أيام قرطاج السينمائية في السجون: عرض فيلم «لما بنتولد» لثامر عزت في سجن المسعدين سوسة: السينما تسائل المجتمع والذات ...

نحن من نصنع الأمل فينا، نحن من نكتب سعادتنا ونسعى الى تحقيقها وان ابت، نحن من نصنع قرارتنا الصائبة والخاطئة،

نحن نخطئ لكنّنا نسعى للتغير فنحن الحلم ونحن الامل والحقيقة والسينما وسيلة الفنان ليقدم لنا ذواتنا على شاشة كبرى، يعري قبح مجتمعاتنا ويصور أحلامنا فنراها امامنا لنعيد صياغتها من جديد فالسينما عملية ولادة متجدّدة لما نعيشه ونعايشه.

هكذا يمكن وصف فيلم «لما بنتولد» للمخرج المصري ثامر عزت الذي عرض يوم الجمعة 1نوفمبر في السجن المدني المسعدين سوسة، والفيلم عن نص وحوار لنادين شمس وتمثيل عمرو عابد وامير عيد وابتهال الصريطي وسامح السريطي ودانا حمدان ومحمد حاتم وحنان سليمان وبسنت شوقي وسلمى حسن ودعاء عريقات وعرض الفيلم في السجن ياتي بالشراكة بين المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب وايام قرطاج السينمائية والمنظمة تعمل على نشر الثقافة في السجون وايصال الفعل الابداعي الى جميع المساجين المواطنين والدفاع عن الحق في الثقافة باعتبار أنه جزء من الحقوق الشاملة التي تدافع عنها المنظمة على حدّ تعبير امان الله الاسود ممثل المنظمة في عرض المسعدين.

في صراع الانا والمجتمع
الموسيقى تنطلق صاخبة لتحمل الجمهور الى شوارع القاهرة الصاخبة، الموسيقى تكون عنوانا للبداية ليغوص المتفرج في ثلاث حكايات يعيشها المواطن المصري حكايات ذات بعد إنساني وشخصيات يمكن ان تقابلها يوميا وبكادرات مميزة حمل المخرج ثامر عزّ جمهوره الى التفاصيل النفسية والعوالم الداخلية للشخصيات التي شرّحها امام الكاميرا فبدت واضحة المعالم والتفاصيل في الحركة والكلمة.

الشخصيات الرئيسية نراها كل يوم، نعرف قصصها وحكاياها لكن الصورة في السينما تكون اكثر صدمة، في الفيلم يعود بنا المخرج الى لحظات الولادة الاولى طارحا سؤال هل نحن من يختار سعادته؟ هل نحن المسؤولون عن قراراتنا واختياراتنا ام للاخر تأثير في هذا القرار والاخر هو العادات والمجتمع والعائلة.

يحاول المخرج الاجابة عن السؤال من خلال قصة «امين»(عمرو عابد» المدرب الرياضي الوسيم الذي يضطره الفقر وطلبات العائلة الى العمل في «الدعارة» لسدّ الطلبات والمستحقات المادية التي لا تنتهي، الحالة الثانية هي قصة الحب بين «فرح» (سلمى حسن) و «اسامة» (محمد حاتم)، قصة حب حقيقية وصادقة لكن المجتمع يحول دون وصالهما والسبب اختلاف الديانة فهي مسيحية وهو مسلم، مشكلة او قضية يعايشها المجتمع المصري منذ سنين ولازالت متواصلة الى اليوم، اما الحالة الثالثة فهي صراع رغبة الانا امام قبالة رغبة الاخر، صراع الموسيقى والمادة وبطلها احمد «امير عيد» صاحب الصوت المميز والحالم بالتخصص في الموسيقى امام تعنت والده ورفض ذلك بتعلة انه وحيده وعليه الانتباه لشركاته، صراع متصدع يخلق توترا تكون نتيجته اغان ممتعة طيلة الفيلم.

الشخصيات التي قدمها المخرج حالات اجتماعية نعايشها حاول من خلال الكاميرا الدخول الى اغوارها وكشف مدى ضعفها ووهنها احيانا واتخاذها لقرارات خاطئة بسبب الحاجة او الخوف من المجتمع، وكلما قدّم شخصيّة الا وغاص في التفاصيل والملامح المحيطة بها ليكشف عن مدى تاثير الاخر في الانا ومدى الصراع النفسي الذي نعيشه في صراع ذواتنا مع المجتمع.

المرأة والرجل سيان
«لما بنتولد» فيلم جريء كشف الثنائيات العجيبة التي تعيشها المجتمعات العربية وكشف ايضا انّ المرأة والرجل سيان، كلاهما بشر لهما نفس الحقوق والواجبات ويتساويان حتى في الخطإ يخطئ الرجل كما تخطئ المرأةّ، وبكل جرأة أشار الى الدعارة ذلك الموضوع المسكوت عنه خاصة التي يمارسها الرجال، فكلمة دعارة في مجتمعاتنا ترتبط بتلك الأنثى التي تبيع جسدها للجميع مقابل المادة، وفي «لما بنتولد» يضعك المخرج أمام الصورة العكسية فهنا الرجل يبيع جسده لنساء يبحثن عن المتعة بمقابل مادي ومتى تحركت بداخله تلك النزعة الذكورية أمام احداهنّ تكتفي بالاجابة «انت مومس والزبون له الحق انّ يفعل ويطلب ما يشاء» والتركيز على الدعارة التي يمارسها الرجل دعوة للتأكيد ان الرجل يخطئ ايضا وان الشرف كلمة هلامية وجب ان تكون عامة ولا تنحصر في جسد المرأة.

في «لما بنتولد» ينحاز المخرج الى المرأة وينزهها ويحاول ان يقدمها في صورة أجمل ويضعها في موقع القوة في الفاعل في «العلاقات الجنسية» و هي التي تطلب الزبون متى شاءت وهي صاحبة القرار الاول في جسده تعاينه قبل ممارسة العلاقةّ، ويقدم صورة جريئة وجديدة عن العلاقة بين الرجل والمرأة.

الموسيقى ميزة الحالمين


بالموسيقى نقاوم، بالاغنية يمكن ان نصنع البديل، في فيلم «لما بنتولد» اعتمد المخرج على طريقة قديمة جديدة في صياغة الفيلم من خلال شخصية الراوي التي نعرفها في الافلام القديمة بالجلبية والعمامة لكنها في الـ 2019 تعزف القيثارة وتمهد للاحداث او تعلّق على وقوعها بالاغنية، فكلمات الأغاني جزء اساسي من الحبكة الدرامية للفيلم الجديد الذي عرض اول مرة في مهرجان الجونة.

«لما بنتولد» نوتات موسيقية ممتعة وأغاني تنطلق من الواقع وتعبر هن هواجس الشعب المصري، أغان توجهت للطبقات الاجتماعية الثلاث البرجوازية والمتوسطة والفقيرة فمهما اختلفت مصادر الدخل او كمّها تظل الموسيقى سيدة القلوب.

أغاني الفيلم التي تتصاعد مع الأحداث وتتبعها ورغم المشاهد الموجعة والمواقف الصعبة أحيانا إلا أنها ظلت عنوانا للأمل فاغلب الأغاني تدعو إلى الحب إلى زرع الحب بدل الحدود بين البشر، الاغاني تدعو إلى القوة والتمسك بالمبدإ وان تعرضنا الى الخطئ الاغاني والموسيقى صنعتا شخصية احمد المتمردة المبدع على المسرح وسارق قلوب المعجبين واهتمامه الكلي بالموسيقى وعدم سعيه وراء أمواله الضخمة فالموسيقى تصنع الانسان وتصنع فيه حبه للحياة كما يقول الفيلم الذي ينتهي بأغنية تؤكد أننا نولد بصفر تفكير وصفر أخطاء نولد متساويين دون وجع المجتمع والدين واختلاف الفكرة نولد لنبتسم وبالاغنية يتساءل أن كان باستطاعة الإنسان أن يصنع سعادته بذاته ليترك نهاية الفيلم مفتوحة وسعيدة كانّ المخرج يدعو كل مشاهدي الفيلم إلى التمسك بالحلم ومحاولة تحقيقه.

أشرف لعمار مناضل سينمائي


يناضل لاجل السينما، عشق هذا الفن وانخرط في حركة دفاع متواصلة عن حقوق جميع المواطنين في مشاهدة السينما، اشرف لعماري اسم يعرفه كل متابعي السينما في تونس، تونسي صادق يحب وطنه ويعبر بطريقته الخاصة عن هذا الحب، للعام الخامس يخوض غمار العروض في السجن التي يشرف عليها تقنيا وفنيا، فنان محب للشاشة الكبرى ومولع بالسينما لا تثنيه المسافات ولا التعب عن ايصال السينما الى المساجين ومشاركتهم سعادتهم وجملته الشهيرة «انا

سجن المسعدين وللثقافة حظها ايضا


باب حديدي رمادي اللون، حوله حرس كثير، كلب مدرب يستقبل الضيوف ويتشمّهم، الباب العملاق يطرح السؤال كيف يمكن العيش خلفه، هل هناك حياة طبيعية خلف القضبان وخلف هذه الجدران المرتفعة، بضع خطوات وأعوان بأزياء مختلفة يرحبون بضيوف المكان، خلف ذلك الباب لبس السجن حلة أيام قرطاج السينمائية، خيام بيضاء اللون وضعت داخلها الطاولات وسجاد احمر فرش من باب السجن إلى قاعة العرض، استقبال وترحيب بالضيوف بالورود والحلويات التونسية التقليدية.

سجن المسعدين أصبح ركيزة أساسية في تظاهرتي أيام قرطاج السينمائية والمسرحية، السجن أصبح يعرض انجازات مودعيه الفنية ويتحدث عنها بكل اعتزاز وافتخار ويقولون «أولادنا أبدعوا».

بعد مسافة تتجاوز المائة خطوة توجد القاعة التي خصصت لعرض الفيلم المصري ضمن الدورة الخامسة لأيام قرطاج للسجون، تجربة فريدة يخوضها السجن بالشراكة مع المهرجان، تجربة الهدف منها الكشف عن مدى أهمية الثقافة في تغيير الإنسان وقدرتها على إعادة السجين إلى حياته الطبيعية كما قال نائب مدير السجن.

سجن المسعدين لا يقتصر النشاط الثقافي داخله على أيام قرطاج السينمائية فهناك عروض أفلام طيلة العام في إطار ثورة ثقافية نريد خلقها في مؤسستنا كما يقول نائب المدير وكما أن له العديد من المشاركات بلوحات تشكيلية وأعمال نحت تصنع من الصابون تمّ عرضها في المركب الثقافي بسوسة وخارج تونس ايضا بالاضافة الى نادي المسرح الذي يجمع نزيلات السجن وقدمن عملهنّ الاول بمناسبة يوم سوسة في مدينة الجهات ويكون العرض الثاني ضمن ايام قرطاج المسرحية، والنزيلات المشاركات في نادي المسرح كنّ الاكثر جرأة وتفاعلا مع نقاش الفيلم وذلك تاثير المسرح على الانسان.

في سجن المسعدين للثقافة حضورها واعمال المودعين الادبية والشعرية تعلق في السبورة ليقرأها الجميع اما اعمالهم الفنية الاخرى فتعرض خارج اسوار السجن ليؤكدوا ان السجن ليس نهاية الحياة بل فرصة لمراجعة الذات ومواصلة الحلم من جديد خارج اسواره.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا