المركز الوطني للفنون الركحية والدرامية في المهدية: تكريم احمد حاذق العرف: ذاك العرف كشجرة الحقيقة يستظل بها كل طالبي المعرفة

انصفه نصّه، أنصفته كلماته التي سهر الليالي الطوال يخطّها، انصفه النقد اللاذع والتحليل العميق، اعترفت الكلمات له بفضله

عليها لإخراجها إلى القارئ، انصفه الحلم وانصفته قريحته وأفكاره ليكون اليوم صاحب 3مجلدات عن المسرح والشعر والفنون في انتظار أن تحضر المجلدات الستّ الأخرى لتكتمل أعماله الكاملة التي أخذت من العمر الكثير في صياغة نصّ نقدي تونسي يميزه قدّم وتم الاحتفاء به في قاعة تحمل اسم علم من اعلام المسرح في المهدية «الناصر الكسراوي» ضمن فعاليات المهرجان الوطني للمسرح التونسي والمحتفى به هو الناقد احمد حاذق العرف.

هناك في «تمازيت» (البير الاحمر) ولد ذاك الطفل الحالم صاحب القريحة الوقادة كشموخ الجبال المحيطة بقريته الصغيرة تعلم أن يكون شامخا، من قسوة مناخ الجنوب الشرقي اكتسب قسوة العظم ورباطة الجأش لينطلق إلى العاصمة ويصبح سيد المجالس وسيد النقد فيها ومثلما فعل الشّابي ومحمد المرزوقي وغيرهم من أبناء جنوبه أصبح ذاك الجنوبي الهوى رمزا للقلم الناقد الموجع في المجالس الأدبية والمسرحية في العاصمة إلى حدّ انه عوقب بالإبعاد الإداري من العاصمة إلى أقصى الجنوب وتلك عقوبة كان يستعملها المستعمر مع الوطنيين فاستعملتها سلطة ما بعد الاستقلال مع تونسي ناقد ومفكر يحبّر الكلمات دون خوف هو احمد حاذق العرف الذي قال بمناسبة تكريمه «لست من محبي الحديث فلادع الكلمة للنص مضيفا انّ الاحياء لا ينصتون للمدح فقط انما للقدح والانتقاد ايضا وهذا قانون التسامح الذي نسعى الى تكريسه في الواقع» ليضيف «اكره الحديث عن ذاتي لاني اؤمن ان النص هو الذي يدافع عن صاحبه او ينكره، على النص ان استطاع ان يسافر في الزمن او يلبس ثوب الحداد، فلاترك الكلمة للنص وليكن الفيصل القارئ».

عن آثار العرف المكتوبة يقول الكاتب المسرحي الحبيب مبروك انّ الأمر يمثل الاستثناء لعلم نابض بالفكر الحرّ فالعرف ناقد مسرحي شغوف بطرح الأسئلة الكبرى، هو كلف بالانصراف عن النقد الانطباعي إلى دراسة المسرح من جوانب عديدة علمية وجمالية، فالعرف في نقده يطرح قضايا المسرح السياسية والاجتماعية ويمكن وصفه بأنه «مدرسة للنقد المسرحي في تونس» لأنه تجاوز مجرد التاريخ وتجاوز النزعة التوثيقية وتجنب المتابعة الصحفية السطحية ليحفر في طبقات العمل المسرحي ويقدم لنا نصا نقديا يسلط الضوء على علاقة المسرح بالقضايا الاجتماعية والسياسية التي تحيط بالعمل.

من يقول العرف يقول نصا نقديا مختلفا، مثقف وصاحب فكر مختلف لا يعمل فقط على الفرق الكبرى وأعمالها بل انطلقت كتاباته إلى الهامش واشتعل على فرقة المغرب العربي تلك التي وصف عبد الحليم المسعودي أعمالها «المسرح الخام» كما اهتم بمهرجان قربة لمسرح الهواية والجامعة التونسية للمسرحية وغيرها من الأعمال وجميع النصوص وضعت في مجلّد أكثر المصطلحات تكرارا فيه هي كلمة «عوائق التجاوز» ليختم الحبيبي مبروك مداخلته بالقول أنه يمكن اعتبار العرف مؤسسا للنقد المسرحي في تونس.

المجلدات الثلاثة هي الجزء الأول من الأعمال الكاملة للعرف جمعها محمد المي لمدة عام كامل قبل أن تنشرها وزارة الشؤون الثقافية عن دار سحر للنشر وتمت الطبعة في المطبعة المغاربية، كل مجلد جاء في 320صفحة، اهتم المجرد الأول بالمسرح التونسي عوائق التجاوز، والثاني كتاب عن الطليعة الأدبية المنعطفات والمنحدرات والمجلد الثالث «بلا ضفاف: صفحات من كتاب الحياة» هي أعمال ومقالات نشرت في أكثر من مجلة تونسية وعربية ومن ضمنها مجلة المغرب العربي التي أصبحت جريدة «المغرب» بعد الثورة، بالإضافة إلى مجلات العمل وبلادي والإعلان و»ديالوغ» والطريق البيروتية والنّشريات اليومية لأيام قرطاج السينمائية والمسرحية على حدّ تعبير محمد المي الذي جمع كتابات العرف الذي أشار إلى انّ صدور المجلدات إضافة للمكتبة التونسية لأنه جمع جزءا كبيرا من التراث الثقافي المكتوب منذ الاستقلال.

احمد حاذق العرف ذلك الجنوبي الهوى الذي احتل مجالس العاصمة واصبح رمزها، ناقد ومفكر اثيرت حوله شائعات عديدة ومنها «الناقد الذي لا يشاهد المسرح» اشاعات كانت الكتابات وحدها عنوانا لتكذيبها، العرف الذي تعلم الشموخ من جنوبه كان شامخا كنخلة في تكريمه، ذاك الرجل الذي وصفه ابن جنوبه نور الدين بالطيب بالقول «كبر العرف فاصبح شجرة» كان كشجرة ظلالها وارفة يتضلّل بها طالب العلم والمعرفة والباحثين عن خط نقدي مميز واجه السلطة وانحاز منذ بداياته للمسرح وللفنان والحقيقة.

تكريم الراحل الهاشمي غشام
اعترافا بفضله على المشهد المسرحي بجهة المهدية واعترافا بقيمة اعماله التي انجزها في المسرح وايمانا بأن الفنان لا يموت لانّ اعماله تظل حية ابد في الذاكرة ولانه جزء من الذاكرة المسرحية بجهة المهدية تمّ تكريم الهاشمي غشام تزامنا مع الاحتفاء بالعرف، تكريم رمزي تمثل في لوحة بورتريه اعدها الرسام نور الدين ساسي تسلمتها شقيقات الهاشمي غشام ابن المهدية ورمز من رموز المسرح فيها.

وفي قاعة الناصر الكسراوي والى يسار الحضور لوحات لاعمال مسرحية انتجتها الفرقة القارة بالمهدية ومن بينها عملان للهاشمي غشام وهما «المهاجران» عام 1988 وشريدة عي عالم الدمار عام 1984، والمسرحي الهاشمي غشام من مواليد برج الرأس من ولاية المهدية في 13 ماي 1953 زاول تعليمه العالي بفرنسا في مجال المسرح واشتغل لفترة طويلة في راديو سولاى أو راديو شمس بفرنسا قبل أن تتمّ دعوته لإدارة الفرقة المسرحية القارة بالمهدية وقد وافته المنية في العام 2014 تاركا خلفه حلم ان يكون للمهدية مركز للفنون الركحية وها قد تحقق حلمه وتمّ تكريم روحه في فضاء طالما حلم به.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا