العرض ما قبل الأول «طروف» لغازي الزغباني وكريس وايت في المركب الثقافي نيابوليس بنابل: المسرح انتصار للإنسان الفلسطيني وحقه في أرضه

المسرح هوية، المسرح مقاومة مستمرة وهو حفر في الذاكرة وتركيب للصور المشتتة لاعادتها وتكوين صورة واضحة

عن الارض والوطن، المسرح وسيلة للحياة ومطية ليعرف العالم انّنا لا نساوم أمام الأرض ولا نهادن من يريد سرقة أوطاننا، المسرح فعل متمرد وحركة مقاومة متواصلة للدفاع عن الحقوق والحريات فالركح تلك المساحة الحرة تنتصر للافكار الثائرة والأحلام التواقة للحرية، المسرح صرخة باسم الأرض وصرخة غضب ضدّ مغتصبيها هكذا تقول «طروف».
«طروف» مسرحية من اخراج غازي الزغباني وكريست وايت وتمثيل كلّ من محمد حسين قريع وامينة الدشراوي وناجي القنواتي وليلى علج ومامون الشيخ وشاكرة رماح وهي الانتاج الاول لمركز الفنون الركحية والدرامية بنابل بالشراكة مع فضاء لرتيستو والمركز الثقافي البريطاني بتونس.

على الركح تتوحد الافكار
ممثلون جمعتهم الفكرة، اختلفت الاراء والانتماءات والجنسيات وجمعهتهم فكرة ان المسرح كلي وشامل هو صوت الانسان والانسانية، على الركح ديكور قليل مجموعة من الصناديق البلاستيكية حمراء اللون كالدماء التي تتدفق في شراينهم للاحمر رمزيته فهو لون الدم ولون الخوف والاحمر عنوان للثورة ايضا والسواعد الساعية الى التحرّر»وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرّجة يدقّ» كما يقول احمد شوقي.

أجساد الممثلين هي الاخرى تصنع ديكور العرض، الصناديق تتغير حسب الحكاية والحدث، فهي في مرة «قفة» ومرة في «تاكسي» وفي مرات كراسي وفي أخرى حقيبة وحسب الحكاية تتغير وظيفة الصندوقّ، على الركح اجتمعوا ليقدموا «طروف» وهو اسم المسرحية وعلى الركح تداخلت الحكايات والأفكار والاوطان، فحين تشاهد المسرحية تجدك مرة في معبر فلسطيني أمام صف طويل ينتظر العبور هو نفس الصفّ المثقل الطويل في بوشوشة حين الثورة الليبية والعراقيل التي عاشها الهاربون من وطأة الحرب، هو الصفّ عينه في وسط العاصمة التونسية بعيد الثورة وفي فترة حظر التجوّل والمواطنون يقفون منتظرين الخبز او الحليب، ذاك الصف عينه نراه في سوريا اثناء الثورة، ففكرة الحدّ والعرقلة موجودة في كل دولنا العربية وان اختلفت اللهجة فالمعاملة واحدة «ارجع غدوة» ، «ممنوع» «ما فيك تمر» وهكذا تتيه الافكار والاحلام وانت لازلت تتنظر دورك في الصف الثقيل.

المسرح وسؤال الوطن المتواصل
«طروف» هو اسم العمل، كلمة من اللهجة الدارجة التونسية ومعناها الأجزاء، وعلى الركح تجدك أمام فكرة الأرض «الي مشات طروف طروف» تلك الأرض التي تجزأت منذ 1948 الى اليوم، تجدك امام قطعة «بازل» كبيرة الحجم مشتتة وهناك مجموعة من الأشخاص من جنسيات ولهجات مختلفة يريدون إعادة تركيبها.
«طروف» للاسم رمزيته فمعناه التشتّت والتشظّي وعلى الركح ينقد الممثلون هذا التشظي وينقلونه بحركاتهم المضطربة ورقصاتهم السريعة وكلماتهم المتسارعة فكما الأرض جٌزئت تكون حركات الممثلين على الرّكح تعبيرة واضحة عن هذا التلاشي.
«طروف» تجربة مسرحية جديدة تسلّط الضوء انطلاقا من نص فلسطيني على الواقع الفلسطيني، تحمل المتفرج الى المعابر ومشكلة الجوازات مع جيش الكيان الصهيوني، من خلال لهجة فلسطينية تحملك الى تلك الارض المسروقة ومعها حلم العودة، هذه الرحلة هي نفسها يعايشها التونسي في اكثر من مكان في الديوانة على الحدود وفي اوقات حظر التجوال وفي المعاملة مع البوليس احيانا كلّها تمتزج وتلتحم ليقدم الممثلون عملا مبهرا تكون فيه أجسادهم ديكور المسرحية ويصنعون بأجسادهم وأصواتهم موسيقى المسرحية دون استعمال مؤثرات صوتية او موسيقية فقط الضوء يعاضد حركة الجسم وبكل سلاسة ينتقلون من حكاية الى أخرى.
فالمسرحية قدمت اكثر من حكاية جميعها تتشابك ومن رمزية التجزئة وحلم إعادة لمّ الشمل تنطلق لتنقد شتاتنا وتضع الجميع أمام سؤال الأرض وتقدم صفعة لتدفعك للتساؤل هل نحن نقاوم لأجل وطننا ام نحن خانعون نريد تركه؟ هل نقوم بواجباتنا تجاه الوطن؟ وهل مازالت القضية الفلسطينية قضيتنا الأولى؟ ام أننا انشغلنا عنها بقضايا أخرى فرعية؟ هذه الأسئلة تطرحها أجساد الممثلين وقصصهم التي تنطلق منّا وتعبّر عنّا.

لانّكن الوطن تمسّكن بحلم البقاء
الوطن انثى والفكرة أنثى والمقاومة أنثى، والأنثى في «طروف» تكون عنوانا للقوة للتمسك بالحق وللدفاع الشرس عن الحريات، في «طروف» وطيلة العمل تكون «الفولارة» الخضراء اللون جزءا الديكور ولباس الممثلات تختلف وظيفته حسب تغير الأحداث ولتلك الفولارة رمزية المرأة الصادقة والكادحة واستعمالها كان تحية من فريق العمل الى كل التونسيات الكادحات والى كلّ امرأة صادقة وحالمة على هذه البسيطة.

هنّ ثلاثة أمينة دشراوي وشاكرة رماح وليلى علج، لكل واحدة منهنّ طريقة مختلفة في تقمّص الشخصية ولبس تفاصيلها وتقديمها إلى المتفرّج ثلاثتهنّ مميزات يصنعن الفارق متى صعدن على الرّكح وفي «طروف» يمثلن رمزا للمرأة الحالمة تلك التي لم تستسلم لقرارات التهجير ولا لاغراءات اروبا وظلت باقية في ارضها متمسكة بها تمسك شجرة الزيتون بالارض، ظلت شامخة كبرتقال يافا لم تغادر ولا تريد الابتعاد تعلم أبناءها انّ البقاء في الارض ايمان وتساعدهم لايصال افكارهم الى كلّ العالم وهم في ارضهم.
في «طروف» تتداخل الحكايات والقصص ومعها رسائل عن الارض والمراة والوطن، يتكرر مشهد جلوس ثلاث فتيات في مكان فسيح وقد اجتمعن للتسلية وبين الفينة والاخرى يمر شرطيان يسالان عمّا في «القفة» ويسالانهن «مازلتوا قاعدين» بنبرة تحمل الكثير من التهديد مع كلمة «نحن في دولة ديمقراطية ولكن»، تخاف احداهنّ وترغب في المغادرة فتمسكها الأخرى بالقول «نحن هنا ولن نغادر، لن نترك حقوقنا، لن نترك الارض والفكرة ولا حرياتنا»، لتضيف نحن الان لوحدنا لكن ستاتي عماتنا وخالاتنا ورفيقاتنا» ثم تطلب من النسوة الحاضرات الصعود على الركح ليكون المشهد جميلا ويصبح المتفرج ممثلا وينزل الممثل من الركح وتعاد صياغة الحكاية من جديد.
«طروف» تجربة مسرحية جديدة تنتصر للانسان وللقضية الفلسطينية، عمل ينتصر لكلّ الافكار الحالمة بغد افضل وحالمة باستعادة الارض، هي فكرة وقّادة تناصر للمرأة وتدافع عنها بالمسرح فالمرأة كما المسرح مقدّسة.

«طروف»: تجربة بحث اخرى
تجربة اخرى جديدة ومخلتفة يقدمها المخرج غازي الزغباني، مبحث مسرحي اخر وتجربة اخرى يخوضها تتماهى مع السياق المسرحي الذي انخرط فيه غازي الزغباني وهو العمل على القيم الكونية للمسرح من جهة، والتجريب مع ممثلين من جهة اخرى، فالأعمال التي يقدمها عادة ما تكون دون ديكور ويترك لجسد الممثل الحرية ليصنع إيقاعه وديكوره فيؤثث للفكرة من خلال جسد الممثل.
«طروف» تجربة أخرى يخوضها الزغباني صحبة ثلة من امهر الممثلين،هي عملية بحث متجدّدة في الانسان وقضاياه وسعي لمواصلة البحث في المسرح المقاوم.

مأمون الشيخ.. الأداء أصدق متى
تعلّق بالوطن
فلسطيني اللهجة والجنسية، تونسي الفكر والدراسة، ممثل اتقن أداء شخصياته بكل حرفية في عرض «طروف»، عبرات كادت تخنقه في بعض المواقف ربّما لانه عايشها وعاشها اترابه وأصدقاؤه، ارتجل على الركح وكان لارتجاله وقعه على الجمهور، الممثل الفلسطيني مأمون الشيخ أبدع في «طروف» وكان اداؤه صادقا جدا ربّما لأنّ الممثل يصبح أصدق ويلبس الشخصية إلى حدّ التماهي متى تعلق الأمر بالوطن.

أمينة الدشراوي ممثلة ممتعة
صوتها جهوري تتقن الغناء، لحضورها الركحي بهاؤه، ممثلة تنطلق من النكتة لتصنع شخصيتها المركبة، عرفها الجمهور في اعمال مركز الفنون الركحية بالكاف واقبل على شخصياتها في مبحث فكري عن الارض والمرأة الريفية شخصيات اتقنتها في هلال ونجمة ونسور اخراج سامي النصري ليجدها الجمهور في شخصيات مركبة اخرى في «طروف» ومبحث فكري اخر ابدعت فيه الممثلة الشابة امينة الدشراوي.

هل سئم الشباب التونسي من وطنه؟
أغلب الحضور من الشباب جمهور اغلبه من الطلبة والتلاميذ، لم تتجاوز اغلب أعمارهم الـ25 عاما، يبدو انّ علاقة الجمهور بالمسرح محدودة جدا لذلك أحدثوا تشويشا كثيرا لكن اغلبهم اتحدوا وهتفوا وصفقوا في مشهد يقول فيه الممثل «البلاد هاذي ماعادش يتعاش فيها، تخنقت نحب نخرج ونتنفس» ردّة الفعل والتصفيق ليست اعتباطا في تفسير لغة الجسد فهل سئم الشباب التونسي من وطنه؟ هل حقا يشتركون في الرغبة في المغادرة لانعدام فرص الحلم هنا؟.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا