روبورتاج: «قسيطلية» التاريخ والجمال تغريك بالزيارة

يا باحثا عن الهدوء واحات قسطيلية تغريك بالزيارة ففي خضرتها سحر وفي انعكاس الشمس على النخيل الباسق كتابة جديدة

لتلوينات العشق الازلي، يا باحثا عن السلام مدينة العلماء والديانات والاختلافات تدعوك لتتجول في قصصها وتسمع ترانيم السلم فيها، يا قاصدا وجهة الحبّ في الكوفة الصغرى تجد العشق متشكلا في عمارة ساحرة وتاريخ عريق وامتداد مبهر فمن بعيد تلوح لك واحاتها الخضراء كسجّاد ملون صنعته امهر النسوة وفي التدرجات اللونية التي تصنعها الطبيعة ابداع يلهم العاشق ليطيل المكوث.

نفطة مدينة لا تنسى، مدينة ترسخ تفاصيلها في الذاكرة، مدينة تشعرك انك جزء منها في كل تفاصيلها وعمارتها ونخيلها ومياهها وامتدادها تشعرك بالانتشاء، مدينة العلم والسحر والبهاء كلما زرتها جذبتك للتجوّل في ثنايا قصصها والاستماع الى حكاياها والشعور بالفخر بأنك تونسي وان هذه المدينة جزء منك ومن ذاكرتك.

نفطة تاريخ وحضارة
باسم الحب ندعوك للتجول معنا في ربوع المدينة الجميلة، باسم التاريخ نتشارك أيها القارئ في صفحات من عبق التاريخ في نفطة الساحرة، إلى أقصى الجنوب تكون الرحلة قرابة 450كلم عن العاصمة و28كلم عن مدينة توزر تفتح نفطة أحضانها للباحثين للمحبين وللحالمين ففي نفطة يحلو اللقاء وتكون تفاصيل الحلم أجمل.

من بعيد يلوح قوس كبير هو مدخل المدينة بني بالآجر المحلي الأصفر اللون، الآجر الذي تجده في كامل المدينة فنفطة تحافظ على معمارها وحضارتها وهي الضاربة في التاريخ.

في نفطة يؤمنون انّ مدينتهم قديمة جدّا قدم الانسان وتتمسك الذاكرة الشعبية الجماعية بأنّ مدينتهم كانت قريبة من البحر وفيها رست سفينة نوح ويجمعون على انّ تأسيس المدينة التي كانت تسمى «قسطيلية» أسسها قسطل بن مام بن نوح عليه السلام، وكلمة قسطيلة تعني القصور، وقد بنيت على أنقاضها مدينة «كتهاور» التي عرفت فيما بعد باسم «اقارصل» التي ولد على ارضها فاتح الاندلس طارق ابن زياد فهذه الجنة الصغيرة منذ القدم عنوان للشجاعة والتميز.

وقسطيلة تغري بالزيارة، تغريهم بالبقاء أكثر فتاريخها يشد الزائر ولك أن تستمع الساعات الطوال إلى حكاياها دون أن تنفد، «كتهاور» تدعوك لمزيد البقاء ولتأكيد انها مدينة تاريخية قديمة فقد اكتشف في غربي المدينة في سبتمبر 2016 موقع أثري يعُود تاريخيا إلى ما بين 80 و 100 ألف سنة قبل الميلاد في علاقة بالحقبة «العاترية» وَوُجدت بقايا حيوانية كالنعام ووحيد القرن والأسد والحصان الوحشي وغيرها إضافة لأدوات صوانية. وزادت هذه الحفريات في تأكيد المدّ الحضاري والتاريخي لمنطقة نفطة وجهة الجريد تلك التي كانت ارضا للعلم والتاريخ وابوابها ومساجدها وفضاءاتها التاريخية ونخيلها الشامخ شاهد ابدي على ذلك.

الكوفة الصغرى مدينة العلم والعشق 
شوارعها مغرية، نظافة يلاحظها الزائر منذ مدخل المدينة، الشارع الرئيسي طريق طويل الى يمينك المدينة الحديثة والى يسارك المدينة العتيقة ببراطيلها وحكاياها، تتوسط المدينة يافطة كبيرة باللغة الانڤليزية ويتوسطها قلب كتب عليها «أحبك نفطة» وكيف لا تحبّ نفطة وانت تقرأ ما قاله عاشقها مصطفى خريّف:
كم تساقينا الأماني وسهرنا
وشربنا وحدنا حتى سكرنا
وشكا العذّال منّا فسخرنا
أفهل تهتمّ من قيل وقال؟
أنا في الحبّ جسور لا أبالي

وفي حبّ نفطة كل تقاليد العشق مباحة، في حبّ مدينة الواحات الجميلة والكثبان الرملية الذهبية كل تقاسيم الحب ممكنة، في مدينة ومنذ القدم عرفت انها مدينة للعلم والعلماء وأنت تدخل المدينة سترى قبابها الخضراء «واحد، اثنين، ثلاثة» لا تكمل العد فالقباب كثيرة تتجاوز المائة والمساجد والجوامع أكثر، لذلك سميّت بالكوفة الصغرى تعاند شقيتها الكوفة الكبرى في تكوين العلماء والباحثين.

فزوايا نفطة الكثيرة وقد كانت فضاء للدراسة، كان فيها الطلبة الجوالون الذين يتنقلون من تونس والقيروان وشرق الجزائر كذلك من المشرق كانوا يقيمون في الزوايا فيها ويتعلمون ويفكّرون ويجدّون في الكتب فالكوفة مدينة للعلم وكلما تجولت في ربوعها اكتشفت انّ أرواحهم لازالت ترفرف فوق المدينة، المدينة التي عشقها خريف والميداني بن صالح والهاشمي الطرودي المدينة التي علمتهم انّ الوطن فكرة وجب الدفاع عنها.

سيدي بوعلي السنى مزار الجميع
هدوء يعمّ المكان، صبيحة يوم نوفمبري شمسه خجولة تدغدغ جريدة النخل وتنعكس على عراجين الدقلة المعلقة في السّماء، العصافير تكتب موسيقى الصبح وتوفر لزائر الواحات لقاء مع موسيقى هادئة تكتبها الطبيعة، طريق غابية ممتعة، النخيل من اليمين واليسار، من الجريد صنع ما يشبه الحاجز بين الطريق والغابة (الواحة هنا تسمى الغابة) فترى عريشا صغيرا بني وسط الواحة لاستقبال صاحب المكان وضيوفه ليتسامروا ليلا تحت ضوء القمر ونجومه الساهرة، الابواب الخشبية بنية اللون توجد طيلة الطريق الغابي وهي مصنوعة من خشب النخيل فالنخلة هنا امّ الجميع وسيدة المكان.

بعد مشي قرابة الربع ساعة في الطريق الغابية يستقبلك فضاء كبير فتح ابوابه للمريدين والزوار مقام «سيدي بو علي السني» مقام كان عبر التاريخ فضاء للقاء، للعلم وللمعرفة وليس لمجرد تقديم النذور أو التقرب الى الله عن طريق اوليائه الصالحين، بل فضاء للتصوّف للقاء وللنهل من كتب العلم والمعرفة الموجودة في المقام، يعود المقام الى تاريخ قديم وقد دفن فيه العالم السني المعروف المعروف بسيدي بوعلي السني، الذي وضع ركائز مذهب السنّة في منطقة الجريد ونفزاوة في تونس، وقد كان قدوة في الزهد وحياة التصوّف، وهو أحد الأولياء الصالحين.

في الكوفة الصغرى تعد خرجة سيدي بوعلي ثالث أيام العيد مهرجانا عظيما، فهي مناسبة للزينة وللقاء، يوم يلتقي فيه كل سكان نفطة مع سكان الشرق الجزائري وتوزر الذين يأتون أفواجا للفرح والغناء، فالصوفية هنا موعد للحياة ولا للموت والصوفية هنا موعد للفرح تماما كما مهرجان الروحانيات الذي يقام جزء من برامجه في مقام سيدي بوعلي، خرجة سيدي بوعلي فرصة للفرح وإحياء احتفالات المدينة بعيدا عن المعتقد الديني فهي زيارة واجتماع واستمتاع بالموسيقى والطرق الصوفية التي تزخر بها الكوفة الصغرى.

المقام كبير جدا، باب كبير بنيّ اللون كما تراب الأرض، في الداخل زين بالجليز الموشى بأبهى الرسومات، الشبابيك والأبواب تشترك في اللون الأخضر الذي يتماهى مع خضرة الغابة، الغرفة الأولى إلى يمينك هي «المقام» جليز يوشى كامل الغرفة وسقفها بالجبس الأبيض رسم فوقه آيات قرآنية بخط كوفي مبهر، ثمّ سقيفة ومجموعة من الغرف خصصت للزوار وللمارة ولعابري السبيل، ذلك الصحن المربع الشكل الكبير فضاء لإقامة العروض الفنية والاحتفالات التي يحتضنها فضاء المقام، إذ هو يفتح أبوابه للثقافة والفن وكل التلوينات الإبداعية الصوفية وغيرها، ثمّ ممر طويل فأربع درجات إلى يمينك ويسارك رسومات غرافيتي وتذكر الإنسان بالعمل وأهميته فمدرسة قرآنية يٌلقى فيها الأطفال القرآن والتفاسير «نعلم الصغار أن ديننا دين تسامح نعلمهم قبول الآخر واختلافه، نعلمهم انّ القرآن يدعو للعمل والدين الإسلامي دين للحياة ولا الموت» كما يقول المشرف على المقام الذي أكد أنهم بتعليم الأطفال يحاربون الفكر الإرهابي الذي يشرّع للقتل وهم يشرعون للحياة.

دع المقام فلازال الكثير لاكتشافه فغابات النخيل تخفي وسطها الكثير من الأسرار ولانّ الكوفة منذ الأزل مدينة للاختلاف مدينة تعتز بمورثها الثري والمتنوّع مما جعل منها منارة للعلم فقبالة مقام ابي علي السني يقابلك على ربوة بحي المقدمين ضريح الشيخ أبو العباس الدرجيني الإباضي وكلاهما من علماء القرن الخامس الهجري وكانت بينهما لقاءات علمية ونقاشات.

النخيل الباسق يشهد على الاختلافات الفكرية التي عرفتها المدينة منذ الازل، المدينة التي انجبت الامام ابو القاسم عبد الرحمان الذي وضع اول شرح لصحيح مسلم، المدينة التي ولد فيها عبد الرحمان الصائغ النفطي قاضي الجماعة في تونس، مدينة انجبت الشيخ الصالح الخضر حسين، الذي شغل منصب شيخ جامعة الأزهر في القاهرة عام 1952 ميلادي، هي الكوفة الصغرى مولد محمد بن إبراهيم الذي أطلق عليه لقب جنرال العلماء، فهذه المدينة التي تفتح ابوابها للحالمين هي فضاء للتلاقي والتعدد مدينة التنوّع ما جعلها تحضر بقوة في التاريخ الاسلامي بشكل عام وتؤثر في التاريخ التونسي بشكل خاص كيف لا واغلب مناضلي برسبكتيف كانوا من نفطة.

البراطيل نافذة على التاريخ تستحق العناية
تتواصل الجولة، تواصل نفطة كشف اسرارها للزوار، تتواصل المتعة ومن سحر الواحات الى بهاء المعمار وتميّزه، من المدينة العصرية المفتوحة الى المدينة العتيقة القديمة، الانطلاق يكون من سوق الربع المربع الشكل الذي يحيط به السوق القديم ودار الثقافة مصطفى خريف ومنازل قديمة ويتوسطه نصب تذكاري يذّكر المارة انّ لنفطة شهداء ساهموا في حركة التحرر الوطني.

الجولة تبدأ من «برطال الخلاطة» ثمّ ساحة التحرير، البراطيل جميعها مبنية بنفس الشكل، منذ المدخل يعترضك الهواء البارد المنعش فقد بنيت بطريقة تسمح للهواء بالمرور لتقليص حرّ الصيف والبرطال هو الجزء المغطى من الشارع او الزقاق، بني بالاجر التقليدي الاصفر اللون صفرة الرمال، ويسقّف بالخشب المصنوع من خشب النخيل، وجاء في وصف البراطيل « ويستعمل خشب النخيل المُجفّف لتسقيف ما بين القوسين ثم تغطى بالطين والرمال الحمراء وليست الصفراء كخليط يوضع فوق الخشب، وتكون المسافة بين الخشبة والأخرى 50 سنتيمترا، وفي صورة بناء طابق ثان فوق البراطيل فإن المسافة بين الخشبة والأخرى تقل إلى 30 سنتيمترا مع توفير ميزاب فوق السطح بمثابة قنوات تصريف لمياه الأمطار» فهي عمارة متماسكة ومميزة.

البرطال فضاء للاجتماع للسمر وللاحتفالات منذ القديم ، ارفع رأسك قليلا سترى ان البرطال ينفتح بقوسين وتوجد على جانبه دكّات للجلوس وقد بنيت البراطيل بداية من القرن السابع عشرة ميلادي وهي في عمارتها تشبه كثيرا براطيل سيدي الهادف في مدينة توزر العتيقة.

والبراطيل في نفطة جزء من الذاكرة الجماعية وهوية المدينة وهي فضاء للقاء والخوض في شؤون البلاد والعباد، اغلب البراطيل تحمل اسماء العائلات التي قامت بتشييدها لانّ الأغنياء كانوا يشيدون البرطال ليكون مدخل المنزل الكبير الذي يقطنونه لذلك تشعر أن كل برطال مدينة مصغّرة فيسحرك «برطال عليو» ويذهلك برطال «دار اللالة» وتبحث خلف الاجر الأصفر عن قصص من سكنوا هذه البراطيل الهادئة التي لا تسمع داخلها ضوضاء المدينة الحديثة.

في برطال سيدي علي سياري توجد «دار الوادي» التي تحتضن بعض فعاليات حركة «الروحانيات»، منزل يعود لأحد الأعيان عمارته تكشف عن ثراء بناة البراطيل واهتمامهم بالعمارة والزخرفة العربية داخل المنازل المربعة والمكونة من طابقين وأبواب كثيرة.

البراطيل تاريخ وذاكرة لكنها تعاني الكثير من الإهمال إلى حدّ ان بعضها يخشى من سقوطها، البراطيل تمت صيانتها منذ 10 أعوام لكن اغلبها طاله النسيان وعدم الاهتمام فهل من مسعف؟.

الرحلة الممتعة توشك على النهاية ، الابواب الموصدة تخفي خلفها الكثير من الأسرار والحكايا التي لا تنضب، ابواب المنازل مميزة، تشترك في كونها من الخشب لكن زينتها تختلف حسب الطبقة الاجتماعية لصاحب المنزل، الأبواب وحدها تسحر الناظر وتخبره أن هناك الكثير ليكتشفه.

لا يمكن ان تغادر نفطة دون المرور على»كورباي» نفطة ذلك الفضاء الساحر المطل على الواحة والعين من علوّ، المنظر المختلف والمميز الذي يطل على الغابات الخضراء ومنه تصلك موسيقى خرير المياه حيث جلس البشير خريّف وكتب فصولا من روايته «الدقلة في عراجينها» وكلما تقدمت في المكان الا وشعرت بصوته يكتب ويصوّر المشاهد ويخلق الشخصيات، فالكورباي من اجمل المناظر الطبيعية في نفطة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا