عرض «فترية» لوليد الطايع في سجن منوبة ضمن اختتام أيام قرطاج السينمائية في السجون: السينما نقد للواقع واستشراف للغد ...

خلف القضبان العالية والجدران السميكة وفي خيمة صنعت خصيصا للعرض السينمائي كان اللقاء مع فيلم «فترية» لوليد الطايع،

في فضاء غير قاعة السينما وامام جمهور غير الجمهور المعتاد كان الموعد في سجن منوبة وامام النزيلات لمشاهدة آخر افلام أيام قرطاج السينمائية في السجون.

كان اللقاء في الاختتام مع فيلم «فترية» للمخرج وليد الطايع فيلم من تمثيل ثلة من المبدعين وهم عيسى حراث وجمال المداني وصباح بوزويتة وريم الحمروني ونادية سايجي وحسام الساحلي ومنير العرقي ومنى التلمودي، فيلم ينقد بعض الشواغل التي يعيشها التونسي.

فترية: فرجة متكاملة
فترية فيلم تونسي الروح والانتاج والتمثيل والمواضيع، فيلم يبدو كوميديا لكنه يخفي خلف الضحكة الكثير من النقد والوجيعة، فيلم يعود بالجمهور الى العام 2004 في فترة احتضان تونس للقمة العربية ويتطرق إلى الهوة العميقة بين ما كان يعيشه المواطن وما كانت تسوّق له السلطة انذاك عبر ابواق الدعاية في الاذاعات والجرائد والتلفزة.

«فترية» هو اسم الفيلم وهي كلمة من اللهجة التونسية ومعناها الشيء الذي يحدث الضجة في مكان ما، «الفترية» هي «الفوضى» وفي الفيلم نقل للفوضى التي عاشها المواطن التونسي في تلك الفترة، فللسينما القدرة على استحضار الواقع والتنبؤ بالمستقبل، الكاميرا العين الثالثة التي ترى التفاصيل والجزئيات الصغيرة التي نعجز عن مشاهدتها بالعين المجردة وفي الفيلم تتماهى الصورة المميزة والاختيار الذكي للقطات، فالكاميرا تنطلق من العام ومن صورة فوقية للعاصمة تونس وشوارعها النظيفة ثم تقترب من التفاصيل والبنايات الشاهقة النظيفة اثناء القمة ثمّ تتجه تدريجيا الى الشوارع الفرعية والمستشفى والحانة والعمارات القديمة لتصور الكمّ الهائل من القمامة والاهمال لتعود الصورة الى المشاهد الفوقية في آخر الفيلم.

الموسيقى كانت جزءا أساسيا لصناعة فرجة مضحكة ومبكية في الوقت ذاته، فالتناقض الذاتي الذي تعيشه الشخصيات تصوره الكاميرا وتنقل تفاصيله الموسيقى المميزة والحوار المشوّق بين الشخصيات لصناعة فرجة سينمائية مقنعة.

الكادحات...هنّ الاصل
«فترية» فيلم تونسي للمخرج وليد الطايع نقل بذكاء ما عاشه المواطن التونسي من الم وحرمان وتيه وسط احتفالات السلطة بأشغال القمة العربية، «صالحة» احدى الشخصيات المهمة في الفيلم شخصية ابدعت في تجسيدها الممثلة ريم الحمروني، صالحة تونسية بسيطة المعرفة، «تفك الفرنك» تعمل ليلا ونهارا في المسموح والممنوع فقط لتدرّس ابنها «الي عندو اسلوب» هي لا تعرف معنى كلمة «اسلوب» لكنها تعرف انّ معناها ايجابي لذلك تفعل المستحيل لتنقذ ابنها من براثن الجهل وتحثّه على الدراسة ليكون عنوان المستقبل وعنوانا لزهّوها.

«صالحة» شخصية نجدها بيننا، نعايشها ونعيش تفاصيلها، شخصية مركبة اتقنتها ريم الحمروني، صالحة التي تعيش تناقضا موجعا، تندب في المأتم لتتحصل على مقابل مادي بعدها ترقص وتزغرد في الفرح لتحصل على القوت وتبيع الخمر خلسة ، شخصية قوية تفتك قوتها وتتحدى الكل لينجح ابنها، صالحة شخصية تونسية عنوان للمرأة القوية تلك التي تبحث عن «الفرنك» غير مهتمة بخطابات السياسيين الرنانة وتنكب على «نصبة الفريب» بدل الاستماع لمن يخطب عن حقوق المرأة والديمقراطية، صالحة شخصية مميزة في الفيلم، شخصية موجعة تلامس وجعها لكنها ممتعة ومضحكة هي التونسية الراغبة في التغيير، شخصية لازال يحتضنها المجتمع التونسي وستظل مادام هناك تمييز في مجتمعنا.

الرقص وسيلة للمقاومة
يواجهن تعنّت المجتمع وقسوته ورفضه لهنّ لانهنّ يمارسن مهنة الرقص، ينعتن بأبشع النعوت لان الرقص ليس بفنّ لكنهن يواصلن العمل والتمسك بتلابيب الحلم علّهن يستطعن ان يكن نجمات ذواتهنّ ويشعّ نور ابداعهنّ في المسرح الصغير الذي يحمل افكارهنّ واوجاعهنّ، الشخصية النسائية الثانية المؤثرة في فترية هي الكوريغراف نادية السايجي التي تملك مسرحا وتمارس الرقص وطيلة الفيلم تحضر لعمل راقص جديد لكنها تعاني الكثير من التضييق من السلطة التي ترى أن عملها هباء ومن المواطن الذي يراهن عورة وما ينجزنه ميوعة، وبين قسوة السلطة ولا مبالاتها وظلم المجتمع يحاولن التمسك بحقهنّ في الرقص.

نادية السايجي ابدعت في شخصية نادية ومعها المميزة منى التلمودي التي ادت شخصية الراقصة التي تنحدر من حيّ شعبي يرفض رقصها وتواجه امها ومجتمعها وتجد في الركح وسيلتها للحياة، وما تمسكهنّ بالحق في الرقص إلا عنوان لقوة المرأة التونسية متى كان لها حلم ومبدأ تدافع عنه بدمها، وما سقوط المسرح في نهاية الفيلم إلا عنوان على اجهاض حلم وموته ليحترق ثم يعود الى الحياة كما طائر المنيرفا.

في «فترية» الرقص وسيلة للمقاومة، الفن اداة لنحت الذات وتحقيق الحلم والتمسك بالحق في ممارسة كل الفنون، في الفيلم اشارات مباشرة وأخرى غير علنية للتمسك بالحلم ومقاومة كل المعيقات لتحقيقه، هاهو اليوم يمكن للراقصين التعبير بكل حرية عن افكارهم وأرائهم ولأجسادهم الحرية لكتابة الياذة التحرر والمقاومة واصبح هناك مهرجان دولي يختص في فن الكوريغرافيا وباتوا يعبرون دون خوف.

السينما نقد للواقع ونقل له
«فترية» فيلم مشحون بالنقد، فيلم يبدو مضحكا من خلال تكاتف المشاهد الكوميدية التي تخفي وجعا كبيرا تعايشه الشخصيات، الشخصية الثالثة التي ينقل الفيلم وجعها شخصية الرجل العجوز وهو تائه في ممرات المستشفى شخصية اتقن أداءها الكبير عيسى حرّاث، ذلك العجوز الذي اتى من بعيد انهكه السفر وأتعبته الرحلة ليقابل طبيب القلب فيقوم بجولة في كل الاروقة حد ان ينتهي به الامر في سيارة الشرطة بعد ضربه للناظر، العجوز جاء محملا بالشعارات الرنانة التي سمعها في التلفزة بخصوص الحق في العلاج والعلاج المجاني والكرامة التي يتمتع بها التونسي فوجد نفسه في طابور طويل وأمام ممرضين لا يهتمون بالمريض قدر اهتمامهم بسلبهم اموالهم وبعد جولة في كل الاروقة تكون النتيجة الارهاق ومزيدا من الوجع في بلد يصرخ مذيعيه منذ الصباح «بلدنا بلد الديمقراطيات، في تونس العلاج مجاني، تونس عروس العرب».

«فترية» فيلم تونسي ينقد الواقع ينقله بطريقة ساخرة تطرح العديد من الاسئلة، فيلم يحمل المتفرج الى العمارات القديمة ليعايش وجع سكانها تلك العمارات الايلة الى السقوط التي تنهك «حمادي» (جمال مداني) وهو يحاول اصلاح الكهرباء فيها ويبحث عن عللها، العمارات القديمة في تونس تعاني من الاهمال والنسيان وعدم الصيانة لتكون بتلك الصور الكارثية رغم فرادة هندستها المعمارية وزينتها، وخلال فترة البحث عن العطب يتعرف حمادي على «نزيهة» (صباح بوزويتة» فيتجاذبان اطراف الحديث واطراف الحب بسبب فقدانها لرجل تحبه ويكون سندها، وفي ذلك اشارة الى معاناة اخرى للمرأة في المجتمع، ليكون الفيلم مشحونا بالنقد فيلم ميزته السخرية التي تخفي وراءها وجعا كبيرا يعيشه المواطن التونسي.

من 2004 الى 2019 تغيرت الاحداث والوجع واحد
تعود احداث فيلم «فترية» الى العام الـ 2004 اي قبل الثورة التونسية، لكن من 2004 الى 2019 هل تغيرت المشاهد التي شاهدناها في الفيلم؟ هل تغير الوضع؟ هل تحسنت حالة المستشفيات التونسية؟ هل تطورت الاجهزة المستعملة في مستشفياتنا؟ وهل تغيرت حالة الاحياء الشعبية؟ يبدو ان الاجابة «لا» فلازال المريض يعاني الكثير للحصول على موعد عند الطبيب المختص، لازال عليه الانتظار أشهرا ليقابل الطبيب، ولازالت سياسة المحاباة وتسلط الممرضين والعملة تتزايد إلى حدّ الهروب من المستشفيات العمومية الى المصحات الخاصة، اعوام مرت ولازال التونسي يعيش الوجع في البحث عن القوت، ولازلنا نرى صالحة ونعايش وجيعتها، ولازلت حال الاحياء على عهدها، ولازلنا نغلق الطرقات وتنظف جميعها بمناسبة القمة العربية او زيارات رسمية ولازال المواطن التونسي يعيش الكثير من المعاناة في وطنه الحر.

جميلة صميدة: المرأة التونسية الحديدية
يحبها الجميع، الكل يتحدث عن اخلاقها ورفعتها في التعامل مع النزيلات، جميعهنّ يتحدثن عن اخلاقها وتميزها، امرأة تونسية عرفت بقوتها ولينها معا، سيدة استطاعت ان تحافظ على نجاحها والصعود في سلم النجاح إلى حدّ الوصول الى مركز مديرة سجن منوبة، هي جميلة صميدة صاحبة القوام الرشيق والوجه الجميل والمواقف الصارمة، جميلة صميدة تونسية تميزت في مجالها واستطاعت ان تجمع حولها الموظفين والاداريين والنزلاء ومؤطري النوادي فهنا ومنذ لحظات الوصول الى السجن تسمع فقط عبارة «السجن مع مدام جميلة حاجة اخرى»، سيدة يحترمها الجميع رغم صرامتها، تحبها النزيلات وهي التي قالت «نحب السجادة الحمراء لبناتي قبل الصحفيين والضيوف» كإشارة الى اهتمامها بهن وفي كلمتها توجهت اليهن بالخطاب «بناتي وزميلاتي» وأشارت انها عازمة على ان تكون ادارتها في تناغم تام مع الادارة العامة للسجون في ابرام الاتفاقيات ذات الصلة بالنشاط الثقافي في السجون وإدارتها تفتح ابوابها لكل من يريد تحسين الخدمات في السّجن، مؤكدة انّ الفنون وسيلة للتغير في شخصيات النزيلات.

فتحي بن عثمان: مناضل ثقافي بامتياز
فتحي بن عثمان المستشار الثقافي في الادارة العامة للسجون، فنان مهتم بكل تلوينات الفن، مبدع يصر على مشاركة المؤسسات السجنية في كل التظاهرات الثقافية، يسعى الى الحرص على تأسيس النوادي الفنية في كل السجون واخراج النزلاء فيها لمشاهدة عروض او تقديمها خارج اطار السجن وكلما سئل تكون اجابته «الثقافة عنوان للحياة والحق ونحن نريد ان يكون للنزلاء حقهم في الثقافة».

السينما في السجون: فرصة للتمتع بالحق في الثقافة
فضاء العرض غير الفضاء، احساس اخر يسكنك وانت تدخل باب السجن الذي يغلق خلفك ولو لساعات معدودة، يكاد الاحساس بالاختناق يقتلك، احساس بالمرارة والوجع والسؤال والحيرة جميعها تسكنك وأنت تدخل السجن لمشاهدة فيلم سينمائي.

طاقة عجيبة شارك فيها النزلاء، طاقة من الحب والخوف والرغبة في الحرية، في تلك الخيمة الكبرى التي نصبت خصيصا للتظاهرة كان اللقاء مع الفيلم، التركيز على المشاهدة لن يكون قويا بقدر التركيز على ردات فعل النزيلات مع كل مشهد ولقطة وكلمة.

سجن منوبة شريك في تظاهرة ايام قرطاج السينمائية، ففي كل عام يكون للنزيلات الحق في مشاهدة السينما والتمتع بسويعات من الحرية الفكرية والنفسية، سويعات يجالسهن فيها مواطنين أحرارا ويتشاركن معهم في الفرجة، يتشاركون الضحكة والخوف لسويعات تغادر ارواحهن خارجا فتتمشى في الأنهج والشوارع ويخاطبن الاقارب ويتنفسن الاوكسيجين بعيدا عن الجدران فبالسينما تسافر بالروح وان ظلّ الجسد حبيس الجدران كما قالت مديرة السجن في كلمتها.

السينما في السجون فرصة ليتمتع السجناء بالفن السابع، فرصة ليتمتعوا بحقهم في الثقافة والشعور أنهم مواطنون كاملور الحقوق وان سلبوا الحرية، السينما في السجون تعبيرة عن انّ الثقافة وسيلة للإصلاح والتغيير والثقافة قادرة على التأثير ايجابا في الانسان ليبدع ويقدم اجمل الابداعات في الفن التشكيلي على غرار اللوحتين اللتين عرضتا في البهو لنجيب عياد وشوقي الماجري وهما من ابداع نزلاء سجن المرناقية، كذلك ابداعاتهم المسرحية فاغلب المؤسسات السجنية تقدم اجود الاعمال في تظاهرة ايام قرطاج المسرحية إلى حدّ أصبحت فيه الاعمال السجنية قبلة العديد من المهتمين بالفن الرابع لاكتشاف ابداعاتهم، وللموسيقى حضورها ايضا من خلال نوادي الموسيقى، فالفنون في السجن باتت عنصرا اساسيا في سياسة الاصلاح التي تعتمدها المؤسسات السجنية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا