أن هناك 64 منتج تجميل تصنع من حليب النوق، كذلك معامل اللحوم التي تحتاج إلى استثمارات كبيرة ... وهذا يتطلب منا إعادة النظر في من نحن و من أين جئنا وإلى أين نحن ذاهبون؟ فانواع الاستثمارات الحالية هي استثمارات تحيى الآباء وتقتل الأبناء ظرفية ومتماشية مع ظرف اقتصادي عالمي  قد يتغير في أي لحظة اما الاستثمار الهادف في الابل فهو الاستثمار الدائم والأقدر على تلبية احتياجاتنا المعيشة والحضارية...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا