درس افتتاحي في المعهد العالي للدراسات التطبيقية في الإنسانيات بقفصة: النص من المفهوم إلى النظريات..

احتضن مؤخرا المعهد العالي للدِّراسات التطبيقية في الإنسانيات بقفصة حدثا علميا استشنائيّا تمثل في تقديم الدكتور والأستاذ المختصّ

في السرديات رضا بن حميد درسا افتتاحيّا بعنوان «النص من المفهوم إلى النّظريات» وذلك وسط حضور لافت من الطلبة والأساتذة والضيوف من مختلف الاختصاصات قدموا من مناطق عديدة لحضور هذه التظاهرة التي ميزت بداية السنة الجامعية الجديدة.

يعتبر الأستاذ رضا بن حميد -وكما قدمه المنظمون- علما من أعلام الجامعة التونسية ويختزل تجربة ثرية حيث أشرف على عديد الندوات العلمية والمقالات والمشاركات في عديد الجامعات الوطنية والعربية ومسيرته امتدت على أكثر من أربعة عقود بين التدريس والبحث العلمي و تميزت بالثراء والتنوع وصولا إلى ترؤسه لمدرسة الدكتوراه بالقيروان منذ 2016 كما نشر مقالات علمية بمجلة فصول والموقف الأدبي و الخطاب وكتابات معاصرة وله كتب عديدة منها الشخصية في نماذج من القص العربي وكتاب في قراءة النص وكتاب قيد النشر عتبات النص الروائي...

انطلق الأستاذ رضا بن حميد في مداخلته بشكر الحضور ثم كشف الأسباب التي دعته إلى اختيار الموضوع الذي وسمه بعنوان «النص من المفهوم إلى النظريات» مبينا أنّه موضوع تقني معرجا على تطور الدراسات النقدية التي خرجت من النزعة التاريخية لتفتح آفاقا جديدة أمام قراءة النص فقد وسعت المناهج دائرة أبحاثها بفضل اللسانيات والبنيوية فتجاوزت الدراسات النفسية والتاريخية والاجتماعية معتبرا أن كل هذه المناهج تتوق إلى الاتصاف بالعلمية لمقاربة النص الذي بدا عصيّا على الحصر والخضوع لمنهج واحد ذلك أن المناهج في تطور مستمر وتواصل وقد طرح الأستاذ المحاضر سؤالا مركزيا : كيف يمكنُ أن نفيد من هذه المناهج دون أن ننغرس فيها انغرسا كلّيا حتى لا تتحول إلى مجرد تطبيقات وتمرينات ؟ معتبرا أن فتنة النص أقوى من المنهج فالنص أكبر من المنهج ذلك أنّ النص يشتغل وفق أنساق مختلفة لذلك من الضروري الاستعانة والافادة من مناهج متعددة من قبيل المقاربة الداخلية المحايثة للنص وكذلك التداولية والاجتماعية والنفسية والسيميائية وهذا لا يعني أن يكون العمل تلفيقا وإسقاطا وإنّما من قبيل الوعي بخصوصيّة النص وتعدد إمكانيات القراءة والتأويل . فالنص لا يسير في وجهة واحدة وإنما هو فضاء وعالم موسوم بالتعدد والانفتاح يفيض على المنهج ويتجاوزه ..

هذا وطرح الأستاذ بن حميد السؤال المركزي الثاني : هل يمكن أن نجد اليوم منهجا عربياّ يستفدُ من هذه المباحث نظرا لخصوصية النص العربي في الأسلوب والمعجم والتركيب ؟ وبعد طرح مسألة المنهج انتقل الأستاذ إلى الاعتناء بالنص واختار من المداخل المدخل المعجمي فوقف عند مفهوم النص ووصله بمعاني الرفع والإسناد والظهور والحركة فأصّل المفهوم وقدم مقاربة معجمية بالعودة إلى عيون الكتب من قبيل لسان العرب ومقاييس اللغة فحفر في عمق المصطلح وكشف دلالاته ومعانيه ليصله بمعاني الارتحال والسفر اللغوي من عالم الأشياء إلى عالم اللغة منبها إلى غياب هذا المفهوم، مفهوم النص في الدراسات القديمة واعتنائها بالكلام مفهوما عاما دون تخصيص من قبيل الجملة وتفريعاتها من اسم وفعل وحرف كاشفا عن غياب المفهوم وعرضيته في التراث البلاغي واللغوي مقدما تصوره المخصوص للنص فقد عرفه بقوله «النص كلّ مادّة لغوية قابلة للدرس» سواء أكان شفوياّ أو مكتوبا لأنه موصول بما هو شفوي كذلك ومنفتح على ما هو معيش ومنطوق وقد قدم أمثلة تقريبية من قبيل تجربة مسرح قفصة ومسرح الأرض بالكاف مشيرا إلى أهمية اللُّغة في المُمارسة المسرحية واهتمام النص بالعلامة اللغوية وغير اللغوية في إشارة إلى وسائل الاتصال غير اللُّغوية مثل الوجه والعينين معتبرا أن لهذه الإشارات كلام يتخطّى الكلام. فللنص كذلك مكونات غير لغوية. وقد بين بن حميد كذلك أهمية النص في كشف العالم الداخلي والخارجي كاشفا عن البعد الحواري للنص وظاهرة التعدد الصوتي والتناص مستأنسا بأحدث النظريات التي اعتنت بالنص من قبيل جوليا كريستيفا وميخائيل باختين وتودوروف وازوالد ديكرو وغيرهم وكشف الأستاذ بن حميد بأسلوب دقيق عن الإحراجات التي وقع فيها المنهج البنيوي فلئن ردت البنيوية للنص اعتباره إلاّ أنها جعلت من النّص كونا مُغلقا منكفئا على ذاته وهو ما يطرح أسئلة ملحّة من قبيل : إلى أيّ حدّ يمكنُ أن تقتصر القراءة الدّاخليّة على الأبنية لما لها من قيمة في ردّ اعتبار النص؟
فالنص ليس فعل كلام فحسب بل هو مؤسس للأفكار والدلالات، فليس هناك نصّ معزول عن أقوال الآخرين فالملفوظ العادي خطابٌ إبلاغي والملفوظ الأدبي خطاب بلاغي يحيل صاحب الدرس على نظريات التعدد..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا