المهرجانات الصيفية: ثقافة التدويل كفقاقيع الصابون جميلة لكنها لا تدوم

اسدل الستار عن صيف حافل بالمهرجانات في ربوع تونس، تقريبا 376 تظاهرة ومهرجانا في كل تونس، مهرجانات صيفية

واخرى دولية وعددها 35 مهرجانا توزعت جغرافيا في اكثر من ولاية، مهرجانات دولية حديثة التدويل بعضها دوّل بفنانين تونسيين وأخرى بعروض فنية لفنانين تراجعت شعبيتهم في دولهم واخرى اكتفت بعروض التعاون الدولي.

اسدل ستار المهرجانات الصيفية، فما الذي بقي في الذاكرة؟ وهل للمهرجانات الدولية فلسفة عمل واضحة؟ وهل تعمل مهرجاناتنا على الخصوصية والاستمرارية؟

تدويل بماذا؟
انتهى فصل الصيف وطويت معه صفحة المهرجانات الصيفية وبدأ الاستعداد لفترة هدوء ثقافي قبل افتتاح الموسم الثقافي الجديد 2020، انتهى فصل الصيف وطويت معه صفحة المهرجانات الدولية التي انتشرت هذا العام في كل الربوع تقريبا، فما الذي بقي من كلمة «دولي؟» وهل تستحق بعض المهرجانات الصيفية كلمة دولي؟. خاصة وانّ الوزارة اشارت إلى ان نسبة الدعم المخصص للمهرجانات ارتفعت لتصبح 142.273.750 دينار في العام 2019.

في احصائية لوزارة الشؤون الثقافية اكدت على ارتفاع عدد المهرجانات الدولية من 17 مهرجانا في العام 2016 الى 37 مهرجانا في العام 2019، ارتفاع من حيث العدد فماذا عن النوع الفني الذي تقدمه هذه المهرجانات؟ وعلى سبيل الذكر لا الحصر اصبح هناك مهرجان بلاريجيا الدولي ومهرجان سيدي الناصر بالسواسي أصبح دوليا ومهرجان مدنين الصيفي تم تدويله ومهرجان تطاوين اخذ صفة الدولية ومهرجان بومخلوف بات دوليا بالإضافة الى مهرجان العبادلة الدولي بسبيطلة ومهرجان القصرين الدولي وولادة مهرجان اوذنة الدولي في دورته الاولى والمهرجان الدولي بسيدي بوزيد ومجموعة من المهرجانات اصبحت دولية فهل قدمت مادة دولية وثقافية لجمهور متعطّش للفرجة؟.

الاجابة قطعا «لا»، فأغلب هذه المهرجانات دوّلت بعروض قدمها تونسيون على غرار مهرجان بومخلوف ومهرجان القصرين دوّلا لانهما قدما عرضا للفنان التونسي صابر الرباعي، دوّل مهرجان بلاريجيا لانه احتضن ككل عام عرض البالي الروسي ضمن عروض التعاون الدولي، ودوّل مهرجان سيدي الناصر والعبادلة السبعة بسيطلة لانّهما قدم عروضا لـ «روني فتوش» و«ايهاب توفيق» وكلاهما فنان تراجعت قيمته الفنية في بلده وهاهو يصبح عنوانا لتدويل مهرجان في وطننا العزيز تونس ارض الثقافة والفنون، امّا مهرجان مدنين في دورته الاولى دورة اعتقد انها ستشرع ابوابها على الابداع الحقيقي لتاتي الدورة الدولية الاولى فقط لحضور «فيصل الصغير» صاحب اغنية «انت كذابة، كذابة» ويبدوا انّ كذبة «مهرجان دولي» باتت ميزة العام 2019 فالاسم دولي بينما العروض امّا تونسية او اجنبية من الصفّ العاشر او نجومية فنان صنعها في التسعينات ولازالت تلك النجومية «ماعون صنعة».

التدويل او ثقافة الـ copie coller
اختتمت كل المهرجانات الصيفية عروضها بعد صيف طويل ومتقطّع اما بسبب الامطار او بسبب حالة الحداد التي عاشتها البلاد او تخوفا من العمليات الارهابية، انتهت المهرجانات الصيفية الدولية في داخل الوطن؟ تاركة خلفها «لاشيء» فقط توافد جماهيري على العروض بحثا عن فسحة للترفيه لا اكثر، فاغلب مهرجاناتنا الدولية في داخل الوطن هي مجرد تظاهرات الغاية منها توفير فرصة للمتعة لجمهور يعيش في مناطق تعيش تصحرا ثقافيا وربما تترك هذه المهرجانات فقط بعض الديون المتخلدة للدورة القادمة.

المهرجانات الدولية في الداخل اغلبها انخرطت في العروض المسرحية الكوميدية تلك التي لا تنتمي لا الى المسرح ولا الى الكوميديا بل عملية «تجميع» و»تلصيق» لسكاتشات ونكت يتم تداولها في الفضاء الازرق «الفايسبوك» على سبيل الذكر «دوبل فاس» لكريم الغربي وبسام الحمراوي و«ميغالو» لوسيم الحريصي ومسرحية رانية وفيصل، العروض الموسيقية هي الاخرى تتشابه فامّا امينة فاخت، او عرض فلكلور او الزيارة او نوبة سمير العقربي، عروض موسيقية ومسرحية تتجول في المهرجانات الدولية فتنفي الخصوصية عن هذه التظاهرات (مهرجان سيدي الناصر للعادات والتقاليد كان يمكن تدويله مع المحافظة على الخصوصية كذلك مهرجان ام الزين الدولي تدويلهما افقدهما خصوصيتهما) فجميع المهرجانات التي دوّلت تشترك في ظاهرة النسخ والتلصيق؟

والسبب غياب فلسفة واضحة للمهرجانات الدولية التي تشرف على انجازها جمعيات لم تتمرّس بعد بالفعل الثقافي، مع غياب استراتجية عمل تبحث في الخصوصية او تحاول صناعة الاختلاف، تشابه العروض والمهرجانات يكشف عن غياب رؤية ثقافية واضحة لتقديم منتوج مختلف الى المستهلك في الداخل فكل المهرجانات وكل المديرين والمسؤولين يفكرون بمنطق «الشعب عايز كده» اي ان المتقبل يبحث فقط عن ضحكة حينية او متعة مؤقتة دون التفكير في مادّة ثقافية تتميز بالاستمرارية.

مدن الفنون، مدن الحضارات؟ والمادة واحدة
مدن الفنون مبادرة من وزارة الشؤون الثقافية مبادرة كانت سببا في ارتفاع عدد المهرجانات والتظاهرات، ففي كل مدينة او معتمدية تظاهرة، اذ بلغ عدد التظاهرات والمهرجانات 376 في العام 2019، واغلب المهرجانات تضع بالبنط العريض عبارة «تونس مدن الفنون» او «تونس مدن الحضارات» للاشارة المهرجانات تندرج تحت هذا البرنامج، لكن جلها تشترك في البرنامج الواحد، جميع المهرجانات تتشابه من حيث البرمجة، وكلمة «مدن الفنون» ربما تكتب فقط لابراء الذمة او الحصول على الدعم من وزارة الشؤون الثقافية، فلم لا تقدم كل مندوبية مشروعا فنيا يندرج ضمن برنامج مدن الفنون او الحضارات وينجز في البرمجة الصيفية ويتم تبادل العروض بين المهرجانات لتكون الفائدة الثقافية والفرجوية اكبر عوض الحرص على الترفيع في التظاهرات والتسميات دون البحث في المضمون او البحث عن الخصوصية.

اوذنة الدولي: الاسم العالي...
سنوات طويلة وحلم افتتاح مسرح اوذنة يخالج محبي الفنون والتاريخ، حلم طال انتظاره ليتحول الى حقيقة في 20 جويلية 2019 وفتح ذلك الموقع الساحر ابوابه الى الحياة مع الدورة الاولى لمهرجان اوذنة الدولي، ذاك المسرح العريق الذي يعاند شقيقه قرطاج من حيث سحر المعمار وعراقة المكان، دورة دولية اولى اخذت من الدولية فقط الصفة، افتتاح كان باهت الالوان مع «نوبة» سمير العقربي العرض الذي اقترب من «عربون فوق السطح» اكثر من كونه عرض فني يستحق افتتاح اوذنة الدولي، ومن الدولية اقتصروا على اوبرا القاهرة والبالي الصيني، انطلاقة متعثرة لحلم طالما انتظره محبو هذا المسرح، فلم لا تقدم مندوبية الشؤون الثقافية ببن عروس ونظيرانها من الجمعيات والناشطين تصوّرا مختلفا لمسرح اوذنة؟ لم لا يكون لاوذنة خصوصية كتلك التي حضي بها الجم؟ ولم لا يكون لاوذنة بريقه الدولي الحقيقي فالانطلاقة دوما تكون عنوانا للمواصلة والانطلاقة المتعثرة معناها غياب الرؤية الواضحة لمهرجان يحمل اسم موقع اوذنة المميز.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية